كتاب الطهارة 8

كتاب الطهارة 8

الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام الطهارة والنجاسات

يبدأ الدرس بشرح مسائل الطهارة والنجاسات، حيث ناقش التفريق بين روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، ونجاسة دم الحيض، وسائر الدماء، ولحم الخنزير، والميتة. تم تفصيل أحكام كل منها واستدلالها بالأحاديث النبوية.

مناقشة حول نجاسة الخمر والمشركين

يتناول المقطع مناقشة حول نجاسة الخمر والمشركين، حيث يرى المؤلف أن نجاسة الخمر وما في معناها من المسكرات، وكذلك نجاسة المشركين، هي نجاسة معنوية وليست حسية، مستندًا إلى أدلة شرعية وسياق الآيات القرآنية.

حكم الأشياء غير المذكورة في النجاسات وطهارة الخارج من السبيلين

المقطع يشرح حكم الأشياء التي لم يذكرها المؤلف في النجاسات، ويبين أن الأصل فيها الطهارة إلا ما دل الدليل على نجاسته، ويتناول بالتفصيل حكم الخارج من السبيلين وما يخرج من غير مخرج الغائط والبول.

طهارة المني ورطوبة فرج المرأة واستدلالاتها

استدل بعض العلماء على طهارة المني ورطوبة فرج المرأة بنص حديث عائشة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغسل المني بل يكشطه فقط. يرى هؤلاء العلماء أن رطوبة فرج المرأة طاهرة لأنها تخرج من نفس مخرج الولد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم موقع دار الحديث بالفيوج يقدم درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله في شرح كتاب الطهارة من الدرار المضية شرح الدرر البهية للعلامة الشوكان رحمه الله. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل فيما يتعلق بذكر النجاسات، ومما مر معنا من النجاسات ما ذكره من نجاسة الروث، وعلمنا أن الصحيح في المسألة التفريق بين روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. الدليل على هذا التفريق نجده في رواية حديث «إنها ركسون، إنها روثة حمار» نعم، جمعًا مع الأدلة الأخرى الواردة في هذا الباب. ومر معنا من المسائل نجاسة دم الحيض، وما هو الدليل على نجاسة دم الحيض؟ نعم، دليل ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة حين سألته أن تحكه بضلع وتوصله بماء وسدر، وكذلك ما جاء في الروايات الأخرى في الأمر بغسل هذا الدم، وهذا يدل على نجاسته؛ أي الأمر بغسله؛ لأنها سألت عن ثياب الحيض، فهي تريد أن تصلي به، كيف تصنع بهذا الدم؟ طيب، وسائر الدماء ما حكمه؟ نعم، الصحيح في سائر الدماء التفصيل؛ مسألة فيها خلاف، والصحيح التفصيل بين ما كان مأكول اللحم وما لم يكن مأكول اللحم، هذا هو الصحيح والله أعلم، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على الآتي. كذلك مر معنا لحم الخنزير، الراجح في لحم الخنزير أنه نجس، بمعنى نجس على الصحيح، والمسألة فيها خلاف. ومر معنا كذلك الميتة، المؤلف رحمه الله أشار إلى الآية وذكر حكم الميتة، وعلمنا أن الميتة في حكمها خلاف، والصحيح التفصيل، وهو الراجح. فما هو التفصيل؟ نعم، الخنزير فقط هكذا، أي إذا كان لا يؤكل لحمه فهو نجس بإجماع، وإذا كان مما يؤكل لحمه ففيه خلاف، والصحيح أنه نجس، إلا إذا دبغ الإهاب؛ «أيما إهاب دبغ فقد طهر». إذا نفهم من هذا أن الإهاب إذا لم يدبغ فهو نجس. ثم إهاب غير المأكول ما حكمه على الراجح؟ غير المأكول نجس، الصحيح والمسألة فيها خلاف. والحديث الوارد في هذا «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ما هو حديث ابن عكيم؟ «لا تنتفعن منها بإهاب ولا عصب». الإمام أحمد رحمه الله في أول الأمر توقف في حديث ابن عكيم، ولهذا كان يقول بالحديث الأول حديث ابن عباس، ثم تراجع فقال بحديث ابن عكيم رحمه الله، ولهذا صار له قولان في المسألة. والقاعدة عندنا إذا صحت الأدلة وصار ظاهر التعارض، إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. كيف نجمع بين الدليلين؟ «لا تنتفعن منها بإهاب ولا عصب» إذا كان ماذا؟ إذا كان غير مأكول اللحم، إذا كان غير مأكول اللحم فلا ننتفع منها بإهاب ولا عصب، وإذا كان مأكول اللحم أي مأكول دبغ فقد طهر. وعلى هذا، لو أتي لك بجلد ثعبان هل يطهر؟ لا يطهر. السودانيون يحبون النعال من جلود الأفاعي، فنخبرهم بأنها نجسة ما طهرت ولو دبغت. ومن يستعمل أهب النمور والحيوانات المفترسة كذلك نقول لهم: الصحيح أنها لا تطهر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، ويطاهر بالاتفاق كالأنصاب والأزلام وما يسكر من النباتات والثمرات بأصل الخلقة». فإن قلت: إذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيته أو ركسيته يدل على أنه نجس كما قلت في نجاسة الروث ولحم الخنزير، فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾؟ قلت: لما وقع الخمر ها هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية. وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين كما ورد في أكل ذبائحهم وطعامهم والتوضؤ من آنيتهم، الأكل فيها وإنزالهم المسجد، كان دليلًا على أن المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير الشرعية. بل قد ورد البيان من الشارع لذلك بما لا يحتاج إلى الزيادة، فقال في وفد ثقيف لما أنزله المسجد: «ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم». والحديث كما أشار إليه في التعليق مرسل، لكن معناه صحيح. يعني كما تقدم أن النجاسة الصحيح نجاسة معنوية، ليست نجاسة حسية. واتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث أنه أدخل المشركين المسجد، بل أسر بعضهم في المسجد. قال: فهذا يدل على أن تلك النجاسة حكمية، والتعبد إنما هو بالنجاسات الحسية. وأما ما ورد فيه ما يدل على نجاسته، ولكنه قد عورض بما هو أرجح منه، فلا شك أنه تعين العمل بالأرجح. فإن عورض بما يساويه، فالأصل عدم التعبد بما يتضمن ذلك الحكم حتى يرد موردًا خالصًا عن شوب المعارضة أو راجحًا على معارضته. وبالجملة، فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع، ولا يتزحزح عن هذا المقام إلا بحجة شرعية. وقد أوضحت بمصنفاتك شرح المنتقى -يعني شرح نيل الأوطار- وحاشية الشفاء -يعني وبل الغمام على الشفاء- الأوام. قال: «هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة بما لا يحتاج الناظر في ذلك إلى نظر في غيره، فليراجع». طيب، أورد هذه الفقرة كالخاتمة لهذا الفصل، ويشير فيه إلى أربعة أمور. الأمر الأول يشير إلى نجاسة الأنصاب والأزلام أنها نجاسة معنوية، وليست نجاسة حسية. وبهذا انتقل إلى المسألة الثانية، وهي أن نجاسة الخمر وكذلك ما كان بمعناها من المسكرات من النباتات أو المخدرات أو المفترات كالحشيش والدخان ونحوه من خبائث النباتات، فإنها كذلك معنوية لا حسية. واستدل على ذلك بدليل الاقتران المذكور في الآية، فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ يؤكد بأن هذا الحكم حكم يدل على الأمر المعنوي لا الحسي. ولو قلنا أنه حسي لأرجعناه إلى آخر مذكور، كما تقدم معنا أن الأصل يعود إلى آخر مذكور، وآخر مذكور هو ماذا؟ الأزلام، الأزلام حسي أو معنوي؟ معنوي، فعلم أنه لو عطفناه على ما قبله وهو كذلك معنوي. ويؤكد ذلك الميسر؛ الميسر معاملة، فهي معاملة رجسة، فدل ذلك أن الخمر كذلك رجس، رجس معنوي لا حسي، وهو الواقع. فلذلك حكم المؤلف رحمه الله، وهو الراجح والمسألة فيها خلاف، إلى أن نجاسة الخمر وما كان بمعناها نجاسة معنوية لا نجاسة حسية. ويلحق بذلك كما ذكر أنواع من النباتات والثمار التي تسكر، فالنبيذ بجميع أنواعه خبيث ورجس، ولكنه ليس نجسًا؛ يعني النجاسة الحسية. والأمر الثالث أو المسألة الثالثة نجاسة المشركين، وأشار رحمه الله إلى أن نجاسة المشركين الراجح أنها كذلك نجاسة معنوية، ليست نجاسة حسية. ولذلك كان ما يدل في الشرع على عدم نجاستهم النجاسة الحسية؛ إذ أدخلوا إلى المسجد. فقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أي لأجل شركهم وكفرهم، وهذا من النجاسة المعنوية. ولهذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل أبا بكر بالحج في السنة التاسعة حين فرض الحج أمر عليًا أن ينادي: «أن لا يطوف بالبيت مشرك ولا عريان»؛ تمهيدًا لمنع المشركين من الطواف وقرب البيت، لا لأجل النجاسة الحسية، ولكن لأجل النجاسة المعنوية وخبث الشرك وأهله. فقرب المشرك إلى البيت مدعاة لحصول الأفعال الشركية؛ ماذا يريد المشرك حين يأتي إلى البيت؟ يريد أن يشرك، والإسلام قد جاء وصارت مكة دار إسلام، فبعد أن صارت دار إسلام لا يسمح لأحد أن يفعل الشرك في دار الإسلام، هذا معنى الآية والحديث. ويؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا عريان». فالعريان هل عنده نجاسة؟ لا، وإنما هذا من فعل أهل الجاهلية؛ كان عندهم عقيدة أن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من ذنوبه كذلك يتخلص من ثيابه التي أذنب فيها، ويقولون: ما عندنا ثياب لم نذنب فيها، كل ثيابنا فعلنا فيها ذنب، إذن إيش الحل؟ طوف وأنت عريان. إذا أردت الطهارة فاخلع ثيابك كلها وطوف وأنت عريان، هذه عقيدة جاهلية جاء الإسلام بالنهي عنها. فهذا هو ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. والمسألة الأخيرة أشار رحمه الله إلى أن ما سوى ذلك مما لم يذكر فيه شيء، فالأصل فيه الطهارة، ولا نحكم على شيء من نجاسة إلا ما دل الدليل على نجاسته. ويبقى هناك أشياء لم يذكرها المؤلف رحمه الله في النجاسات، وصحيح أن فيها خلاف، لكن الراجح أنها نجسة. فالخارج من السبيلين من مخرج الغائط والبول، الصحيح أنه له حكم ذلك إذا كان رطبًا، وإذا كان جافًا وليس فيه رطوبة ففيه خلاف. والأول مثل الدم مثلًا الذي يخرج من مخرج البول أو يخرج من مخرج الغائط -أكرمكم الله- فهذا حكمه أنه حكم ما يخرج من هذا الموضع، فهو نجس. ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث علي: «كنت رجلًا مداء فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد... الحديث». فأمره النبي صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيحين- أن ينضح فرجه، في رواية: «يغسل ذكره ويتوضأ». فاستدل العلماء على ذلك بأن الخارج من هذا الموضع نجس. ومن باب أولى الودي الذي يخرج مع البول أو بعد البول، فهو في الغالب يخالط البول، فحكمه حكمه على الصحيح من أقوال أهل العلم، بل بعض أهل العلم نقل فيه الإجماع، والمسألة فيها خلاف. وكذلك ما يخرج ولو كان ليس رطبًا لكن فيه رطوبة، كالحصى تخرج ونحوها، فحكمها حكم ما يخرج منه في الموضع الذي يخرج منه. فما يخرج من هذا الموضع فهو ماذا؟ نجس. وما يخرج جافًا، هل الصحيح أنه طاهر أو نجس؟ قال بعض العلماء بالطهارة لعدم وجود أثر النجاسة، وهذا أمر مشتبه. وهذا أمر مشتبه لكونه يخرج من نفس المخرج الذي تخرج منه النجاسة، فإذا كان كذلك فالأولى اتقاء الشبهات والاحتفاظ بالأصل، فالأصل الخارج من موضع النجاسة أنه نجس. وقد يظن الإنسان أنه جاف ولكنه ليس كذلك. يبقى الأخير وهو ما خرج من غير مخرج الغائط والبول، وهو ما يخرج من مخرج الولد، فما حكمه؟ الصحيح أنه طاهر. فالمني طاهر بنص حديث عائشة: «كانت تفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، تكشطه فيخرج ويصلي فيه ولم يكن يغسله عليه الصلاة والسلام»، وهذا يدل على طهارته. ولهذا رجح عدد من العلماء وبعض مشايخنا المعاصرين أن رطوبة فرج المرأة الصحيح أنه طاهر وليس بنجس؛ لأنه يخرج من مخرج الولد ولا يخرج من ماذا؟ من مخرج النجاسة. والله تعالى أعلم.