كتاب الإمارة  3

كتاب الإمارة 3

الدرس في كتاب الإمارة 3، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها

يتناول هذا الفصل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة والحرص عليها، مستشهدا بحديث عبد الرحمن بن سمرة وأبي موسى الأشعري. يُحذر من سؤال الإمارة لما قد يترتب عليه من وكل إليها وعدم إعانة الله تعالى.

تحذير النبي من طلب الإمارة والولاية وتولية الأصلح

يشرح هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر فيه من طلب الإمارة والولاية، ويبين أن من يطلبها لا يعطاها، وأن الكفاءة هي المعيار لاختيار الأصلح للولاية. كما يشير إلى أن سؤال الإمارة يفتح باب المفاسد ويجب درء المفسدة على تحصيل المصلحة.

مسائل مستفادة من الأحاديث النبوية

يتناول هذا الفصل مسائل مستفادة من حديث أبي موسى الأشعري وغيره، منها الحذر من إدخال من يكون سببا في الإضرار، وقبول العذر عند الاعتذار، وتولية الأصلح، وحكم المرتد، وزيارة أهل العلم بعضهم لبعض، والتذاكر في الأعمال الصالحة، والأجر في المباحات إذا احتسبها المسلم.

حكم العمل بشرع من قبلنا ومدى جوازه

يتناول هذا الفصل مسألة جواز الأخذ بشرع من قبلنا، ويشير إلى أن بعض أهل العلم يرى أنه ليس بشرع لنا إذا خالف شرعنا، مبينا اختلاف الآراء في هذه المسألة.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها. قال حديث عبد الرحمن بن سمرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال حديث أبي موسى ومعاذ بن جبل: قال أبو موسى: «أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-». قال: قلت: «والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل». «فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصه». فقال: «لن، ولا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت -يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس- إلى اليمن». ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: «انزل». وإذا رجل عنده موثق، قال: «ما هذا؟» قال: «كان يهوديا فأسلم، ثم تهود». قال: «اجلس». قال: «لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات-». فأمر به فقتل. ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: «أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي». قال: أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب والحديثين في سياق ذكره لأحكام الإمارة، فقال: «باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها». وعلى قاعدته، فالباب ما بوب به على الصحيح: مسلم. ومعنى هذا: مدخل لمعرفة حكم النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها. فالباب -لغة-: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا: الدخول والخروج المعنوي. فقوله: «النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها»: فيه التنبيه إلى هاتين المسألتين: أولا: طلب الإمارة، وأن ذلك مما ينهى عنه. وثانيا: الحرص عليها -يعني ولو لم يطلبها-، فإذا طلبها مع حرص، فكان أشد وأشد. ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن سمرة، وعلى ما تقدم معنى من قاعدته، فاللفظ: للإمام البخاري. وقد أخرجه في الباب المشار إليه، فقال -رحمه الله-: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سمرة، فذكر الحديث. غير أنه زاد في آخره: «وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فكفر عن يمينك». هكذا هو في لفظ الإمام البخاري بزيادة: «وإذا حلفت على يمينك، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فكفر عن يمينك وأتي الذي هو خير». وحديث أبي موسى ومعاذ -رضي الله تعالى عنهما- كذلك على قاعدته، ولفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه في الباب المشار إليه في كتاب استتابة المرتدين، فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن يزيد بن خالد، قال: حدثني حميد بن هلال، قال: حدثنا أبو بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث بلفظه. ومناسبة إيراد هذين الحديثين لهذا الباب ظاهرة؛ فحديث عبد الرحمن في نهيه صلى الله عليه وسلم عن سؤال الإمارة، وقوله: «فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها». ففي هذا التحذير من سؤال الإمارة والنهي عنه. وذلك أولا: لأن الغالب -كما تقدم- أن سؤالها يكون ممن هو ليس بأهلها. وثانيا: لأنه كذلك لا يعان من الله إذا كان هو سألها، بخلاف إذا لم يسألها؛ فإنه يعان. وهل هذا حتى ولو كان هو أهل؟ قال بهذا بعض أهل العلم: حتى ولو كان السائل أهل لذلك؛ فإنه إذا سألها لم يعان عليها بظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقد استثنى بعض أهل العلم من ذلك ما إذا كان أهل لا يعلم به، ويعلم بما عنده من العلم الشرعي أنه أهل لذلك، وأنه أولى من غيره. وعلى هذا يحمل ما جاء في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، خلافا لما ظنه بعضهم بالتأويلات الباطلة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها»: هذا عام؛ فكل من لم يسألها يعان عليها بإذن الله تعالى. وفي هذا كذلك التزهيد من سؤال الإمارة؛ لأن كل إنسان قد يظن نفسه كفءا وأهلا، فيكون ذلك سببا في التنافس عليها وحصول الفتن لأجل ذلك؛ لكن يترك هذا الباب لأهله. فهناك من أهل الحل والعقد من هم محل شورى، يرون بما عندهم من العلم والخبرة من هو أصلح لهذا الباب. ومن باب أولى: أن فيه التحذير عن الخروج على الإمارة والأمير، وسيأتي معنا -إن شاء الله- باب خاص في هذا المعنى. ومن باب أولى: أنه فيه كذلك طاعة الأمير، وكذلك ملازمة أمره. وفي قوله عليه الصلاة والسلام كذلك: «فإنك إن أوتيتها»: فيه أن الإمارة تصح إن وقعت على غير الوجه الشرعي الذي يحبه الله ورسوله إذا قد وقعت. ولهذا نص العلماء: أنه إذا استتم الأمر واستتب لمن يتولى أمر المسلمين، حتى ولو كان ظالما أو بظلم؛ فلا ينبغي بعد حصول تمام الأمر الخروج والنزاع، حقنا لدماء المسلمين وحفظا على وحدة كلمتهم. وسيأتي معنا -إن شاء الله- الإشارة إليه لاحقا. وهكذا كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «وإن أوتيتها من غير مسألة»: فيه الحث على البحث عن الأصلح من قبل أصحاب الشأن من ولي الأمر أو من هم أهل مشورته؛ فلا يمكن الوصول إلى هؤلاء إلا بالبحث عنهم. فكيف يؤتى من غير مسألة إلا أن يبحث عنهم، وأن يتفرس في أهل الكفاءة في ذلك. ولهذا يذكر العلماء هذا الحديث في باب تولية الأصلح؛ فإن تولية الأصلح مما طلبه الشرع، ومما يؤمر به ولي الأمر ومن تحت يده ممن يأمره به من أهل الولايات والإمارات. وفيه كذلك -على الصحيح- أن هذا الحكم ليس خاصا بالإمارة الكبرى، ولا ما تحتها؛ بل في كل ولاية ومسؤولية ورعاية. ونص الحافظ بن حجر -رحمه الله- في الفتح على ذلك: أن هذا عام في معنى كلامه في كل ولاية من قضاء وحسبة وغيرها من أنواع الولايات والمسؤوليات والرعايات؛ فلا يسألها الإنسان ولا يطلبها، حتى ولو كانت رعاية ومسؤولية صغيرة. لا يقول أحد: «مكنوني أن أكون مدير المدرسة، مكنوني أن أكون إمام المسجد، مكنوني أن أكون أنا المؤذن». حتى ولو كان في أذان أو إمامة أو غير ذلك؛ هذا نص أهل العلم في هذا الباب؛ فإنها -أي الأدلة- في هذا الباب عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإن كان الحديث ورد لأجل الإمارة؛ لكن المعنى عام. فكل من طلب شيئا من الولايات والمسؤوليات والرعايات؛ فإنه لا يعان عليها، ولا يعطاها. هذان حكمان: لا يعطاها، ينهى عن سؤالها، ولا يعطاها، وكذلك لا يعان عليها إن أعطيها. ومعنى أنه كذلك قد يعطاها من هو ليس أهل، فإذا وقعت فما دام الأمر قد تب كما تقدم؛ لكن المطلوب هو عدم طلبها، فضلا أن يعطاها من هو ليس بأهل أو من سألها. وفيه كذلك ما نص عليه بعض أهل العلم، ومر معنا قريبا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أنه لا يعطاها أحد بسبق طلبه؛ لا يعطاها أحد بسبق طلبه. لا يقال: «فلان طلب أولا فهو أحق بها أبدا». ليست هي بالسبق، ولا كذلك بأي معنى من المعاني الأخرى؛ بقدر ما المقصود منها الكفاءة. وأعظم شروط الكفاءة: القوة والأمانة؛ القوة والأمانة كما قال الله عز وجل في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع والد المرأتين: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. فأعظم شروط الكفاءة: القوة، ويدخل في القوة الخبرة في الشيء الذي يطلب توليته فيه. فإن كان إماما فصفات الإمام، أو مؤذنا فصفات المؤذن، أو مدرس لغة عربية مثلا فصفات مدرس اللغة