الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث هذا الفصل عن بعض المسائل المتعلقة بباب النجاسات، مثل العفو عن أثر النجاسة بعد الاجتهاد في إزالتها والتيسير في بعض الحالات الخاصة. كما يبين التفريق بين فعل المحظور وترك المأمور في باب الجهل والخطأ والنسيان.
يتناول هذا الفصل آداب قضاء الحاجة، مثل الاستثار والبعد عن الناس عند قضاء الحاجة، واستخدام ثلاثة أحجار طاهرة للاستجمار، وتجنب الكلام والملابسة أثناء التخلي، مع التأكيد على ستر العورة.
يستكمل هذا الفصل الحديث عن آداب قضاء الحاجة، مثل الذهاب إلى الكنيف، وترك الكلام أثناء قضاء الحاجة، وعدم إدخال ما فيه ذكر الله إلى مكان التخلي، وكيفية التعامل مع الحمامات العامة.
يتحدث هذا الفصل عن أهمية تغيير المكان للوضوء بعيدًا عن مكان قضاء الحاجة، ويعتبر ذلك من تعظيم شعائر الله، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: مر معنا في الكتاب السابق فصل في ذكر النجاسات وطهارة هذه النجاسات، وعلمنا أن النجاسات تطهر بأحد الطرق، الطرق ستة طرق ذكرناها قريبًا: الماء، المسح، الاستحالة، الصب، وفي سادس الصب على قسمين. نعم، على الجامل بالصب عليه، والماء يكاثر. طيب، ومر معنا من المسائل أنه هل يشترط لإزالة النجاسة أهلية؟ نعم، فضل دليل حديث. نعم، أنه من باب الطرق، ولأحاديث الصلاة والنعال، وذكره عليه الصلاة والسلام أن يطهره ما بعده، ولم يكن فيه نية. طيب، تتم مسائل هذا الباب، بعض المتممات مما يلحق بهذا الباب من المتممات قبل الدخول للباب الذي بعده. ما تقدم معنا من أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، ومن ذلك ما يتعلق بالنجاسات. كذلك من هذا المعنى تخفيف هذا الباب في بعض المسائل، فالشريعة تجلب التيسير. ومن ذلك كما تقدم معنا أن أثر النجاسة بعد الاجتهاد بإزالتها يعفى عنه، ودليله ما تقدم معنا من أحاديثه في أثر الحيضة، حديث خولة بنت يسار، وغيرها من الأحاديث التي مرت معنا. وعلى هذا، إذا اجتهد الإنسان في إزالة نجاسة من ثوب أو أرض أو حائط أو نحو ذلك، فبقاء هذا الأثر، سواء أكان بمخالطة أو كان بمجاورة، لا يضر. لماذا؟ لأن المشقة تجلب التيسير. فالنبي صلى الله عليه وسلم رخص في حديث خولة بنت يسار، وجوّمِل حديث عائشة، وغيرها في بقاء الأثر، وهو أثر اللون، مع أن أثر هذا اللون في الغالب أنه من المخالطة، لكن اجتهدت فأزالت ما استطاعت، وبقاء باقي اللون يكون بمعنى المجاورة، وإن كان هو بالمخالطة، فالمشقة تجلب التيسير. ويسأل عن هذا كثيرًا مع لباس الأطفال أو لباس الكبار في السن، كالهرم ونحوه، إذا أصاب ثيابه شيء من النجاسة المغلبة، فيجتهدون في إزالتها، فيبقى شيء، فكيف يصنعون؟ لا يضر، لا يضر ذلك. المشقة تجلب التيسير. ومن ذلك كذلك المشقة تجلب التيسير عند تطهير الكبير في السن، فهو ليس عنده سلس، لكن يشق على الكبير تطهيره باستمرار، يشق عليه ويشق على من يطهره، فيحفظ بالحفاظات التي تعرفون للكبار. فإذا جاء وقت الصلاة، فهو يصلي في مكانه، هو لا يستطيع أن يثب إلى الخلاء إذا كبر سنه في الغالب، وفق له وزنه، يصلي في مكانه. ففي هذه الحالة، هل يجوز أن يصلي في مكانه مع بقاء بعض النجاسة معه؟ الجواب: نعم، مع بقاء بعض النجاسة معه. المشقة تجلب التيسير. ويقال: ينجأ إذا كانت النجاسة ليست مغلظة، بأن يمسح المكان الذي خرج منه شيء، وما كان في أطراف هذه الحفائض، لا يضع، لا يحتاج أن يفتحوا كل صلاة خمس صلوات الحفاظة ويغيرون واحد جديد. واضح؟ المشقة تجلب التيسير. بل أفتى بعض مشايخنا، كالشيخ ابن العثيمين رحمه الله، أن يجوز لمن كان هذا حاله أن يجمع بين الصلاتين بدون قصر، يقال له: صلِّ الظهر والعصر، صلِّ المغرب والعشاء، وبيهذاك الوضوء الواحد، وهكذا. المشقة تجلب التيسير. ومن متممات هذا الباب أو هذا الفصل أن وجود النجاسة لا يضر إذا كان سببه الجهل أو الخطأ أو النسيان، ودليله حديث أبي سعيد عند أحمد والحاكم وغيره: «إن صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فخلع نعله، فخلع نعالهم، فلما سلم، أخبرهم أن جبريل أتاه فأخبره أن فيهما أذى». الشاهد لم يعد الصلاة، مع أن النجاسة في ماذا؟ في نعليه. أكمل صلاة، فقط اكتفى بإخراج النعلين. فأفاد هذا فائدتين اثنتين: الفائدة الأولى أن ما وقع من خطأ في هذا الباب أو نسيان أو كذلك جهل، فإنه يعفى عنه. والفائدة الثانية أن إزالة النجاسات ليس من شروط الصلاة على الصحيح، بل هو من واجباته، من واجباته على الصحيح. والمسألة فيها خلاف، سيأتي التنبيه عليها بموضعها إن شاء الله. ونستفيد من هذا فائدة ثالثة، وهي أن الشرع فرق بين فعل المحظور وترك المأمور في باب الجهل والخطأ والنسيان. فإذا وقع خطأ أو جهل أو نسيان في فعل محظور، فإنه يسقط الإثم والحكم معًا. ومثاله هذا الذي بين أيدينا، ومنه في الصيام، إذا نسي الصائم فأكل أو شرب، فإنه يسقط عنه الإثم ويسقط عنه الحكم، لا يعيد الصيام. ويسقط عنه الإثم كذلك. إذن، الإثم والحكم كلاهما ماذا؟ يسقطان. ومثله في باب الطهارة، نسي أو أخطأ أو كذلك جهل وجود النجاسة، إزالة النجاسات من المحظورات، فكونه وقع منه ذلك، فهذا لا يضره. بخلاف ترك المأمور، فإنه يسقط الإثم، ولكن لا يسقط الحكم. ودليله حديث المسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك الرجل المأمور، الطمأنينة في الصلاة، قال له: «ماذا؟ ارجع فصلي، فإنك لم تصلي». فأمره بأن يرجع لأجل أن صلاته ماذا؟ حصل فيها ترك مأمور. ما هو المأمور؟ طمأنينة في الصلاة. فأمره بأن يعيد الصلاة. إذن، من وقع في الخطأ أو النسيان أو الجهل، وهذا الرجل في أي نوع من أنواع الثلاثة؟ جاهل. فأمره أن يعيد الصلاة لأنه ترك مأمورًا. سقط عنه الإثم لأنه جاهل، ولكنه لم يسقط عنه الحكم، فأمره بإعادة الصلاة عليه الصلاة والسلام. يبقى سؤال: هل على مثل هذا الرجل أن يعيد الصلوات كلها أو الصلاة الحاضرة فقط؟ الجواب: الصلاة الحاضرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال له: «أعد كل صلواتك الماضيات»، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة فقط. إذن، نضيف شيء في باب المأمور، وهو أنه يؤمر فيما فيه مأمور بإعادة المأمور إذا صار وقت هذا المأمور موجودًا. إذا كان وقت هذا المأمور موجودًا. وأما إذا ذهب وقت المأمور، فلا يؤمر بإعادة الفائت الماضي. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلوات الماضيات الفائتات. واضح؟ وهكذا قل في جميع الأبواب، تجد هذا مضطردًا إن شاء الله تعالى. التنبيه والمتمم الأخير أن الله تعالى التنبيه والمتمم الأخير أن أعيان النجاسات التي ذكرت في الشرع وسيأتي إن شاء الله ذكرها هي المحصورة بما ذكر في الشرع، فلا نتعد ذلك إلا بدليل. فلا يصح أن نقول: شيء أنه نجس، وهو ليس بنجس. وهذا هو على القاعدة في هذا الباب، أننا ندور مع الدليل حيث دار. وهذا الباب تعبدي، وقد تقدم كلام الشوكاني فيما يدل على ذلك. قال رحمه الله تعالى: «باب قضاء الحاجة». أي: هذا مدخل في أحكام ومسائل قضاء الحاجة. