كتاب الإيمان 24

كتاب الإيمان 24

الدرس في كتاب الإيمان 24، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تفاضل أهل الإيمان

يبدأ المقطع الأول بتوضيح أهمية الإيمان وزيادة الإيمان بالعلم والعمل الصالح، مع شرح حديثين نبويين يتعلقان بتفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن. كما يشير إلى أهمية الصحبة الصالحة وتأثيرها على الإيمان.

فضل أهل اليمن ودورهم في نصرة الدين

يُشيد المقطع الثاني بأهل اليمن لما لهم من فضائل، منها دخولهم الإسلام بغير قتال ورقة قلوبهم، ويُبين أهمية انتقاء الصحبة الصالحة وتأثيرها على الإيمان. كما يُوضح دور أهل اليمن في نصرة الدين ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.

تأثير البيئة على طباع الناس وعلاقتها بالإيمان

المقطع الثالث يتناول تأثير البيئة على طباع الناس، حيث يشير إلى أن أهل البوادي قد يكونون أكثر غلظة بسبب طبيعة حياتهم. كما يوضح أن الفضائل التي قد تكون لبعض المناطق لا ينبغي أن تكون سبباً للاغترار، بل يجب أن تكون دافعاً للعمل الصالح.

ختام وتأكيد على أهمية العمل الصالح

المقطع الأخير ينهي الحديث عن الموضوع بتلخيص ما جاء في الحديثين، ويشير إلى أن ما ذكر يكفي، مؤكداً على أهمية العمل الصالح وعدم الاغترار بالفضائل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تفاضل أهل الإيمان، فيه ورجحان أهل اليمن فيه. قال: حديث عقب بن عمر وأبي مسعود، هكذا عندي وهو خطأ، والصواب: عقب بن عمر أبي مسعود. ما عندكم في النساخ الأخرى؟ لا ألواه زائدة. قال: حديث عقب بن عمر أبي مسعود قال: أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: «الإيمان يمان ها هنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرناء الشيطان في ربيعة ومضر». قال: أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. قال: وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا وأرق أفئدة، ألفقه يمان والحكمة يمانية». أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن. أورد رحمه الله هذين الحديثين في هذا الباب من الأحاديث المتفق عليها في الصحيحين. أما الحديث الأول، وحديث عقب بن عمر الأنصاري أبي مسعود البدري، وقيل البدري نسبة لنزوله بدر ولم يشهد بدرًا، وذهب الإمام البخاري رحمه الله أنه شهد بدرًا. وهذا الحديث هو لفظ الإمام البخاري على القاعدة التي تقدمت مما ذكره المؤلف رحمه الله، فقد ذكره في الباب المشار إليه: باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. قال البخاري رحمه الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن إسماعيل قال: حدثني قيس عن عقب بن عمر الأنصاري البدري، فذكر الحديث بلفظه. وهذا أخرجه مسلم رحمه الله في التبويب في الموضع الذي بويب له بهذا التبويب المشار إليه: باب تفاضل أهل الإيمان، فيه ورجحان أهل اليمن فيه. والحديث الثاني كذلك، ولفظ الإمام البخاري في الباب المشار إليه: باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن. قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديثين مسائل كثيرة، من أهم هذه المسائل: ما أشار إليه من التبويب من تفاضل أهل الإيمان، فكلهم مؤمنون، ولكن يتفاضلون في هذا الإيمان، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وتقدم معنا مواضع زيادة الإيمان ونقصانه قريبًا. فمن أعظم أسباب زيادة الإيمان: العلم، والعمل الصالح، والكف عن الذنوب والمعاصي، ومن باب أولى: البدع والكفر والشرك والنفاق. وفيه كذلك أثر ما يخالط الإنسان في حياته على إيمانه، فما يعين على العلم النافع والعمل الصالح فهو مما يرجح الإيمان ويزيد فيه، فيكون أفضل من غيره. وما لا يعين على العلم النافع، بل الجهل، ويشغل عن العمل الصالح، فإنه على العكس يضعف وينقص الإيمان. ولهذا فإن أهل الغنم أفضل إيمانًا من أهل الإبل، وذلك لأمور، من هذه الأمور: أن أهل الغنم في الغالب يسكنون القرى، ولا يسكنون البوادي، وسكن القرى من مضان العلم، وسكن البوادي على العكس من مضان الجهل. