الدرس في كتاب الإيمان 9، تابع باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الظلم لأنه ظلمات يوم القيامة، وأوضح أن دعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب. هذا التحذير يشمل جميع أنواع الظلم، حتى وإن كان المظلوم كافرًا.
الظلم له عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وقد يكون بغير اعتداء صريح بل بتفريط أو تساهل في الحقوق. الدعاء المستجاب للمظلوم قد يرفع درجة المظلوم ويكفر سيئة الظالم.
يجب على الإنسان تفتيش أعماله دائمًا، ويسأل الله السداد والتوفيق في جميع الأمور. كما يُحذر من الظلم في الولاية والإهمال في الأمانة، ويجب تقوى الله في الأمانات والولايات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال حديث بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: «اتقِ دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب». قال: أخرجه البخاري بكتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في سياق الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والحديث من الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين. وفي هذا الحديث هذه الزيادة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يتقي دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب. والحديث أصله الحديث السابق المتقدم، وتقدمت مسائلُه، وفيها هنا زيادة أمره عليه الصلاة والسلام لرسوله بأن يتقي دعوة المظلوم. وهذا يدل أن دعوة المظلوم تستجاب، ولو كانت من كافر؛ لأنه أخبره في أول الحديث أنه يأتي قومًا أهل كتاب. فإذا كانت دعوة المظلوم الكافر تستجاب، فكيف بدعوة المظلوم المسلم؟ فهي أشد استجابة. وبهذا تحذير من الظلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «واتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». بل هو كذلك في الدنيا، الظلم ظلمات حتى في الدنيا، فإن عاقبة الظلم بئيسة في الدنيا قبل الآخرة. وكم من إنسان اشتهر بين الناس أنه من الظالمين، جعل الله عز وجل فيه الآيات والعبر، فما من مكان ولا زمان إلا وللناس فيهم عبر وعضات في أخبار وأحوال الظالمين، كيف جعلهم الله عز وجل آية وعبرة بما كان من ظلمهم؟ إما أن يميتهم الله عز وجل شر الميتات بما يكون من ظلمهم واعتدائهم، وإما أن ينزل عليهم صنوف العذاب، فيعيش في الدنيا بسبب مظلمته وهو معذب. منهم من يصابوا بالحادث فيبقى مشلولًا طول حياته، وآخر من يبتلى بأبنائه، ربما أبناؤه كلهم من أدعياء العاهات، وآخر ربما يبتلى بزوجته، وهكذا أصناف ما يكون للناس بسبب الظلم. قد يقول قائل: فما ذنب الأبناء؟ وما ذنب الزوجات؟ والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الجواب هو: بالنسبة لهذا الظالم عذاب، وبالنسبة لمن وقع عليه البلاء رفع درجة وتكفير سيئة. ولله حكمة في ذلك، ولله حكمة في ذلك، فقد يكون بعض الناس ابنًا لبعض الظالمين، لكن يخرجه الله عز وجل بما تكون له به الكرامة. يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. فالشاهد أمر النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا أن يتقي دعوة المظلوم لخطر الظلم، وأنها دعوة مستجابة. وفيه دليل كذلك أن الدعوات منها ما هي مستجابات، ومنها ما هي مظنة الإجابة. فما كان من دعاء فيه اعتداء فهو غير مستجاب، وما كان من دعاء فيه اضطرار فهو مستجاب، وما كان من دعاء استوفى شروط الإجابة فهو مظنة الإجابة. وفيه كذلك التنبه لما قد يقع من مفاسد قبل وقوعها، فإن الغالب أن الإنسان إذا ولي ولاية صغيرة أو كبيرة قد يقع منه ما يكون فيه معنى البغي. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسبق بذلك بالتحذير من الوقوع فيه، وإن كان مثل معاذ رضي الله عنه أبعد ما يكون عن مثل ذلك. والشاهد ينبغي لمن كانت له ولاية أن يراعي مثل هذه المعاني. فإن كان لك ولاية على مدرسين، راعِ ما قد يقع، فانتبه له وحذر منه من الأمور التي يكثر الابتلاء بها بين المدرس والطالب، والطالب مع المدرس. فيُنصح الطالب بما يناسب مقام الطالب مع المدرس، والعكس المدرس مع الطالب. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون من ولي الأمر مع من تحت يده من الولاة ومن السعاة ومن أرباب المسؤوليات الصغار والكبار. ومن أعظم ما ينبغي أن يذكر به في اتقاء الظلم؛ لأن قوة السلطان قد تدفع الإنسان إلى الاعتداء حتى وهو لا يشعر. لا يظن الظالم أن الظلم لا بد أن يقع بشيء من الاعتداء، وكذلك الجفاء. لا قد يقع الظلم بالتساهل في الاجتهاد، أو يقع الظلم كذلك بالتفريط في الحقوق، فكل ذلك ظلم. فالمرأة التي دخلت النار في هرة، هل بشيء من الاعتداء المصمم المسبق قتلت الهرة؟ أم أنها فرطت وتساهلت فتركت هذه الهرة محبوسة، لا هي بالذي أطعمتها ولا هي بالذي تركتها تأكل من خشاش الأرض؟ ومع ذلك دخلت النار في هذه الهرة التي قتلتها. كذلك بعض الناس قد يفرط في بعض المسؤوليات، صحيح ومشغول، لكن ليس شغله عذرًا له أن يعتدي على أنفس أو أن يعتدي على أموال أو يعتدي على أعراض. كونك مشغول لا يعني ذلك أن تضيع تلك الحقوق أو تعتدي عليها، بل أنت محاسب عن ذلك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يولى على عشرة فما فوقهم إلا إذا أتى يوم القيامة أتى ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإما أن يفكه عدله وإما أن يكب في النار بجوره». فالظلم ليس يقع فقط بما يكون من سابق الاعتداء، بل قد يكون بالتفريط، وقد يكون كذلك بالإهمال، وكل هذا يدخل في معنى الظلم. فتساهل الموظف ظلم، تساهل الموظف في وظيفته ظلم للناس، وإن كان هو لا يرى نفسه أنه ظالم، يرى نفسه مشغولًا وأنه تراكمت عليه الأعمال، بينما في الحقيقة ليس كذلك عند الله ولا في واقع الأمر. فالعبرة ليس بما يرى هو، ولكن العبرة بواقع ما هو عليه بميزان الشرع. فلذلك ينبغي للإنسان أن يسأل عن نفسه: هل الذي فعلته أنا ظلم؟ هل الذي فعلته يجوز لي أو لا يجوز لي؟ لأنك قد تكون ظالمًا وأنت لا تدري، قد تفعل الشيء تظن نفسك أنك سلكت مسلك السلام والعدل وأنك فعلت وسع جهدك، وأنت لم تفعل ذلك. ولهذا كان سلفنا رضي الله عنهم يحرصون غاية الحرص أن لا يقعوا في شيء من الظلم، حتى بالغوا في التشديد على أنفسهم. بالغوا في التشديد على أنفسهم، فقاموا بالواجب والزيادة خشية أن يفرطوا في شيء فيكونوا قد وقعوا في الظلم. يروى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه ربما طاف بنفسه على بعض بيوت الفقراء، فحمل إليهم ما يسد فقرهم وجوعهم، وهو أمير المؤمنين رضي الله عنه أرضاه، يقوم بنفسه بذلك يتفقد أحوال الرعية ويدور عليها ويوصل إليها ما تحتاجه، ومع ذلك يرى نفسه مقصرًا رضي الله عنه وارضاه، يخاف على نفسه. وعمر الفاروق من عُدله بالعدل وهو على ما هو عليه، ومع ذلك يقول: «لو تعثرت بغلة بالشام لخشيت أن يعاقب بها». فتأمل هذا وتأمل ما عليه أكثر الناس اليوم ممن ولوا ولايات، وصارت تحت أيديهم أمانات. فكل من تولى أمانة وجب عليه أن يتق الله فيها، لا يكون من الظالمين، حتى حامل العلم لا ينبغي أن يغتر بما معه من العلم وما وفقه الله من العمل الصالح؛ لأنه قد يكب في النار بسبب مظلمة واحدة، بسبب مظلمة واحدة قد يكب في النار. فالإنسان لا يغتر لا بعلم ولا بعمل صالح ولا بصدقة ولا بصلاة ولا بصيام ولا بشيء من الأعمال الصالحة؛ لأن الإغترار بذلك يغطي عليه ما قد يقع منه مما يكون به هلاكه. فالهلاك يكون بعمل واحد، عمل واحد ربما يكون به الهلاك. فلذلك ينبغي للإنسان أن يفتش في أعماله جميعًا. نسأل الله عز وجل لنا جميعًا السداد والتوفيق. إلى هنا إن شاء الله.