الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الاعتكاف يصح في كل وقت ويشرع في المساجد، ويشترط له أن يكون في مسجد ومدته محددة. أقل مدة للاعتكاف ليلة واحدة كما ورد في حديث عمر رضي الله عنه.
الاعتكاف يجوز للرجال والنساء في المساجد، ويستحب في رمضان لاحتمال ليلة القدر. يشترط عدم التسبب في مفسدة أو ضرر، ويمكن قضاؤه في غير رمضان إذا فات.
يجوز الاعتكاف في أي يوم من السنة، ويستحب في العشر الأواخر من رمضان. يشترط للمعتكف البقاء في المسجد وعدم الخروج إلا للحاجة.
يستحب عدم السلام على المعتكف أو التحدث معه إلا بشكل عابر. ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تمر بالبيت دون أن تقعد أو تسأل عن حالة المريض.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: باب الاعتكاف، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الاعتكاف. قال رحمه الله تعالى: يشرع ويصح في كل وقت في المساجد، وهو في رمضان آكد، سيما في العشر الأواخر منه، ويستحب الاجتهاد في العمل فيها وقيام ليالي القدر. ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة. أولا ينبغي أن نعلم أن معنى الاعتكاف هو اللزوم، من معانيه اللزوم. وأما في الشرع فهو التعبد لله جل وعلا بملازمة المساجد أو المسجد على وجه مخصوص، وسيأتي معنا في هذا الفصل والباب مجموعة من الأحكام. أول هذه الأحكام قال رحمه الله: يشرع ويصح في كل وقت في المساجد، يعني أن الاعتكاف يجوز ويشرع. ولماذا قال يشرع؟ لأن الاعتكاف تعبد لله جل وعلا، والأصل في هذا هو التوقف، الأصل في العبادة ماذا؟ التوقف. وما هو الدليل أن الأصل في العبادة التوقف؟ ما هو الدليل على ذلك؟ هذا يا محمد، الأصل في العبادة التوقف من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. نعم، حديث عائشة في الصحيح، صحيح مسلم، وفي البخاري معلق، فهذا الحديث فيه أن الأصل في العبادة التوقف. ولهذا قال يشرع. وبه نعرف أن ما يخترعه المتصوفة من الرهبنة التي تشبه رهبنة النصارى هذا من البدع والمحدثات؛ لأنهم يفتقرون إلى دليل يجيز لهم هذا الفعل. بينما القاعدة عند المتصوفة: كل ما يدعون أنه يتعبد به إلى الله فهو حسن وطيب، بأي شيء؟ ما دامت النية حسنة، فعندهم يكفي هذا في تصحيح العمل. وهل هذا الكلام صحيح؟ الجواب: لا، ليس بصحيح. لا يكفي في صحة العمل أن تكون النية حسنة، لابد مع حسن النية ماذا؟ المتابعة. لا يكفي في صحة العمل حسن النية، بل لا بد كذلك من شرعية العمل بأن يثبت ذلك بالشرع، لا بد. ولهذا فالثلاثة الذين جاءوا فسألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فتقالوها، أي وجدوها قليلة، نووا شيئا حسنا، أرادوا أن يزدادوا بالتعبد لله، كما في حديث أنس بالصحيحين، وحديث عائشة كذلك. قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء. وقال الثالث: أما أنا فأقوم ولا أنام. وفي رواية قال أحدهم: ولا أكل اللحم. أرادوا بهذا القربة إلى الله سبحانه وتعالى على مفهوم المتصوفة، لا إنكار على هؤلاء؛ لأن النية حسنة، فهذا يكفي. لكن على الفهم الصحيح بالشرع هذا لا يكفي. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فمن رغب عن سنتي فليس مني. انظر إلى هذا الوعيد الشديد: من رغب عن سنتي، يعني زهد فيها وتركها، فليس مني. مع أن ما فعلوه أرادوا به نية حسنة، فلم يكفي ذلك. وبه تعرف أن أهل السنة والجماعة فعلهم بعلم، وتركهم بعلم. ما يفعلونه يفعلونه بعلم، وما يتركونه يتركونه بعلم. وهذه اللفظة، لفظة دقيقة، تبين لك كيف أن العلماء يتقيدون بما دلت عليه الأدلة الشرعية في بيان أصول الأشياء وتحليلها وتحريمها. فانظر كيف قال: يشرع، يعني يجوز. انظر يجوز، ما أنه عبادة وقربة، لكن لأن العبادة والقربة تحتاج إلى دليل، قال يشرع. ولهذا ذكر في الشرح دليل هذه الشرعية، ما هو الدليل أن هذا مشروع؟ الدليل كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان. وقد جاءت أحاديث كثيرة في اعتكاف النبي عليه الصلاة والسلام، منها ما هو عن عائشة كذلك في الصحيح، وعن أنس، وعن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. الشاهد من هذا أننا ينبغي أن نعلم أن كل عبادة يتعبد بها العبد ربه سبحانه وتعالى لابد لها من دليل، لا تتعبد بما لم يأذن الله به سبحانه وتعالى، ولو كان حتى اعتكاف. وبه ننبه إلى أن الاعتكاف المشروع هو الاعتكاف الذي سيأتي الكلام والتنبيه عليه. فما يفعله بعض الناس في التسجيل في أبواب المساجد: نويت الاعتكاف في هذا المسجد مدة مقامي فيه، وبعضهم ربما وقت صلاتي أو نحو ذلك، هل هذا مشروع أو غير مشروع؟ الجواب: غير مشروع. لماذا؟ لأنه لم يثبت مثله عن النبي عليه الصلاة والسلام. والمسألة اتباع وتعبد لله جل وعلا بما شرع. ولهذا قال: ويصح في كل وقت في المساجد. لكن قوله في كل وقت، هل معناها القليل والكثير؟ ما دمنا علمنا الأصل أننا لا نقول يجوز ولا يجوز إلا بما يأذن الله به، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. فلا يقول إنسان: جائز، غير جائز، حلال، حرام، سنة، بدعة، إلا بدليل. فقوله: ويصح في كل وقت، لفظة كل تقيد بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله وإقراره. فأقل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر ليلة، أقل ما ورد ليلة، كما أشار بالشرح بحديث عمر، وهو في الصحيحين، أنه نذر أن يعتكف في الجاهلية، نذر أن يعتكف ليلة في الكعبة أو في المسجد الحرام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أوفي بندرك»، أمره أن يوفي بنذره. فدل على أن الاعتكاف يجوز على هذا الوصف. وقد نبه غير واحد من أهل العلم إلى أن أقل الاعتكاف هو ما ورد معناه في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه. وبه نعرف أن ما دون ذلك من دقيقة ونصف ساعة، هذا لا يسمى اعتكاف شرعي. وإن سمي اعتكاف في اللغة لزوم، لكنه ليس الاعتكاف الشرعي الذي أذن الله سبحانه وتعالى به وشرعه. وهكذا كذلك قوله رحمه الله: في المساحة، لأن الاعتكاف الشرعي ما كان في المساجد. فالاعتكاف في البيوت؛ لأنه تضييع للواجبات، وهو صلاة الجماعة في المساجد، فقد أمر الله جل وعلا الرجال أن يصلوا في المساجد. فالاعتكاف الشرعي في المساجد. حتى المرأة إذا أرادت أن تعتكف الاعتكاف الشرعي، فتعتكف في المسجد. ويشرع لها الاعتكاف في المسجد إذا لم يكن في اعتكافها فتنة ومفسدة. وقد ثبت أن بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام اعتكفنا معه عليه الصلاة والسلام في المسجد. كما جاء معناه في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، حتى قالت: كما في السنن، أو جاء معناه كذلك في صحيح مسلم: «إن كانت لتمر بالبيت، وفيه المريض، لا تسأل عنه إلا وهي مارة؛ لأنها معتكفة». لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى تتابع نسائه في سنة من السنوات، رأى ثلاثة أخبية، يعني ثلاثة خيام صغيرة. فقال: «ما هذا؟» قالوا: أراد نساءك الاعتكاف معك هذا العام، خيمة لعائشة، وخيمة لحفصة، وخيمة لزينب. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «آل بر يردنا؟» أو قال: «تريدون؟» فخرج من معتكفه عليه الصلاة والسلام، ولم يعتكف ذاك العام. لم يعتكف ذاك العام، ترك الاعتكاف حتى جاء شوال، فاعتكف عشر أيام من شوال عليه الصلاة والسلام. والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. وهذا نستفيد منه أولا: أن الاعتكاف في المساجد كما ذكر رحمه الله. والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وأنه حتى لو كان للنساء، فإن الاعتكاف الشرعي الذي يعين على الطاعة، والذي جاءت الأدلة فيه في الكتاب والسنة، هو الذي يكون في المسجد. حتى ولو كانت المعتكفة امرأة، فإنه يكون في المسجد. فإن كان فيه فتنة أو مفسدة، فالمرأة لا تعتكف في المسجد، بل بقاؤها في بيتها أفضل لها. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في مسجدها أفضل من مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها أفضل من مسجده عليه الصلاة والسلام». وهذا يدل. بل قال: «وفي حجرتها أفضل من بيتها». وهذا تأكيد أنه كلما استترت، كان الأجر في حقها أعظم. كلما استترت، كان الأجر في حقها أعظم. ولهذا لما تتابع النساء، خشي الفتنة عليه الصلاة والسلام، وأن تكون بذلك سنة في النساء. فلما خشي ذلك، لم يعتكف ذاك العام صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله رحمه الله تعالى: في المساجد، هنا تنبيه أن الصحيح: يشرع في أي مسجد. والأفضل أن يكون مسجد جامع؛ لأجل أن لا يحتاج إلى الخروج وقت الجمعة، هذا الأفضل. فإن كان مسجد الجامع بعيدا منه، واعتكف في مسجد قريب من بيته لحاجة ذلك لنفسه ولأهله، فيجوز ذلك. وفي يوم الجمعة يخرج من المسجد الذي اعتكف فيه، ويصلي في مسجد الجمعة، فيكون اعتكافه ناقصا، ليس كاملا، كالاعتكاف الذي يكون في مسجد جامع. ولهذا الأفضل أن يكون في مسجد جامع، وهو الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وفعله صحابته رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وهكذا تنبيه آخر: الصحيح أنه يشرع في كل المساجد. وأما ما ورد أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، فالصحيح في تفسيره: أي لا اعتكاف كامل إلا في هذه المساجد الثلاثة، يعني كامل الأجر. لماذا؟ لأنه صح في عموم النص، وفي فهم الصحابة: أن الاعتكاف يشمل جميع المساجد. وقول أكثر الصحابة على هذا المفهوم، فلهذا حمل الحديث بهذا المعنى. وقوله: وهو في رمضان آكد، مفهومه أنه يجوز في غير رمضان. أما كونه في رمضان آكد؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف في رمضان. وكان يتحرى ليلة القدر، قد اعتكف في العشر الأوسط بحثا عن ليلة القدر، فلما أخبر عليه الصلاة والسلام أن ليلة القدر أرجى ما تكون في العشر الأواخر، استقر اعتكافه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على العشر الأواخر من رمضان. وهكذا كذلك قوله: في رمضان آكد؛ لأن ليلة القدر فيها، والاعتكاف