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج. قال رحمه الله: «على المتخلل الاستثار حتى يدنو من الأرض، والبعد أو دخول الكنيف، وترك الكلام والملابسة لما له حرمة، وتجنب الأمكنة التي منع الشرع عن التخلي فيها، أو منع العرف عن التخلي فيها، وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة، وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها، ويندب الاستعاذة عند الشروع، والاستغفار والحمد بعد الفراغ». هذه مجموعة من المسائل تتعلق بباب قضاء الحاجة، أحكام، آداب. قال رحمه الله في شرحه: «أقول: أما مشروعية الاستثار حتى يدنو من الأرض عند قضاء الحاجة، فلما ورد من الأدلة الدالة على وجوب ستر العورة عمومًا وخصوصًا، إلا عند الضرورة، ومنها قضاء الحاجة، فلا يكشف عورته إلا عند القعود». وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: «من أتى الغائط فليستثر». هذا هو الأدب الأول من آداب التخلي، وهو مشروعية الاستثار. فيشرع الاستثار لمن أتى المكان الذي يقضي فيه الحاجة وكان أمام الناس. وأما إذا كان بينه وبين نفسه، فلا يحتاج مثل هذا. وذكر رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث مختلف في صحته. وقد أشار في التعليق كما ترون أن الحديث ضعفه جماعة وأعلّه بعضهم. والصحيح أن الحديث له شواهد ومتابعات كثيرة يرتقي بها إلى الحسن. وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» من حديث ابن عمر، وله شواهد ومتابعات كثيرة يرتقي بها إلى الحسن. وكذلك ما أشار إليه في حديث أبي هريرة بأنه ضعيف، فيه أبو سعيد الحبراني وحسين الحبراني، كلاهما مجهول. فكما تقدم، هذا الحديث بهذا اللفظ: صحيح ضعيف، لكن معناه قد صح في أحاديث أخرى. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صح عنه المعنى بالاستثار عند قضاء الحاجة في عمومات كثيرة. وهذا منه، وهذا منه، وهذا منه. وعمومات الشريعة تدل عليه. وسيأتي معنا ما يدل على ذلك في الآتي إن شاء الله من المسائل. قال رحمه الله تعالى: «وأما البعد، فلما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث جابر، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكان لا يأتي البراز حتى يغيب، فلا يرى». ولفظ أبي داود: «كان إذا أراد البراز، تلا حتى لا يراه أحد». ورجاله رجاله الصحيح، إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي، ففيه مقال يسير. وهذه المسألة الثانية من مسائل هذا الباب، وهو الأدب في البعد عند قضاء الحاجة. وهذا إذا كان في سفر، كما جاء في الحديث، أو كان قضاء الحاجة ليس في البيت، وكان الناس لزمن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قريب، بل لا يزال إلى اليوم في بعض القرى عندنا والبوادي، لا يجعلون التخلي -يعني من غير البول- في البيت، وإنما يجعلوه خارج البيت. وأما البول ونحوه، فيجعلونه في البيت، يكرهون الروائح الكريهة تبقى معهم في بيوتهم، فيجعلوه إما في طرف المزرعة، إذا كان كنيفًا، وهذا الكنيف مبنى موجود في بعض البيوت. لا أدري إذا كان بعضكم يعرف هذا. تجد