العربية. ومع هذا صفة الأمانة، ويدخل في الأمانة الدين: كونه دينا، صاحب سنة، ليس صاحب هوى وبدعة. وكذلك كونه تقيا، ليس صاحب فسوق ومعاصي وكبائر ونحو ذلك. وفي الحديث الثاني كذلك شاهد؛ هذا الحديث بالنسبة للترجمة: رد النبي صلى الله عليه وسلم طلب الأشعريين، فقال عليه الصلاة والسلام: «لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده». يعني رد طلبهما. ففيه معنى حديث عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله تعالى عنه- أرضاه. ويقال فيه بمثل ما قيل في حديث عبد الرحمن بن سمرة. وفيه كذلك مما يتعلق بهذا الباب: التحذير من الحرص على الإمارة، وأن لا يعطاها من حرص عليها، وأن ينهى عن سؤالها والحرص عليها. وكل هذا يتضمنه قوله: «لن ولا نستعمل على عملنا من أراده». فقوله: «لن» لما مضى، وكذلك «لا» لما سيأتي. ومعناه: ينبغي أن يؤسس من هذا الباب، وأن يحفظ أنه لا يستعمل في هذا الموضع من يسأل ذلك؛ لأنه -كما تقدم- أولا: لا يعان عليها. وثانيا: أن الغالب من يسأله يسأله وهو ليس بأهل وكفء. وإن كان أهلا وكفءا؛ فكما قال بعض أهل العلم: سدا لهذا الباب ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح؛ لا يمكن منها إذ قد يوجد غيره من هو أهل. والغالب أنه يوجد؛ لأننا عندنا الآن مصلحة ومفسدة. ما هي المصلحة؟ المصلحة: تمكين هذا الكفء. وما هي المفسدة؟ المفسدة: فتح باب سؤال الإمارة وسؤال المسؤوليات؛ هذه مفسدة. فإذا قيل: «فلان سألها فأعطيها»: هذا ماذا؟ يفتح هذا الباب. وهذه مفسدة. فإذا نظرنا بين المصلحة والمفسدة؛ قدمنا درء المفسدة على ماذا؟ على تحصيل المصلحة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذه المصلحة تتحقق بغير هذا السائل؟ هذا ممكن. ليس ينحصر في الغالب الأمر عند هذا السائل؛ بل قد يوجد غيره، قد لا يوجد غيره مما يكون فيه معنى الكفاءة. فلهذا قال من قال من أهل العلم: بالعمل بعموم هذه الأدلة الواردة في هذا الباب، على أقل الأحوال: أن درء المفسدة مقدم على تحصيل المصلحة. فكيف إذا انضاف أن المصلحة قد تتحقق كذلك من غيره؟ ولن يعدم الناس في الغالب من هو كفء من غير هذا السائل. وفي الحديث مسائل أخرى: من أهم هذه المسائل في هذا الحديث: مشروعية الستر على المخطئ إذا كان ذلك يعينه على ترك الخطأ، وعلى أن لا يضر به. وكثيرا ما نجد في الأحاديث مثل هذا المعنى؛ فلا يذكر فاعل ذلك. فهنا قال: «ومعي رجلان من الأشعريين» لم يسميهما -رضي الله عنه- أرضاه. وهكذا ينبغي أن يكون خلق المؤمن والمسلم: الستر، أن يحب الستر لإخوانه. والعكس: المنافق، المنافق هو الذي يحب نشر المعايب وتتبع العثرات والسقطات. ولهذا حذرنا في ديننا عن تتبع الزلات والسقطات والعورات. وقد قال عليه الصلاة والسلام -محذرا وكذلك ناهيا- من تتبع عورة أخيه المسلم: «تتبع الله عورته حتى فضحه -أي- في قعر بيته». وهكذا حال من يتتبع عورات المسلمين؛ فإن الله عز وجل يفضحه بأعظم مما يظن أنه فضح غيره. والعكس: ربما يجعل الله عز وجل لغيره من معاني التمكين ما يكون سببا في إذلال هذا المعتدي في الدنيا. وهكذا كذلك في الدار الآخرة. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: الحذر من إدخال من يكون سببا في الإضرار بك، خصوصا على أهل الولايات ونحوهم. وهذا الحديث معنى يدل على ذلك المقصود. فإذا كان هذا يقع من صحابة وأصحاب فضل وخير؛ فقد يقع ما يكرهه ولي الأمر، فكيف بمن دونهم؟ فهو من باب أولى. وفيه كذلك: قبول العذر عند الاعتذار. قال أبو موسى -رضي الله عنه- معتذرا: «والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل». وهكذا ينبغي الإنسان أن يعتذر كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنها صفية» حتى تسلم النفوس من سوء الظن. وكون المسلم يبقى ويبقي غيره على الصفاء؛ هذا هو المطلوب. فيترك كل ما يعين على سوء الظن، وكذلك ما قد يكون سببا في غير الصواب. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم، ولكن هذا هو الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم. وقد تأدب به الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وهم خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من تولية الأصلح. وكذلك من أراد سنته عليه الصلاة والسلام: يحرص على تولية الأصلح. فولى النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى، ولم يسألها. ومعاذ، ولم يسألها. وفيه كذلك: تأكيد ما تقدم: أن الأصلح في الغالب لا يسأل مثل هذا العمل. وهذا هو الواقع، والأحاديث الكثيرة تؤيده وتدل عليه. ولو كان كذلك المرء يرى أن نفسه كفءا؛ فتأدبه بأدب الشرع، وكذلك تتبعه لما فيه من درء المفاسد؛ يلزمه أن يسلك هذا المسلك من عدم السؤال في هذا الباب. وفيه من المسائل كذلك: ما بوب به البخاري في الباب المشار إليه: أن من حكم المرتد أنه يقتل. فمعاذ -رضي الله عنه- لما زار أبا موسى أبا أن يجلس حتى يقتل هذا المرتد، وأنه قضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم -كررها ثلاث مرات- رضي الله عنه أرضاه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه». وهكذا كذلك فيه من المسائل: زيارة أهل العلم بعضهم لبعض، وتعاونهم على الخير. وهذا الأمر مع ما فيه من مصالح؛ فهو سنة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-. وهكذا ينبغي أن يكون أهل العلم في زيارة بعضهم بعض، وتشاور بعضهم مع بعض، ونفع بعضهم لبعض، والتعاون بين بعضهم بعض. وفيه من المسائل كذلك: التذاكر في الأعمال الصالحة؛ فذاكر قيام الليل، فقال أحدهما: جاء في بعض الروايات كما أشار المعلق: أنه معاذ. «أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي». والمعنى: يرجو من الأجر في النوم ما يرجوه في القومة؛ لأنه يحتسب ذلك إعانا له على القيام. وفيه كذلك: الأجر في المباحات إذا احتسبها المسلم. وتدل عليه عمومات كثيرة جاءت بها الشريعة. وفي زيادة حديث سمرة: «وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فكفر عن يمينك» إلى آخره. فيه مسألة من مسائل الأيمان والنذور. ولهذا بوب البخاري له في كتاب الأيمان والنذور: باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. ولترى الحديث. ومعنى: إذا حلف على يمين وعقد اليمين بهذا الحلف؛ فهنا تنعقد اليمين. وإذا حلف على يمين لغوا لم يعقد قلبه على ذلك اليمين؛ فإنه لا يؤاخذ عليه لعموم الآيات والأحاديث في هذا الباب. فإذا وقعت كذلك ينظر: إن كان الخير في إمضاء اليمين أمضاها. وإن كان الخير في عدم إمضاء اليمين؛ فهنا يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه. وكفارة اليمين معلومة بأدلة الكتاب والسنة؛ فيطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة. فإن لم يجد؛ فإنه يصوم ثلاثة أيام. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الجملة وهذين الحديثين. وبه نكتفي. والله تعالى أعلم. هذا سائل يسأل، يقول: «هل الإمامة في الدين تسأل؟ وقد قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامَةً﴾. وفي الحديث: «اجعلني إمام قومي». قال: «أنت إمامهم». وفي الحديث: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا». الجواب: أما الآية: فعامة ودعاء. وأما الحديث: فهي في غير الولاية والمسؤولية. والكلام على الولايات؛ فأما إن كانت عبادات يتطوع لها الناس؛ فالأذان ورد فيه الحديث. أما الإمامة: لا. ومع ذلك إذا كانت وظيفة وولاية؛ فيتدخل في عموم الولايات. وقد مر معنا في كلام شيخ الإسلام ما يدل على ذلك في كتابه: «السياسة الشرعية». فهذا عام ما دامت ولاية؛ فيخشى ألا يعان الإنسان عليها. نعم. وهذا يسأل، يقول: «هل يدخل في طلب الإمارة الحرص عليها؟ ما عليه العمل اليوم في طلب الوظائف والأعمال لجهة العمل -الخدمة المدنية- في الدولة؟ فكيف يتحصل الشخص على وظيفة وعمل في الدولة؟». أنت حين تقدم بالوظيفة: هذا ليس طلب لوظيفة معينة بعينها؛ فأنت تعرف نفسك بأنك قد انتهيت، وأنك عندك المواصفات الفلانية. فهم يختارون الأصلح؛ هم يختارون الأصلح. فاليوم كثر الناس، وكثرة الوظائف؛ فيحتاج إلى مثل هذا. ولهذا جعلت الدوائر الحكومية خاصة تستقبل هذه الطلبات؛ فيكون المقصود منها التعريف؛ فينتقى الأصلح فالأصلح. وهذا كذلك بإذن ولي الأمر. وهذا يقول: من قال: «إن قصة يوسف شرع من قبلنا؛ فيبقى الحكم على الأصل». فما الجواب؟ قد قال بعض أهل العلم بهذا. وعلى تقدير أنه يجوز؛ فيجوز في أحوال كما تقدم. وإلا فقد قال بعض أهل العلم بهذا: هو من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا إن خالف شرعنا.