الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 145، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التأهب للقاء الله هو طريق قريب للاستقامة، حيث ينقطع القلب عن الدنيا ويتجه إلى الله. هذا يؤدي إلى محبة الله والابتعاد عن الشهوات.
ولادة القلب تعني التفاته إلى الآخرة، مما يعين على التغلب على شهوات النفس ووساوس الشيطان. هذا المفهوم مرتبط بقول المسيح عليه السلام حول الولادة المزدوجة.
مفتاح الأعمال الصالحة هو صدق التأهب للقاء الله، وهذا المفتاح بيد الله ولكن أسبابه بيد العبد. الولادة الثانية للروح والقلب ضرورية للأحوال الإيمانية.
الدرس يختتم بتأكيد أن التوفيق يأتي من الله تعالى، ويتمنى الخير للجميع. العبارة الختامية تذكير بأهمية الإيمان بالله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، في سياق ذكره لقاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، وذكر شيئين اثنين، مرّ أحد الشيئين وهو حراسة الخواطر، والآن يثني بالثاني. قال: «فصل: الثاني صدق التأهب للقاء الله عز وجل»، يعني الثاني من الطريق القريب الموصل إلى الاستقامة والثبات عليها، فالأول مراقبة وحراسة الخواطر، والثاني التأهب للقاء الله، والمعنى يكون في الحسبان دائمًا وأبدًا. قال رحمه الله: «وهذا من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته، فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى ربه تعالى، وعكفت همته على الله على محبته وإيثار مرضاته، واستحدث همة أخرى وعلومًا أخرى»، يعني تنوب تلك الخواطر وشهوات النفس الأمارة بالسوء. قال: «وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار، فيكون جسمه في هذه الدار وقلبه في الدار الآخرة، وبهذا يعين نفسه على الاستقامة، إذا صار قلبه ملتفتًا إلى الدار الآخرة، عانه ذلك على التغلب على شهوات النفس الأمارة بالسوء وعلى وساوس الشيطان وخواطره». قال رحمه الله تعالى: «كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة»، وهذا تقريب للمعنى، والمعنى كما أن جسده ولد في هذه الدنيا، فينبغي بقوة همته في توجيه قلبه إلى لقاء الله والدار الآخرة أن يولد قلبه ولادة حقيقية، هذه الولادة الحقيقية تغير سير حياته وأهدافها، وعند ذلك يصلح حاله وتستمر استقامته. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا. قال: «وكما كان بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار، فهكذا نفسه وهوى نفسه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، وخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار»، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال: «يا بني إسرائيل، إنكم لن تليوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين»، والمعنى أنه استدل بهذا المروي عن المسيح عيسى، وهذا مما تداوله أهل الكتاب كثيرًا لأجل أن يستأنس به على المعنى الذي أراد، الولادة الأولى ولادة الجسد، والولادة الثانية ولادة الروح والقلب. قال: «ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلًا عن أن يصدقوا بها، فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير؟ أم كيف يولد القلب؟ لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه، ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد، فالقلوب الحية هي التي ولدت، والقلوب الميتة هي التي لم تولد ولن تلد حتى يلتفت إلى هذا الالتفات». قال: «والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله ومفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السائرين إلى الله عز وجل ومنازل السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره ولا رب سواه». قال: «وهذا المفتاح بيد الله عز وجل، وجعل أسبابه بيد العبد، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿وَهَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فالله عز وجل هدى هذا الإنسان إلى طريق الخير، فإن هو سلكه فإنه بإذن الله تعالى معان، وبهذا فتح المفتاح، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، كم من إنسان يسر الله له أسباب الهداية فيعرض، فيكون قد أغلق على نفسه المفتاح، والموفق من وفقه الله». طيب الله أوقاتكم، والله تعالى أعلم.