مثلًا حوش، سور حول البيت، البيت في طرف، وفي زاوية هذا الحوش يجعل الكنيف. إذا تريد تمشي، أذكر ونحن صغار، كنا في الليل نخاف تمشي تأتيه هنا في الركن في الليل، لا بد توقظ واحد كبير حتى تمشي تقضي حاجتك في الليل. فهذا كان عادة الناس في القديم، يكرهون وجود مكان للتخلي في البيوت. وبعضهم ليس عندهم أصلا. وقد أدركنا هذا في بعض البيوت في مأرب، وبعض وإلى الآن في بعض البلاد كذلك في الصحراء، ما عندهم مكان للتخلي أبدًا. خلاص، تخلي في الصحراء. فقط البيت للخفيف. فمثل هذا يحتاج إلى ماذا؟ إلى الإبعاد، حتى ولو كان في الحضر. والحديث الذي أورده، كما أشار في التعليق، فيه ضعف، لكنه يرتقي إلى الحسن، يرتقي إلى الحسن. فله شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى الحسن. وهكذا كذلك حديث المغير بن شعبة الذي أشار إليه في التعليق. فمن الآداب أن الإنسان إذا قضى حاجته في الصحراء يبعد. وهل هناك فرق بين السفر والحضر؟ نعم. وهل هناك فرق بين الليل والنهار؟ نعم. ما هو المقصود؟ المقصود حصول الستر. المقصود حصول الستر. فأحيانًا تقف السيارة في مكان خالي، بمجرد تنزل من السيارة في مكان مستتر، يكفيك، ما يحتاج أن تبعد كثيرًا. لأمرين: الأمر الأول لأنك بعيد أصلا، وثانيًا لأجل تنتبه لسيارتك، تنتبه لسيارتك. طيب، فتجمع بين الأمرين. وهكذا، فالمقصود من هذا الأدب هو هذا: أن الإنسان يستثر ويبتعد عن الناس. طيب، ما الفرق بين الأول والثاني؟ الأول خاص بستر العورة، والثاني ستر كل الجسد. يعني: معناه احرص على أن تستر كل جسدك عند قضاء الحاجة. ولهذا كان العرب إذا أرادوا قضاء حاجتهم وهم في الجاهلية، يذهبون إلى المكان المنخفض لأجل لا أحد يراك إذا ذهب، أو بين الأشجار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث. ولما جاء إلى مكان وأراد أن يستتر، وهذا دليل من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، وجد الشجرة لا تكفي بستره، فجر الشجرة الأخرى، فانصاعت له، فجمع بين الشجرتين واستتر خلفهما عليه الصلاة والسلام. فإذا أصل الاستتار ثابت بعدة أحاديث، أصل الاستتار ثابت. ستر الجسد لأجل إذا قمت أو إذا جلست، لا يرى أحد عورتك. أمر العورة عظيم في دين الإسلام. وكذلك إذا كنت في وقت القضاء الحاجة، تحرص على الاستتار ما دمت في خارج بيتك. ما دمت في خارج بيتك. فما يفعله بعض الناس من التساهل في العورات أثناء النوم، وعند الدخول مع أبنائهم، هذا حرام، لا يجوز. هذا لا يجوز. كشف العورة أمره عظيم في دين الإسلام، فلا يجوز التساهل بهذا، حتى لو قال: «هؤلاء أولادي». أولادك لهم حدود فيما يجوز، ما لا يجوز أن يروا من الجسد. فلا يجوز للرجل أن يظهر عورته المغلظة ولو مع أبنائه. بل يجب عليه أن يستر ما بين رقبته إلى سرته. سرته وما حصل بغير قصد من كشف العورة ونحوه بغير تعمد، فهذا يعفى عنه. حديث عثمان وغيره. أما العورة المغلظة، فهذا باتفاق، ليس فيه خلاف. وما دون ذلك، فيه خلاف. كذلك المرأة تستر ما زاد عن مواضع الوضوء. يعني: مواضع الوضوء وتزينه، يجوز بين المحارم. وأما ما زاد عن ذلك، فلا تكشفه. وما وقع خطأ، فقد يعفى عنه. ولكن العورة المغلظة أمرها شديد. ففعل بعض الناس: تدخل المرأة مع بنتها، يغتسلون معًا، أو تذهب وتغسل بنتها، تقول: «عروسة، ما في شيء». عروسة، هذا حرام، لا يجوز. فلا يجوز التساهل في باب العورة. قال