شرع لأجل ليلة القدر، أن يدركها الإنسان باجتهاده في العبادة. وهي ليلة على الصحيح تتنقل في أحد العشر الأواخر من رمضان، ولا تستقر في يوم واحد. لكن أرجى ما تكون في الوتر منها، وأرجى ما تكون من الوتر في ليلة سبع وعشرين. ولا يلزم أن تكون دائما في سبع وعشرين، ولا دائما أن تكون في الوتر، بل قد تنتقل، كما صح أنها كانت في أحد السنوات في ليلة إحدى وعشرين. وهكذا كذلك قوله: آكد، دليل أن في غير رمضان يجوز. وقد صح بحديث عائشة كما تقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرا في شوال. وهذا قضاء لاعتكافه الذي فاته في رمضان. وهذا يدل أن الإنسان إذا فعل عبادة، فليحرص على الاستمرار عليها، ولو فاتته، فليقضها، ولو كانت مستحبة، ولو كانت مستحبة، حتى يكمل له الأجر، ولا يفتر في هذه العبادة. والنبي عليه الصلاة والسلام لما فاته الاعتكاف في رمضان، اعتكف عشرا في شوال. وهكذا من شغله شيء عن الاعتكاف في رمضان، فاستطاع أن يعتكف في شوال، اعتكف في شوال. وإن كان الاعتكاف فيه مفسدة أو كذلك مضرة، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. والمرء لا يجوز له أن يضر بغيره ومن يعول، ويقوت على حساب سنة ومستحب. فالذي اعتكف لابد أن يغني من يقوت ويعول، لا أن يضيعهم. مثلا رجل يعلم أن بيته مليء بالصغار والأطفال، وليس في البيت من يحزمهم، فمن الخطأ أن يعتكف في المسجد، ويترك أهل بيته كالغنم. يخرجون في الظهر، وفي الليل، وفي الصباح، وفي العصر، ويدخل من يدخل، ويخرج من يخرج، والناس على ذات الضياء، وربما هذا لا يصلي، وهذا يذهب إلى محرمات، وهذا لا يصوم، وصاحبنا ما شاء الله يريد الأجر، معتكفا في المسجد. كيف أنت تبحث عن الأجر والسنة، وأضعت الواجب؟ ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة». مسألة خطيرة. وفي حديثه بعبد الله بن عمر: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». الرجل راع في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته. بل يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. ومعناه: أنك إذا لم تقم بالواجب عليه في أهلك، فإنك تعذب، كما أن أهلك يعذبون. لو وقع أحد من أولادك في الكبائر، وكان السبب في ذلك أنك أنت فرطت فيهم، أذم الولد، وعوقبت، وأنت كذلك تأثم وتعاقب؛ لأجل تفريطك. لو ترك أحدهم واجبا، أو وقع في محرم، أو كان ما كان، فأنت يلحقك بذلك بتفريطك في هذه المسؤولية. فإذا ننتبه لهذا، ننتبه لهذا الأمر: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومثله النساء، بعض النساء ربما عندها حبل الخير، لكن ينبغي أن تكون متعقلة، تعلم أن الأدلة الشرعية جمعت بين المصالح والمفاسد، بأن تحصل المصالح وتدفع المفاسد. لا يأذن لها الشرع أن تعتكف في المسجد على حساب تضييع أولادها. ولا تقول: لماذا الرجل، وأنا لا أعتكف؟ كل بحسبه. حتى الرجل إذا كان في اعتكافه مفسدة، فإنه لا يجوز له أن يعتكف. لكن إذا ضمن أهل بيته، فإنه جاز له أن يعتكف. والمرأة كذلك إذا أدت حق بيتها، فإنها يجوز لها أن تعتكف في غير مفسدة. وهكذا قوله رحمه الله: آكد، كذلك إشارة إلى أنه يجوز في غير رمضان، في شوال كما ثبت في حديث عائشة، ولو كان كذلك حتى في غير شوال، في أي يوم من الأيام، لحديث عمر المتقدم، فإنه نذر أن يعتكف ليلة، وفي رواية يوم. وهذا مطلق في أي يوم أو ليلة، فيجوز أن يعتكف الإنسان في أي يوم من الأيام. فلو مثلا أراد الإنسان أن يعتكف في رمضان، فلم يتيسر له، ووجد إجازته السنوية في شهر رجب، فأحب أن يعتكف، هل يجوز له؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يعتكف، يعتكف عشرة أيام في رجب. والمقصود من الاعتكاف هو التفرغ للعبادة، والاستكثار منها، وأن يصلح المرء نفسه ظاهرا وباطنا. فإن الخلوة بالنفس تهذيب لها. إنسان دخل بنفسه في بيت من بيوت الله عشرة أيام، يقرأ القرآن، ويصلي الجماعة، ويكثر من النوافل، ويتبع الصلاة بالصلاة، ولا يزال ينتظر في الصلاة، فهو في صلاة. صار هذا تهذيبا، تهذيبا للنفس، وتربية لها، لكن بالوجه الشرعي، ليس تهذيبا بطرق فلاسفة أهل الهند واليونان، ومقلدتهم من المتصوفة، لكنه بالطريق الشرعي الصحيح، بما دل عليه دليل الكتاب والسنة. وقوله رحمه الله: سيما في العشر الأواخر، يعني يكون أفضل وأكد في العشر الأواخر من رمضان. لماذا؟ لأنه أرجى ما يكون، أو ما تكون فيه ليلة القدر، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. وقوله رحمه الله: ويستحب الاجتهاد بالعمل فيها، يستحب الاجتهاد بالعمل فيها؛ لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر، أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وشد المئزر. والحديث في الصحيحين. ومعناه: أنه اجتهد ما لا اجتهد في غيرها من أيام رمضان. ولهذا يشرع الاعتكاف فيها؛ حتى يتفرغ ويزداد في الاجتهاد فيها، ما لا يكون في غيرها من الأيام. وشد المئزر كناية عن اجتناب النساء. والمعتكف يجتنب النساء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. معناه: أن المعتكف في المسجد لا يقرب المرأة، لا يباشرها. لكن ليس معناه: لا يتكلم معها، أو كذلك لا يمسها. بل صح في حديث عائشة في الصحيح: أنها كانت ترجل شعر النبي عليه الصلاة والسلام وهو معتكف، وهي خارجة لحجرتها، يخرج رأسه إلى الحجرة، والحجرة كانت ملتصقة بالمسجد من الجهة اليسرى، يعني في هذه الجهة في القبلة، في الجهة اليسرى حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخرج رأسه وهو ممتد إلى الحجرة، وعلى الحجرة ستار، يعني خرقة ستار، فترجل شعره، تغسله بالماء، وتمشطه له صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو معتكف، وهي خارجة لحجرتها. فيجوز ما لم يكن فيه مباشرة. وهكذا كذلك صح أنه عليه الصلاة والسلام زارته صفية إلى مسجده وهو معتكف. وكانت حجرة نسائه جميعا ملتصقة بالمسجد في جانب المسجد، إلا حجرة صفية كانت منفصلة، وفي مؤخرة المسجد، يبعد قليلا عن المسجد. قدره بعض أهل العلم بأنه ما يبعد نصف كيلو تقريبا، أو أقل من المسجد، يعني في حدود ثلاثمائة متر، أو حولها. يعني ممكن نقول: في اليوم في موقع هذه الصيدلية، صيدلية اسمها رويشد، حجرة صفية في مثل هذا الموضع. ونريد من هذا التدقيق في المسافة أن ننظر كيف الاعتناء بالنساء؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام معتكف، ومع ذلك خرج لما زارته، خرج ليرجعها إلى حجرتها وبيتها عليه الصلاة والسلام؛ لأن الوقت ليل، فخرج ليقلبها إلى بيتها. وفي هذا مشروعية خروج المعتكف كما سيأتي إن شاء الله. وفيه كذلك أن المرأة يجوز أن تزور المعتكف إلى المسجد. وفيه كذلك أن المعتكف يجوز له أن يتكلم بما ليس من أمر