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على سكن القرى والتحذير من التعرب بعد الهجرة، لما في التعرب -يعني الخروج إلى البوادي والأعراب- من مواضع الجهل والبعد عن العلم. وهكذا من مفاضلته: أن أهل الغنم في الغالب يحتاجون إلى السكنة بين الناس، وسكنهم بين الناس يعين على العمل الصالح، وعلى كذلك التلاطف والتأدب مع الخلق، لأنه يكثر من مخالطة الناس، لو لم يكن إلا حياء ومجاملة، وهذا من الإيمان. وعلى العكس: أهل الإبل يضطرون إلى البعد من الناس، لأنهم يحتاجون إلى المراعي ويتتبعونها، ويثمر ذلك قسوة، وكذلك وحشة تورث الغلظة والغضابة. وهكذا كذلك من معاني ذلك: أن نوع الخلطة بالإنسان والحيوان يؤثر. فلما كانت الغنم محل رحمة وعطف لضعفها وفقرها إلى مالكها، كانت مورثة للرحمة التي هي من الإيمان. ولما كانت الإبل قوية وغليظة وقاسية، لا تفتقر في الغالب إلى مالكها، ولهذا قد تغيب عن مالكها الشهر والشهرين، فإنها تورث صاحبها من الغلظة والغضابة ما يضر بآداب أخلاق أهل الإيمان. وهكذا كذلك في الغالب: أن أهل الغنم هم أهل قلة ذات اليد، وأهل الإبل في الغالب هم أهل سعة ذات اليد، لأن الإبل نفيسة وثمينة، ولا يملك الإنسان الكثير منها إلا وكان في الغالب عنده غنى أو بعض غنى، على العكس في الغنم، إلا النادر القليل، يعني قد يملك الإنسان غنمًا كثيرًا أكثر من إبل قليلة. فهذه بعض المعاني التي كانت سببًا في مفاضلة أهل الغنم على أهل الإبل. فليس المقصود عين الغنم والإبل، بقدر ما المقصود أنه مثال يدل على أثر حياة هؤلاء وهؤلاء. وبه نعلم كذلك ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم في مخالطته للخلق. فإذا كانت مخالطة الإبل والغنم تؤثر في الإيمان، فكيف ببني آدم؟ فهم أشد تأثيرًا. فهم أشد تأثيرًا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في السنن، بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» -أي من يصاحب-. وكما قال القائل: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي، الغالب أن الإنسان يتأثر بقرينه. لهذا قالوا: الصاحب ساحب. الصاحب ساحب. فالإنسان ينبغي أن ينتقي رفقته بما يزيد في إيمانه، لا العكس، فيبحث من يكون عونًا له على قوة الإيمان، ويحذر ممن يكون له سببًا لضعف إيمانه. وفي هذا الحديث فضل أهل اليمن، فهذا الحديث من أعظم الأحاديث التي فيها فضل أهل اليمن. وفي أهل اليمن فضائل كثيرة. وهذه الفضائل كانت لاجتماع أسباب الخير شرعية وقدرية كونية. أما الشرعية: بمسابقتهم في الخير ودخولهم فيه طواعية، فأهل الإيمان دخلوا في دين الإسلام بغير قتال، بخلاف أهل البلاد الأخرى، فإنهم دخلوا بقتال في الغالب. وأهل اليمن أقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهم أبعد مسافة، ولا يخفى خبر الأشعريين في الهجرة الأولى والهجرة الثانية، فهم من قديم أرادوا الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وخبر أبي موسى رضي الله عنه أرضاه، من معه في سفينتهم، فيها ما يدل على ذلك، حيث رمت بهم السفينة مع أهل الهجرة الأولى في أرض الحبشة أولًا، ثم جاءوا في الهجرة الثانية إلى المدينة. وهكذا قبائل كثيرة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسكنوا المدينة وما حولها. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما حسنه بعض أهل العلم: أنه وجد نفس الرب سبحانه وتعالى قبل أهل اليمن، معناه وفسر الحديث -أي التنفس- لأهل الإسلام ونصر الدين، الله عز وجل يكون من أهل اليمن بين الحين والآخر. ففي أيام النبي عليه الصلاة والسلام جاء الكثير من أهل اليمن، فنصروا الأنصار والمهاجرين، وعز الله عز وجل بهم وبمن سبق الدين. وهكذا كذلك لا يزال ذلك في زمن الخلفاء من بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك إلى يومنا هذا. بل صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث ابن عباس بإسناد صحيح: أنه قال: «يخرج من عدن أبيا اثنا عشر ألفًا ينصرون الله ورسوله، خير ما بيني وبينهم». وهذا يدل كذلك على هذا المعنى، وأنه إلى قرب قيام الساعة. وكذلك القدري الكوني: منه معظم ما وقع، ومنه ما فطر الله عز وجل أهل تلك الجهات من اللين -يعني لين الطبع- لين الطبع، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجا فيهم ما لم يرجو في غيرهم، لما أتوا إليه وطلبوا منه أن يدعوا على دوس، كما في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي. غضب من قومه حين دعاهم فلم يستجيبوا له، فقال: يا رسول الله، دعوت قومي فلم يستجيبوا لي، فادع الله عليهم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: قد رفع يديه، فخاف بعض من مع الطفيل بن عمرو الدوسي أن يدعوا على قومه فيستجاب فيهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم اهد دوسًا وأت بهم، اللهم اهد دوسًا وأت بهم». فهدى الله عز وجل دوسًا بغير قتال، وأتى بهم مؤمنين، وهم من قبائل أهل اليمن. وغير ذلك كثير من هذا المعنى. وما أكثر القبائل التي جاءت من جهة اليمن، فكل ما كان عن يمين الكعبة يسمى يمنًا، فبجيلة ومنهم جرير بن عبد الله البجلي من اليمن. وهكذا كذلك القبائل التي في الجنوب عمومًا، حتى الأوس والخزرج أصلهم من اليمن، ولكن هم من سكان المدينة. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: بيان أن من فضائل أهل اليمن كونهم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة، وأهل فقه وحكمة. وهذه بعضها شرعي، وبعضها قدري. فضعف القلوب يكون في الغالب بأحد أمرين: إما بالاكتساب، ومنه كما قلنا مخالطة معاني وأسباب الضعف، كتربية الغنم، تدخل الرحمة، والعكس تربية الإبل، كمثال، والعيش في القرى كذلك، بخلاف العيش في البوادي. ومنها هو فطري، يفطر الله عز وجل عليه الناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والغالب أن أهل اليمن فيهم رقة، وفي قلوبهم ضعف -يعني ضعف ممدوح-، وإذا لا شك زاد صار مذمومًا. وهذه الرقة يعرفها من خالطهم، وليست هذه محاباة ولا مجاملة، ولكن من وفقه الله بمخالطة جهات كثيرة يستطيع أن يعرف هذه الحقيقة. فتجد الضعف والرقة في أهل اليمن، حتى في بعض الجهات، تجد أنهم يتفاوتون. فإذا كانوا من جهة الجنوب في الغالب يكونون ألين. فمثلًا إذا خالطت عوام أهل نجد وعوام أهل الحجاز، وجدت أهل الحجاز ألين بكثير من أهل نجد. وإذا خالطت عوام أهل نجد وعوام أهل العراق، وجدت أن أهل العراق أشد غلظة من أهل نجد. وهكذا كذلك قل في أهل الحجاز وأهل اليمن، فإن أهل اليمن ألين من أهل الحجاز، وإن كان الكل في غاية الرقة. وهكذا كذلك الفقه في قوله عليه الصلاة والسلام: «الفقه يمان، والحكمة يمانية»، وذلك كما تقدم، قيل لإقبالهم على العلم وحرصهم عليه، وقيل لكونهم كان فيهم أهل الكتاب، وقيل أشياء أخرى. وبعض ما تقدم يدخل فيه، والحكمة يمانية كذلك، قيل لأنهم أهل أصول عريقة، كان بأصولهم العريقة الحكمة والخبرة، فجمعوا خبرات الناس. فأصول العرب ترجع إلى قحطان، وكذلك لا يخفى أن أصول الدول الكبار في الجزيرة كانت في جهة اليمن. وهذه تجمع لهم حكم بما يمر عليهم من أخبار وأحوال الناس، فضلًا عن العلم الشرعي، ذوفق إليه العبد. ومع ذلك ليس هذا سببًا للاغترار، حتى لا يغتر أحد مثلًا يقول: يمني، جاءت هذه الفضائل، وهذا فضل من الله، فإذا يتكل عليها ويظن أن هذا نافعه، وليس الأمر كذلك. بل مثل هذا الفضل حجة على المرء إذا لم يعمل بمقتضاه. فأهل البيت فيهم فضل، وإذا لم يعملوا