رحمه الله: «أما إذا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان، وهناك كنيف، فليس عليه إلا أن يدخله، وإن قرب من الناس، لما سيأتي من حديث ابن عمر». وهذا هو الذي تقدم، سبقة الإشارة إليه. الكنيف هو محل قضاء الحاجة، يعني: من غير البول. فإذا أراد أن يتخلى، يذهب إلى الكنيف. وكان الكنيف قبل ذلك، وكما قلنا قبل قليل، يوجد في بعض البيوت إلى اليوم، ليس في داخل البيت، يكون خارج البيت، يكون خارج البيت، وربما يكون في طرف البيوت، ونحو ذلك. قال رحمه الله: «وأما ترك الكلام، فلحديثي: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتيهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك». أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث ابن مسعود. وأخرج نحوه ابن السكن وصححه من حديث جابر. وهذه هي المسألة الثالثة من مسائل هذا الباب: ترك الكلام أثناء قضاء الحاجة. الأصل أنه إذا الإنسان قضى حاجته، كما قلنا، يذهب فيستتر، لا يذهب مع أحد. لا يذهب مع أحد. وإذا ذهب معه أحد لسبب أو لآخر، لا يكون قريب منه، يحاول كل منهما أن يستر جسده، فضلا عن عورته، فلا يرى الآخر. وكذلك لا يتحدثان، ولا يتساهلان في كشف العورة. فهذه ثلاثة أمور: لا يتساهل في كشف العورة، لا يتساهل في رؤية الأجساد، فضلا عن العورة، كذلك لا يتحدثان. لأن التحدث ذريعة إلى التساهل، فتنكشف العورات وتقترب الأجساد. والحديث كما أشار في التعليق، فيه ضعف. فحديث جابر كما أشار في التعليق، في إسناده ضعف. وكذلك جاء في بعض الروايات في جملة رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، وهي رواية مضطربة. وهكذا في إسناد عياض بن هلال، وهو مجهول. لكن له شاهد من حديث أبي هريرة، وإن كان في إسناده لين، لكنه يصلح للشواهد. وجاء كذلك من حديث ابن عمر، وفيه ضعف، ولكن يصلح للشواهد. ولهذا حسنه جماعة من أهل العلم بشواهده. وجاء كذلك من حديث المغيرة. وهذه الأحاديث يرتقي بها الحديث إلى الحسن. ومما يؤيد ذلك حديث ابن عمر الصحيح، حين مر الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الخلاء، وهذا معنى أنه وحيانا قد يمر الإنسان فيرى إنسان يتخل بغير قصد، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام. فلما قضى حاجته، تيمم، فرد عليه السلام، ثم قال: «إني كرهت أن أرد عليه السلام وأنا على غير طهارة». الحديث. فالشاهد في هذا: فائدتان. الفائدة الأولى: عدم الكلام وقت التخلي، ولو كان التخلي من البول، فمن الغائط من باب أولى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان يبول، وليس يتغوط. والثاني: أن فيه كذلك استحباب ذكر الله على طهارة. استحباب ذكر الله على طهارة. ولهذا قال: «كرهت أن أرد عليه السلام وأنا على غير طهارة». وهذا يؤكد ما سبق من ترك الكلام عند قضاء الحاجة. قال رحمه الله تعالى: «وأما ترك الملابسة لما له حرمة، فلحديث أنس عند أهل السنن، وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، نزع خاتمه». ولم يأت من ضعفه بما تقوم به الحجة في التضعيف. والصحيح أن الحديث ضعيف، ضعف البخاري وأحمد قبله، وهو من رواية حماد عن ابن جريج. وكذلك قد نص الحفاظ على ضعفه، وكذلك على شذوذ لفظه ونكارته. وأشار في التعليق إلى بعض ذلك. وشيخنا مقبل رحمه الله ذكره في «حديث معلى»، ولكن ها هنا أمر مهم، وهو: إذا ضعف الحديث، لا يعني أن الحكم كذلك يضعف. بل قد تكون هناك عمومات تدل على هذا الحكم. فالأصل في هذا الباب أنه لا يذكر الله في مكان التخلي، ويحرص على عدم إدخال ما فيه ذكر لله في مكان التخلي، لعمومات الشريعة في هذا الباب. ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب. ومن ذلك حديث ابن عمر الذي تقدم قبل قليل: «كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد السلام وهو على غير طهارة». لماذا؟ تعظيمًا لذكر الله. فكيف يدخل ذكر الله إلى مكان التخلي؟ واضح. فلهذا من كان عنده كتاب أو شيء فيه ذكر لله عز وجل، فلا يدخله إلى مكان التخلي، أو لا يذهب به إلى مكان التخلي، لأمرين: الأمر الأول: عمومات الشريعة تدل على تعظيم ذكر الله، وهذا منه. والأمر الثاني: حتى لا يقع هذا الذي فيه ذكر لله في مكان النجاسة، وهذا قد يقع، أو لا يقع. قد يقع، يكون عندك مثلًا كتاب، وأثناء دخولك في الخلاء ترتبك، فيسقط الكتاب فوق النجاسة، وهذا لا ينبغي. ولهذا نص كثير من أهل العلم على هذه المسألة، وإن كان الحديث ضعيف، لكن معنى الحكم صحيح لعمومات الشريعة في هذا الباب. طيب، يأتي هنا شيء يكثر السؤال عنه الآن: كثرت الحمامات العامة. إذا كنت في البيت، سهل عليك تضع الجوال، تضع الكتاب، تضع الخاتم الذي فيه ذكر لله عز وجل، أو غير ذلك، حتى مصحف صغير أو نحو ذلك. لكن إذا كنت في أماكن عامة، ذهبت إلى المسجد مثل هذا المسجد، وما وجدت مكان تأمن تضع جوالك فيه، أو مثلًا حتى أنت في الحرم، كيف تصنع؟ الجواب: ادخل وأنت معك، لكن أغلق الجوال. أغلق الجوال. والأفضل إذا استطعت حتى إذا كان معك كتاب أو شيء، تضعه بعيدًا من مكان التخلي. مثلًا إذا هو في الجيب، تعلق الثوب الذي فيه هذا الذكر في طرف الحمام كرمكم الله، وتذهب إلى مكان التخلي وأنت بعيد من هذه الأشياء التي أنت تخاف عليها. وهل لهذا أصل؟ ها. هل لهذا أصل؟ لا، هذا ضعيف. نريد شيء آخر. شيء آخر صحيح. لا شيء نص في المسألة. السلام. لا أصرح من هذا. يوجد شيء أصرح من هذا؟ ها. هل عنده شيء؟ آه. شيخ خالد، عندك؟ أرفع صوتك. لا شيء خاص. أيوه، هذا عام، لكن شيء خاص. النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلى توضأ في المكان، ليس في المكان الذي تخلى فيه. قال العلماء: لماذا؟ لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن لا يصيب جسده باقي النجاسة، حيث تخلى، فإذا تقاطر ماء الوضوء، لا يصيبه تقاطر الماء من أثر النجاسة الذي في المكان الذي تخلى فيه. فغير المكان. والأمر الثاني: قالوا: لأنه إذا أراد أن يتوضأ، سيذكر اسم الله، لأنه سيسمي. وإذا سمى، سمى في غير المكان الذي تخلى فيه. ولهذا يكثر السؤال: إذا دخلت الخلاء، كيف أفعل بالتسمية؟ كيف أقول: «بسم الله» قبل الوضوء؟ الجواب: غير مكان. ولهذا الحمد لله متيسر في أكثر الحمامات، مكان للوضوء ومكان للتخلي، فاجعل مكان وضوءك غير مكان التخلي. وإذا سميت، تحرك شفتيك بالبسملة وسم، ثم توضأ. فالشاهد منه: تغيير المكان. هو من تعظيم شعائر الله. وهذا دليل خاص. وهذا دليل خاص. فعلك ثوبك مثلًا في معلاق الباب، وفيه الشيء الذي تخاف عليه، وفيه ذكر الله سبحانه وتعالى، ثم تقضي حاجتك، وتتوضأ في المكان المخصص للوضوء. واجعل مكان وضوءك غير مكان الاستنجاء. وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، إلى هنا إن شاء الله.