كتاب الإيمان 25

كتاب الإيمان 25

الدرس في كتاب الإيمان 25، تابع باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح الأحاديث النبوية المتعلقة بمكان الكفر والفخر

شرح حديثين نبويين متعلقين بمكان الكفر والفخر والسكينة، ويبين أن الكفر يتجه نحو المشرق، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يماني. كما يشير إلى أهمية تربية الغنم في اكتساب الرحمة واللين.

توضيح حول أهل الوبر والفدادين وعلاقتهم بالفخر

توضيح أن أهل الوبر والفدادين ليسوا جميعهم من أهل الفخر والخيلاء، بل منهم من يكون على خلق كريم، وأن اقتناء الخيل والإبل يمكن أن يكون خيراً إذا اقترن بمجاهدة النفس ونية حسنة. كما يشير إلى الفوائد الطبية لألبان الإبل وأبوالها.

فضل أهل اليمن وتفسير دلالات الأحاديث

شرح أحاديث فضل أهل اليمن ويبين دلالاتها، ويشير إلى أن الفضل ليس خاصًا بأهل اليمن بل يشمل أيضًا أهل الحجاز. ويقدم علاجًا للجفاء والغلظة الناتجة عن حياة البادية.

حديث غلظ القلوب والجفاء في المشرق

ذكر حديث مرفوع عن النبي يدل على أن غلظ القلوب والجفاء يكون في المشرق، بينما يكون الإيمان في أهل الحجاز. رواه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم». أخرجه البخاري بكتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بأشعف الجبال. قال: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان، والحكمة يمانية». قال: أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. أورد المؤلف -رحمه الله- هذين الحديثين، الحديث الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، وعلى قاعدته -رحمه الله- فلفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري في الموضع الذي أشار إليه في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. وقد أخرجه البخاري -رحمه الله- من طريق شيخه عبد الله بن يوسف، فقال -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. والحديث الثاني كذلك على قاعدته هو لفظ الإمام البخاري، وقد أخرجه في الباب المشار إليه، فقال -رحمه الله-: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: فذكر الحديث بلفظه. وكل الحديثين أخرجهما الإمام مسلم في معنى التبويب الذي بوّب به في هذا الموضع، الباب الحادي والعشرين: باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه. وفي هذين الحديثين معنى ما سبق من المسائل المشار إليهما في الحديثين السابقين، وفي هذين الحديثين زيادة. زيادة إشارة إلى بعض المسائل من هذه المسائل، فيه زيادة تأكيد لما تقدم من أن المقصود بقرني الشيطان ليس تخصيصه في ربيع ومضر، ولكن في جهة المشرق، ومن جهة المشرق ما يأتي من جهة ربيع ومضر. ولا يلزم أن يكون كل من في ربيع هم من أهل الفخر والخيالاء، وكذلك فيهم رأس الكفر، ففيهم أناس مؤمنون، ومنهم وفد عبد القيس الذين جاء ذكرهم في حديث ابن عباس الصحيحين، ومر معنا في أوائل هذا الكتاب، وغيره من الأحاديث الأخرى. وهكذا كذلك فيه زيادة بيان أن المقصود بأهل القسوة والغلظة والفدادين هم الذين يكون ذلك فيهم على ما ينافي الدين ويخالف الشرع، ولا يلزم أن يكون كل أعراب من أهل السوء والفتن، فقد يكون بعض الأعراب هم خير من كثير من أهل القرى. ولهذا قال: «والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر»، مع أن بعض الصحابة كان عندهم خيل، والنبي -عليه الصلاة والسلام- حث على اقتناء الخيل، قال -عليه الصلاة والسلام-: «الخيل في نواصيها الخير»، وفي رواية: «ولفضل إلى يوم القيامة». وهذا حث منه -عليه الصلاة والسلام- على اقتناء الخيل. وقال -عليه الصلاة والسلام-: «الخيل ثلاثة»، وذكر منها ما يكون سبب رحمة وخير وبركة لصاحبها في الدنيا وفي الآخرة، وهي التي له أجر بما يحتسب من احتسابها في سبيل الله، فأكلها وشرابها وطعامها، حتى روثها وبولها ومشيها وسعيها ولعبها، كله له فيه أجر. وهكذا في أهل الإبل، ليس كل أهل الإبل أهل فخر وخيلاء، لكن كما تقدم هذا مضنة الفخر والخيلاء، هذا مضنة الفخر والخيلاء، وإلا فاقتناء الإبل مع مجاهدة النفس، اقتناء الإبل للحاجة وللمنفعة الدينية والدنيوية مع مجاهدة النفس على الأخلاق الكريمة والآداب الإسلامية، هذا هو الكمال؛ لأنه احتاج إلى ذلك وثبت مع هذا البلاء والإبل. وقد ذكرها ربنا جل وعلا من النعم في أكثر من سورة: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، كيف خلقت؟ وكذلك يكون فيها وبها الشفاء. وفي حديث أنس في قصة العرنيين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم حين اجتووا المدينة أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، ففيه شفاء. حتى العلم الحديث يثبت أن في لبن الإبل وأبوالها شفاء لكثير من الأمراض والأسقام المستعصية، ولبنها كذلك سبب للقوة، وقد كان العرب يعرفون ذلك من القديم، فيحرصون على امتلاك واقتناء الإبل لفائدة ما في لألبانها، فهو فيه صحة وقوة، حتى من به ضعف بأي معنى من معاني الضعف يوصف له لبن الإبل. وعلمنا فيما سبق أن الفدادين المراد بهم الذين صار من خلقهم رفعوا الصوت، وقوله ها هنا: «أهل الوبر» أي أهل الإبل؛ لأن الوبر ما يستخرج ويستخلص من أصوافها، فهم الذين يغتنون ذلك ويلبسونه في الغالب لحاجتهم إلى ذلك والامتلاكهم إياه. وكما تقدم أن هذا من مظنة حصول التعالي والغلظة، ولا يلزم أن يكون كذلك، ولكن هذا مظنته وسببه، ولهذا فهو كثير مع أهل هذه المملكات من خيل وإبل. وكذلك أهل التعرب والسكينة في أهل الغنم، كذلك فيه أن الفضل الذي ذكر في أهل اليمن ليس هو خاصًا في أهل اليمن، بل يدخل فيهم أناس كثر من أهل الحجاز. ولهذا جاء في رواية في البخاري، وهي من أفراد البخاري بهذا اللفظ: ذكر أهل الحجاز، ذكر أهل الحجاز. فأهل الحجاز أولى من أهل نجد كما تقدم. وكذلك في الحديثين من المسائل: تأكيد ما تقدم في فضل أهل اليمن، وأنهم جمعوا بين الفضل المعنوي والحسي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يجعل ذلك محل تفاخر، ولهذا أورد الإمام البخاري -رحمه الله- هذا الحديث في كتاب المناقب، باب قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أنظروا إلى الحديث كيف جمع بين الأمرين، فقال في أول الحديث: «الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر»، فإذا رأيت يمانيًا يفتخر ويختال كونه من أهل اليمن، فهو مسكين أخرج نفسه من الفضل وأدخل نفسه في أهل الوبر الذين هم أهل الفخر والخيلاء. وفي هذين الحديثين كذلك كما تقدم: تأكيدًا لما سبق: فضيلة تربية الغنم، وما كان بمعناها مما يدخل الرحمة على الإنسان ويلين طبعه، وهذا من أسباب أو من الأمور المعينة لعلاج الجفاء. قد يقول قائل: أنا ابتليت أني تربيت في البدو وعفشت مع هؤلاء فصار في طبعي شيء من الغلظة والجفاء، فهل من علاج؟ العلاج نعم يوجد شيء شرعي، وهو تعلم العلم والتأدب بآدابه، ويوجد شيء فطري يغير الإنسان مع السنين والزمن، وذلك أن يأخذ الضد. فكما أن هذه الغلظة جاءت بسبب الحياة الغليظة، فليتخذ لنفسه حياة على خلاف ذلك فيها شيء من اللين، كتربية الغنم وهكذا، كذلك تعليم الأطفال ونحو ذلك مما يدخل عليه أسباب الرحمة واللين، على خلاف ما ابتلي به من الغلظة والجفاء. وهذه الأحاديث التي أوردها كما أشار مما اتفق عليها البخاري ومسلم، وهناك أفراد كثيرة في البخاري ومسلم لبعض ألفاظ هذه الأحاديث، انفرد بها البخاري، وهكذا كذلك بعضها مسلم، وإن كان أصل الحديث متفق عليه. وليس شرط المؤلف أن يذكر الألفاظ، ولكن شرطه أن يذكر الحديث فقط أصل الحديث. ومن من فرد به الإمام مسلم في معنى هذا الباب ما رواه من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز». وهذا من أفراد مسلم من حديث جابر بن عبد الله. طيب نكتهي بهذا، والله تعالى أعلم.