الدرس في كتاب الشفعة 1، كتاب الشفعة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الشفعة حق للشريك في شراء حصة شريكه عند بيعه، وتعتبر من محاسن الشريعة الإسلامية. الشريعة الإسلامية تتفوق على القوانين الوضعية في تفاصيل أحكام البيع والشفعة.
الشفعة تطبق في البيع وما كان بمعناه، ويشترط أن يكون العقار مشاعًا غير مقسوم. تتحدد أحقية الشفعة بوجود طريق مشتركة ومصالح متشاركة، ولا تصح في صداق أو خلع.
الشفعة تكون في الأراضي التي تتشارك في مصالح مثل الماء أو الطريق الواحد. يُشترط في الشفعة عدم الإضرار بالشريك أو الجار، ويجب إعلام الشريك قبل بيع حصة الشفعة.
يتناول حكم الشريك الغائب لفترة طويلة مثل المفقود، حيث يُنتظر المفقود لمدة قد تصل إلى سبعين سنة أو أكثر حسب بعض أهل العلم. يُشير إلى اختلاف الآراء حول هذه المسألة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «كتاب الشفعة»، قال: «سببها الاشتراك في شيء ولو منقولا، فإذا وقعت القسمة فلا شفعة، ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه، ولا تبطلوا بالتراخي». أورد رحمه الله كتاب الشفعة في ضمن كلامه على مسائل كتاب البيوع، والشفعة بحث من مباحث البيوع. فقوله: «كتاب الشفعة»، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الشفعة. ومر معنا في دروس سابقة أن «كتاب» بمعنى «مكتوب»، وهذا كثير في لغة العرب، «فعال» بمعنى «مفعول». والشفعة مأخوذة من الشفع وهو ما يقابل الوتر، فمعناه في اللغة مأخوذ من المشاركة والتثنية. هذا من محاسن هذه الشريعة العظيمة الحكيمة التي أنزلها الله عز وجل بهذا الإتقان العظيم، فإن من محاسن هذه الشريعة استحقاق الإنسان انتزاع حصته من شريكه الذي عرض ماله للبيع ونحوه في العقار خاصة، إذا لم يقسم المال أن يكون الشريك الجار ومن كان بمعناه من أهل الشراكة والقرب أحق بهذا المال من غيره. مثل هذا التفصيل لا يوجد في شيء من قوانين أهل الأرض، ولكنه حكم إلهي منزل من عند الله الذي خلق الخلق وعلم ما يصلحهم، حتى أنزل لهم من تفاصيل أحكام الشريعة الحكيمة في مسائل كثيرة ما يكون به صلاحهم وكمالهم واستقامة حياتهم، ومنه هذه المسألة من مسائل البيع. ولهذا تجد أهل القوانين الوضعية الأرضية في مثل هذه المسألة لهم آراء عجيبة، وربما دخلوا في تفاصيل تتعجب أكثر كيف يلعب الرأي والعاطفة بأصحابه. لكن إذا تأملت إلى تفاصيل حكم هذه المسألة في دين الإسلام تعظم عندك هذه الشريعة العظيمة السمحة التي فيها هذه الأحكام المتقنة والتي تدل أنها من عند الله العزيز الحكيم. وباب الشفعة وكتاب الشفعة تحته مسائل كثيرة، وقبل الدخول في هذه المسائل ينبغي أن نعلم أن العلماء ذكروا شروطًا للشفعة بمقتضى ما ورد من أدلة في مسائل الشفعة. أول هذه الشروط أن يكون في بيع أو ما كان بمعناه، أن تكون الشفعة في بيع أو ما كان بمعناه، فلا تصح الشفعة في صداق أي مهر أو خلع، لأن نصوص الشرع دلت على ذلك. وستأتي معنا بعض الأحاديث التي تدل على أن الشفعة في البيع وما كان بمعناه. هذا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل أن الشريك والجار الذي قضى الإسلام له بأحقية الشفعة إنما كانت له هذه الأحقية لما كان المنافس مماثلًا أو أدنى، لأن المنافس من هو؟ هو مشتري أو من كان بمعناه. فلا يقال مثلًا أن الشريك والجار أحق بالشفعة من الوريث، أليس كذلك؟ إذا مات صاحب الأرض وله الشريك، هل يمكن للشريك أن يقول أنا أريد هذه الأرض لأنني شريك ولا يصلح للورثة أن يأخذوا مني؟ هل يصلح هذا؟ لا، لأن الورثة أقوى من الشريك. أولًا لأن الدليل إنما جاء في البيع وما كان في معناه، والأدلة في حكم الورثة صريحة صحيحة كثيرة، ولأنه كذلك من جهة التعليل هذا الذي سمعتم الشريك والجار الذي وأحق بصقبه إنما هو فيما كان فيما هو مثله، وهذا إنما يكون في البيع وما كان بمعنى. فما كان من مال مبدول في صداق أو خلع فهذا لا يدخل فيه هذا الحكم لأنه أقوى من البيع، وقد نص العلماء على هذا المعنى الأول في شروط الشفعة. الشرط الثاني من شروط الشفعة أن يكون في كل مشاع غير مقسوم، في كل مشاع غير مقسوم، ويذكرون في هذا المشاع العقار وما كان بمعنى العقار. وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله «ولو منقولا»، وسيأتي الكلام على هذه المسألة وأنه الصحيح في العقار وما كان بمعناه. وأما ما كان ليس بعقار ومعنى العقار فلا يدخل في ذلك، لأن الأصل في هذا الباب المنع إلا ما استثناه الدليل، وإنما الدليل استثنى العقار وما كان بمعنى العقار. فإذا الشرط الثاني أن يكون في مشاع غير مقسوم، وغير مقسوم معناه تتحد الطرق وتتشارك المصالح. فأرض لها طريق واحدة أرض تستحق حكم الشفعة، أما أرض ليس لها طريق واحدة فهي أرض لا تستحق حكم الشفعة. أرض لها بئر واحدة أو لها مجرى للماء واحد فهي أرض تستحق الشفعة، وأما أرض ليس لها بئر واحدة وكذلك لها طرق مختلفة فهذه أرض ليس في حكم الشفعة. وسبب الشفعة هو عدم حصول الإضرار بالجار أو الشريك. كما نرى في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظره إن كان غائبا إن كان طريقهما واحدة». وهذه رواية لحديث جابر خارج الصحيح، وهي رواية حسنة تدل كذلك على هذا المعنى، وفيها أن الشفعة في العقار يعني الأراضي وما كان بمعناه مما هو بمعنى العقار كالحيطان ونحوها. والصحيح من أقوال أهل العلم أن حق الشفعة ليس خاصًا بالعقار بل في العقار وكل ما كان بمعناه مما تتحد فيه المصالح. فإن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، فما دامت العلّة موجودة فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فقوله رحمه الله: «فإذا وقعت القسمة فلا شفعة»، معنى قوله: «فإذا وقعت القسمة فلا شفعة»، أي إذا تفرقت المصالح فلا شفعة، أي لا يلزم الشفعة. وتفرق المصالح قد يكون حسيا وقد يكون معنويا. من الحسي أن يكون هناك طريق لكل أرض، ومنه أن يكون الماء لكل أرض ويكون سور لكل أرض. فهنا مثل هذه الأراضي ليس فيها شفعة لأن المصالح متفرقة. لكن إذا اتحدت الأرض أرض بجدار واحد مشترك فهنا توجد مصلحة مشتركة. وقوله رحمه الله: «ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه»، وهذا لما سبق في الأحاديث المتقدمة، حديث جابر بن عبد الله وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينتظر الشريك حتى ولو كان غائبا أو كان كذلك جاهلا وغير عالم، لابد أن يؤذن وأن يخبر. وقوله رحمه الله: «ولا تبطل بالتراخي»، أي لا تبطل الشفعة بالتراخي. ومعنى ذلك أي أن حكم الشفعة باق ما دام أن هذا الشريك له مصلحة، فلا يجوز أن يبخص ويضلم في مصلحته، ولا يجوز أن يضر بإدخال الأجنبي عليه بدون أن يستأذن. فمثلًا لو كان غائبا وجب أن ينتظر، وهكذا كذلك لو كان عنده عذر ولم يستطع الوصول إليه وجب أن ينتظر، بشرط أن لا يكون فيه إضرار عليه. إن كان فيه ضرر عليه فلا ضرر ولا ضرار. مثلًا قد يكون الشريك غائب غياب طويل لا يدرى متى رجوعه كالمفقود مثلًا، فالمفقود ذكر بعض أهل العلم أنه ينتظر كم أقصى ما ذكر سبعين سنة، وبعضهم قال أكثر. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.