الدرس في شرح مختصر السيرة 79، الدرس التاسع والسبعون:من ( عمرة القضية ... فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
عمرة القضية كانت في السنة السابعة للهجرة، حيث أداها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن منعه المشركون في السنة السادسة. خرج مع أصحابه معتمراً ودخل مكة.
أظهر النبي صلى الله عليه وسلم قوة أصحابه في طواف القدوم بمكة، وكان ذلك رداً على إشاعة المشركين أن حمى المدينة قد أضعفتهم. استمر النبي على هذه السنة في عمراته.
ناقش المقطع أحداث وقعت في عمرة القضاء، مثل دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت، كما تطرق إلى حكم من حلف بالله ثم فعل ما حلف عليه وتكرار الحلف دون كفارة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": "قال: عمرة القضية. قال: فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا عمرة القضية. وقيل: إنه مأخوذ من القضاء؛ لأنه كان قضاءً عن عمرة الحديبية التي منع منها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة. وقيل: إنه مأخوذ من اسمه مكان نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أشهر. ولكن يعبرون أحيانا بعمرة القضاء، حتى بواب البخاري، كما ذكر عندكم المعلق في كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، وذكر ما ورد في ذلك". قال رحمه الله تعالى: "حتى إذا بلغ يأجج، وضع الأداة كلها إلا الحجف والمجان والنبلة والرماح. ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف. ومعناه أنه جاء بسلاحه عليه الصلاة والسلام، ومن معه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى إذا بلغوا هذا الموضع، وكما قال المؤلف: هو على بعد ثمانية أميال من مكة، يعني مكان قريب من مكة، وضعوا هذه الأسلحة كلها إلا السيوف، أخذوها معهم وتركوا سائر السلاح الآخر". قال: "وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمون بنت الحارث يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجه إياها، وهي ميمون بنت الحارث الهلالية، وهي التي اختلف العلماء: هل تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهو حرام أو وهو محرم؟ يعني أم وهو حلال؟ والصحيح أنه تزوجها عليه الصلاة والسلام وهو حلال، تزوجها وهو حلال، كما ذكر ذلك أبو رافع وميمون نفسها رضي الله عنها وأرضاها". قال: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف ليرى المشركون قوتهم. وكان يكايدهم بكل ما استطاع. فوقف أهل مكة: الرجال والنساء والصبيان، ينظرون إليه وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يبهر للمشركين في مكة أنهم أهل قوة؛ لأنهم ظنوا أن حمى المدينة قد أوهنتهم -يعني أضعفتهم- وكان بالمدينة حمى ووباء، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل إلى الجحفة، كما مر معنا قريبا، فنقلت إلى الجحفة، وكانت الجحفة أرض خربة ليس فيها أحد. فأظهر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بكشف المناكب، فتظهر قوة الرجال، وكذلك السعي في الأشواط الثلاثة الأولى. وهذا الذي وقع استمر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل نحو ذلك في عمراته بعد، وفي حجة الوداع. ولهذا ظن بعض أهل العلم أن هذا خاص، فيزول بزوال سببه، ولم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر على ذلك في سائر نسكه وأدائه لعمرته، وفي طواف القدوم، فكان سنة باقية من سنن طواف القدوم". قال: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم...". قال: "وكان يكايدهم بكل ما استطاع. ومعنى يكايدهم: يعني يقابل كيدهم بما يدفع من معاني الكيد، وليس معناه أنه يمكر بهم أو يخونهم أو غير ذلك، وإنما هو مقابلة، فهذه الصيغة من صيغ أفعال المقابلة. ومن رد كيدهم أنهم كانوا يشيعون أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أضعفتهم حمى يثرب، فكايدهم كيف بأن أظهر القوة بكشف المناكب مناكب الرجال، وبالسعي بالرمل في الأشواط الثلاثة الأولى". قال: "فوقف أهل مكة: الرجال والنساء والصبيان، ينظرون إليه وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت. وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله بأن خير القتل في سبيله يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله". قال: "فأقام بمكة ثلاثة، ثم أتاه سهيل بن عمر وحويطب بن عبد العزة، فصاح حويطب: نناشدك الله والعقدة لما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاثة -يعني أيام القراء ثلاثة أيام-. قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل -يعني خرجوا بعد ثلاثة أيام-. وفي هذا العام، قال بعض أهل التاريخ: روى الإمام أحمد في ذلك حديثا أنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت -يعني في عمرة القضاء- وهو أحد مواضع أربعة دخل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داخل البيت. ورجح البخاري رحمه الله أنه لم يدخل البيت في عمرة القضاء، ورووا في ذلك أثرا عن عبد الله بن أوفى رضي الله تعالى عنه، فهو أمر مختلف فيه. ورجح البخاري أنه لم يدخل فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى". قال: "وفي هذه العمرة لحق الوليد بن المغيرة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أسلم، وفي إسلامه قصة. فكان رضي الله عنه أرضاه قد أسر، فلما أتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ورأى ما رأى أراد الإسلام، فلم يسلم حتى افتكه أخواه هشام وخالد ابنا المغيرة. ثم بعد ذلك أسلم. فقال: لا، ما كيف تسلم بعد أن فككنا أسرك؟ فقال: إني كرهت أن يظن أني أسلمت خوفا من الأسر. فلما كان منه ذلك أخذاه وأسر عند كفار قريش أسره أخواله -يعني في مكة-. فلما كان في عمرة القضاء انفك وانفلت منهم ولحق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قال: "وفي عمرة القضاء قال النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا في صبيحة ذاك اليوم حديث زيد بن خالد: أصبح اليوم منكم مؤمن بي وكافر. وكافر. فإن ذلك كان في عمرة القضاء كما ذكر الحفاظ. وجاء في بعض الروايات فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قال في حديث زيد بن خالد: أصبح اليوم مؤمن بي وكافر. سدرون ماذا قال ربكم؟ قال: قال الله والرسول أعلم. قال: أصبح اليوم مؤمن بي وكافر. فأما من قال: من مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. الحديث". يقول: ما حكم من حلف بالله أنه لن يفعل كذا وكذا ثم فعل، ثم حلف مرة أخرى أنه لن يفعل ثم فعل؟ الحلف الذي يوجب الكفارة هو فيما كان من عمل مستقبل، يحلف عليه أنه لا يأتيه ثم يضطر فيأتيه. ومثل هذا إن كان حلفه على هذا المعنى فيكفر كفارة يمين. وإن كان في ذنب من الذنوب فيتوب ويجاهد نفسه على ذلك. ويقول: هل يكفر ثلاثة كفارات أم يكفر كفارة واحدة؟ الجواب: إذا كان العمل واحد وجنس واحد فكفارة واحدة. مثلا قال: والله لا أدخل بيت فلان، ثم رأى أن الأمر والأصلح أن يدخل فدخل، وكان حلف وكان حلف مرة أخرى ثم دخل ولم يكفر، وحلف مرة ثالثة، فهل يكفر كفارة واحدة؟ بعض أهل العلم قال: يكفر ثلاث كفارات، وهذا هو الأحوط. وقال بعضهم: يكفر كفارة واحدة ما دام جنس العمل واحد ولم يكفر، فإنه يكفر كفارة واحدة، خصوصا إذا تقارب اليمين والحلف في هذا اليمين. وأما إذا كانت أعمال متفرقات فلا شك أنه يستوجب عليه كفارات متعددات، مثل أن يحلف في دخول بيت ويحلف في أكل طعام ويحلف في بقاء في مكان، فكل واحد جنس آخر وليس بينهما تقارب، فيلزم ثلاث كفارات. والله تعالى أعلم.