بمقتضاه هذا الفضل، كان الفضل حجة عليهم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يسرع به عمله لم ينفعه نسبه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهذا أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك هو في النار. فلا يغتر أحد بهذا الباب، وبما كان بمعناه مما جاء فيه فضائل، لا يغتر أهل البيت بفضائل أهل البيت، ولا أهل قريش بفضائل قريش، ولا أهل اليمن بفضائل أهل اليمن، ولا أهل الشام بفضائل أهل الشام. أهل الشام بفضائل أهل الشام، بل تكون هذه الفضائل مدعاة للإحسان في العمل. وفيه من المسائل: التحذير من أسباب نقص الإيمان، ودخول الغلظة، وذلك بالعيش في البوادي، وتربية الإبل، ومخالطة أهل الجفاء من القبائل التي تعيش في الأعراب. ومنها: ربيعة ومضر، وربيعة ومضر ممن يسكن المشرق. وفي حديث ابن عباس في الصحيحين، حين جاء وفد القيس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من القوم؟» قالوا: ربيعة. وفي رواية في حديث ابن عباس قال: لما جاء هذا الحي من ربيعة -وفد عبد القيس-، وفد عبد القيس كانوا يسكنون جهة البحرين -يعني في جهة المشرق-، والبحرين هي الجهة الشرقية من الجزيرة العربية. وفيه دليل: أن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى نجد، ليس المراد بها فقط وسط الجزيرة، بل المراد بها جهة المشرق. وكما قال الكثير من أهل العلم بمعرفة أحوال الجزيرة: كانت أكثر الفتن وحبائل الشيطان تنطلق من أرض العراق، فمنها الزلازل والفتن. وسيأتي -إن شاء الله- الإشارة إلى شيء من ذلك. ففي هذا الحديث، كما تقدم: حث المسلم على اجتناب أسباب الغلظة. ومعنى الفدادين: أي أهل الأصوات الشديدة. وهذه علامة من علامات الغلظة، غلظة القلوب، أن يكون المرء صاحب صوت شديد. وهذا لأن الذي يكون في البوادي يحتاج لذلك، فيصير خلقًا له. والذي يقوم بتربية الإبل يحتاج لذلك، فيصير خلقًا له، حتى إذا خاطب الإنسان القريب، كأنه ينادي إبله التي في البادية. كما جاء في الحديث في قصة الرجل الذي دخل ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفهم ما يقول، وهو ينادي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو داخل من باب المسجد -يعني لم يأت إلى النبي عليه الصلاة والسلام-. فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: أخبرني عن الإسلام. هذا أدب من؟ جبريل عليه الصلاة والسلام. انظروا الفرق، جاء يأخذ العلم، يعلم الناس كيف يأخذون العلم، فعلم جلسة المتعلم، وسؤال المتعلم، وأدب المتعلم. بينما هذا الأعرابي جاء يسأل من باب المسجد، أول ما دخل المسجد نادى: يا محمد. فسمع الناس دوي صوته -أي شدته-، ولم يفقه بعضهم ما يقول. وهذا معنى من معاني الفدادين -أي أن يكون الصوت فيه شدة-، وهذه علامة من علامات الغلظة. وهذا إلى يومنا هذا، تجد بعض أهل البدو إذا جاء إلى البيوت ربما يصرخ عليك من أول الباب. وإذا لم يجد أحدًا في طريقه ربما تراه إلا فوق رأسك في غرفة النوم، لأنه ما تربى على الأدب، ما يعرف لا أدب الاستئذان، ولا يعرف كذلك حقوق البيوت، لأنهم ليس عندهم بيوت، هم يعيشون في الخيام. ويأتي الإنسان ويدخل الخيمة بدون استئذان، ويجلس فيها. فكذلك يظنون البيوت، لا يجعلون لها حرمة، ولا يتأدبون معها بأدب. فحياته البادية تورث الغلظة: غلظة في الطبع، وغلظة في الصوت، وغلظة في الأخلاق، وفي كل معاني الحياة، تؤثر بما ينافي كمال المسلم في أدبه ودينه. وقوله: «حتى يطلع قرناء الشيطان»، قيل: قرناء الشيطان هاجب الشيطان، والمراد به الفتن. وفسر بتفاسير كثيرة، والمقصود إشارة النبي صلى الله عليه وسلم: أن الفتن تكون من جهة المشرق، كما سيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه. هذا خلاصة ما يذكر في هذين الحديثين، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.