العبادة، يجوز، لكن ليس دائما يجوز، أحيانا إذا احتاج إلى ذلك أن يتكلم. فالمسألة وسط، لا إفراط ولا تفريط. لكن الأصل أن يعمر وقته بالطاعة والذكر، بإراءة القرآن، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والاستغفار، وغير ذلك مما هو من ذكر الله سبحانه وتعالى وطاعته، والصلاة، ونحوها. وقوله رحمه الله تعالى: وقيام ليالي القدر، قال: ليالي القدر، هي ليلة واحدة؛ لأن الليلة مجهولة غير معلومة. لكن يقوم الإنسان أرجى ليالي رمضان، والتي هي مضان ليلة القدر. ولهذا قال: ليالي القدر، أي الليالي التي هي مضان ليلة القدر، وهي من العشر الأخيرة إلى آخره، تسع أيام، وعشرة أيام، إن كان رمضان على ثلاثين فعشرة أيام، أو رمضان على تسعة وعشرين فتسعة أيام، يجتهد في هذه الليالي ويقومها. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيحين: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه». ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه. وفي رواية: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه». وفي هذا أن الإنسان إذا أراد أن يدرك ليلة القدر، فالأفضل أن يقوم كل رمضان، ويخص العشر الأخيرة بالاجتهاد، العشر الأخيرة يخصها بالاجتهاد، ويخص الوتر منها بالاجتهاد الأكثر؛ لأن ليلة القدر أرجى ما تكون في الوتر من العشر، وأرجى ما تكون في ليلة سبعة وعشرين. قال رحمه الله: ولا يخرج المعتكف إلا للحاجة. كذلك المعتكف، الأصل أنه ملازم للمسجد، فلا يخرج منه إلا لما لا بد منه. ولهذا جاء في الصحيحين بحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. يعني إذا كان معتكفا، حاجة الإنسان: طعام أو شراب، أو الخلاء، إذا أراد التخلي، أو أراد الطعام والشراب، فيجوز المعتكف أن يخرج من المسجد إذا احتاج الخروج من المسجد لهذه الأسباب. فإذا كان هذا متيسرا في المسجد، مثل اليوم الحمد لله، حمامات موجودة في المسجد، في طرف المسجد، توجد حمامات، الطعام يتيسر في أكثر المساجد دخول الطعام إلى المسجد، فإذا كان كذلك كفي عن الخروج، هذا أفضل في حقه أن لا يخرج إلا لحاجة لابد منها. مثل ماذا؟ مثلا جاء ولد صغير مطمئن، ما دخلت هذه الطمأنينة أن يرجع هذا الولد إلى البيت وحده، وله جثة أحد يرده إلى البيت، خفت عليه، خصوصا بعد المغرب، فلا بأس أن تخرج لتوصله إلى البيت، توصله إلى البيت وترجع، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين أوصل صفية. أو جاءت امرأة بالطعام لك، أو أرادت أن تأخذ الأوعية، فخفت عليها، أردت أن تخرج معها لتردها إلى البيت، جاز لك ذلك كذلك. ومعناه: أنه لا يزور مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا كذلك يخرج لأي معنى من المعاني الأخرى، ولو كانت من أبواب الخير والبر. ولهذا صح عن عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم: أنها ربما دخلت إلى البيت للحاجة، يعني تريد الخلاء أو نحوه، أو الطعام، فيكون في البيت المريض، فلا تسلم عليه إلا وهي مارة، يعني لا تقعد كيف حالك، كيف أنت، كيف كذا، لا وهي مارة؛ حتى لا تخدش الاعتكاف الذي اعتكفت. فهذا هو الأفضل والأكمل، وهذه السنة التي أثروها وعهدوها وتعلموها من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب نكتفي بهذا وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.