التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 6

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 6

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسباب اختلاف الأئمة في الحديث

الدرس يتناول أسباب اختلاف الأئمة في الحديث، مثل اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، واختلاف العلماء في تقييم الرواة ودرجة صحة الحديث. يبين أن ليس كل مجتهد مصيب، ولكن لكل مجتهد نصيب من الأجر.

أخطاء رواية الحديث وأهمية التفصيل

يتناول المقطع أسباب الخطأ في رواية الحديث، مثل اللبس في أسماء الرواة وعدم ضبط أصول الحديث، ويُظهر أهمية التفصيل في قبول أو رد الرواية وضرورة الرجوع إلى كتب علوم الحديث.

شروط قبول خبر الواحد ورد أهل البدع

يتناول المقطع شروط قبول خبر الواحد ومسالك أهل البدع في رده، ويبين أن الصحيح هو التفصيل وليس التعميم في قبول أو رد خبر الواحد، ويشير إلى أهمية كتب العلل والرجال.

الفرق بين الخلاف الفقهي والعقدي

يتناول المقطع الفرق بين الخلاف الفقهي والعقدي، ويشرح أن باب العقائد ليس فيه اجتهاد لأن نصوصه واضحة، ويوضح مسؤولية العلماء في التفريق بين الخطأ في مسائل العقيدة وغيرها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في السبب الثاني من أسباب اختلاف الأئمة، وذكر رحمه الله أن يكون بعض محدثي الأحاديث ورواتها فيهم شيء من الضعف، إما للجهالة أو غير ذلك مما مر معنا من أسباب الضعف. ومرت معنا أمثلة لذلك. من يضرب لنا مثالاً؟ مثال على ذلك؟ مثال للسبب الثاني؟ نعم، حديث ذكات الجنين ذكات أمه، اختلف فيه، وسبب الاختلاف هو الخلاف في بعض رواته. ومثال آخر؟ حديث آخر؟ نعم، أما أنه تفتح؟ نعم، حديث المعازف اختلف في وصله وعدمه، والصحيح أنه متصل صحيح، وسبب الخلاف هو الخلاف في صحة هذا الحديث من جهة رفعه وعدمه. وهكذا قل في تلك الأسباب الكثيرة التي أشار إليها رحمه الله، وسبق الكلام عليها، مما لا يسع التمثيل لكل واحد منها. فنحن في مقام يقتضي الاختصار لضيق الوقت، ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والسداد. طيب، درس اليوم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السبب الثالث، اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق أخرى، سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب. ولذلك أسباب منها: أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفًا، ويعتقده الآخر ثقة. ومعرفة الرجال علم واسع، ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه للاطلاع على سبب جرح، وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح، إما لأن جنسه غير جارح، أو لأنه كان له فيه عذر يمنع من الجرح. وهذا باب واسع، وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم. ومنها: أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه، وغيره يعتقد أنه سمعه، لأسباب توجب ذلك معروفة. ومنها: أن يكون للمحدث حالان، حال استقامة وحال اضطراب، مثلاً يختلط أو تحترق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة فهو الصحيح، وما حدث به في حال الاضطراب فهو ضعيف، فلا يدرى هذا الحديث من أي النوعين. وقد، وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة، أو لا يدري. ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث، فلم يذكره فيما بعد، وأنكر أن يكون حدث به، فيعتقد أن هذا علّة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا لا يمنع الاستدلال به، والمسألة معروفة. ومنها: أن كثيرًا من الحجازيين يرون أن لا يحتج بحديث عراقي أو شامي، إذا لم يكن له أصل بالحجاز، حتى قال قائلهم: نزلوا أحاديث أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. وقيل لآخر: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة، قال: لم يكن له أصل بالحجاز فلا. وهذا الاعتقاد من أهل الحجاز ضبطوا السنة، فلم يشد عنهم منها شيء، وأن أحاديث العراقيين وقع فيها الاضطراب، أوجب التوقف فيها. وبعض العراقيين يرى أن لا يحتج بحديث الشاميين، وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا، فمتى كان الإسناد جيدًا كان الحديث حجة، سواء كان حجازيًا أو شاميًا أو عراقيًا أو غير ذلك. وقد صنف أبو داود السجستاني كتابًا في مفاريد أهل الأمصار من السنن، ويبين مختصًا بأهل كل مصر من الأمصار من السنن التي لا توجد مسندة عند غيرهم، مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها. إلى أسباب أخرى غير هذه، جعل رحمه الله تعالى هذا السبب زيادة في التفصيل في الكلام على بعض علل الرجال التي لأجلها يحصل الخلاف في بعض الأحاديث. وابتدأ الكلام في هذا الموضع بأن هؤلاء الأئمة يجتهدون، ثم هم مع اجتهادهم بين صواب وخطأ، وبين كذلك مأجور بأجرين أو بأجر. وأشار هنا إلى مسألة مشهورة في كتب الأصول: هل كل مجتهد مصيب؟ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة. وقد فصلها هو نفسه رحمه الله في مواضع أخرى من كتبه، وصوب التفصيل في هذه العبارة. فإن أريد بالمجتهد: أي الطائع، فكل طائع مصيب، ما دام أنه فعل ما يقربه إلى الله، فباعتبار الطاعة هو مصيب، ولا يكون ذلك إلا لمن عنده الأهلية للاجتهاد. وأما إن أريد موافقة الصواب الذي جاءت به الأدلة الشرعية، فالمصيب واحد، ولهذا استدل العلماء في هذه المسألة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر. فبين في هذا الحديث أن هناك مصيبًا وهناك مخطئًا، ولكن لأن كل واحد منهما أراد الخير وبذل الوسع، فيكتب لهما الأجر، إلا أن المجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد على اجتهاده. فالصواب أن نقول: ليس كل مجتهد مصيب، ولكن نقول: لكل مجتهد نصيب، لكل مجتهد نصيب، أي نصيب من الأجر والاجتهاد. أما بالنسبة للصواب، فالمصيب واحد. وقد بين هذا غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، وأشار إلى بعض هذه المواضع في التعليق، كما في منهاج السنة وفي مجموع الفتاوى وفي غيرها من المواضع الأخرى من كتبه رحمه الله. وهكذا أيضًا الإمام ابن القيم رحمه الله أبان هذه المسألة في مواضع من كتبه، كإعلام الموقعين وغيرها. وهذا هو الصواب في هذه المسألة: ليس كل مجتهد مصيب، ولكن لكل مجتهد ماذا؟ نصيب، أي نصيب من الأجر. أما ما ذكر بعد ذلك من تفريعات فيما يتعلق باختلاف أهل العلم في رواة الحديث، وما يثمر ذلك من قبول بعض الأحاديث وضعفها، ردها أو قبولها، فهذا قليل من كثير مما هو معروف من التفاصيل التي تذكر في باب معرفة قبول الأحاديث في جهة السند. ومر معنا الإجمال بعض تلك العلل، منها إلى الظاهرة ومنها إلى الخفية. ومن الظاهر: أن يكون بعض رواته فيه ضعف، ثم هذا الضعف قد يكون مختلفًا فيه. فقوله: يعتقد أحدهما أنه ضعيف والآخر يعتقد أنه ثقة، مثاله ما ذكره في التعليق: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني، المشهور، وثقه الشافعي وضعفه غيره من الأئمة، والراجح ضعفه. فالشافعي كان يحتج بأحاديثه، وغيره كان يرد أحاديث إبراهيم بن محمد. وهكذا أيضًا علي بن زيد بن جدعان اختلف فيه، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، والراجح فيه الضعف، كما قال شعبة رحمه الله: كان رفاعًا، يعني يرفع الموقوفات. وقد يكون الخطأ في وجود اللبس في اسمي الراوي، مثل محمد بن وهب الدمشقي، هما اثنان: محمد بن وهب الدمشقي ذاهب الحديث ضعيف، وآخر محمد بن وهب بن عطية الدمشقي من رجال البخاري، فيلتبس على بعض الناس فيظنه الثقة وهو الضعيف. وهذا مثال آخر لما وقع فيه خلاف في بعض الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا. ومن ذلك أيضًا: أن بعض الرواة قد اختلف فيهم، مثل رواية ابن لهيعة: عبد الله بن لهيعة، ورواية محمد بن مسلم أبو الزبير فيما يرويه عن جابر، فقد اختلف أهل العلم في رواية هذين الرجلين، ولهما نظائر في رجال آخرين كثير. فمنهم من رد روايتهم مطلقًا، ومنهم من قبلها مطلقًا، ومنهم من فصل في هذه الرواية. فمثلاً رواية ابن الزبير عن جابر، محمد بن مسلم، لتدرس، شعبة يردها مطلقًا، والإمام مسلم يقبلها مطلقًا، وذهب بعضهم للعلم إلى التفصيل فيها. فابن حزم يرى التفصيل، فما جاء من رواية الليث بن سعد عنه فهي مقبولة. ومنهم من يقول: أنها صحيفة، والصحيح التفصيل في روايته. وهكذا ابن لهيعة، منهم من يردها مطلقًا، ومنهم من يقبلها مطلقًا، ومنهم من يفصل برواية العبادل عنه، وما استثنوا من روايات في ذلك. بل الأمر يأتي في بعض المسائل غاية في الدقة، لا يعرفه إلا جهابذة أهل العلم، مما يقع من بعض الأحاديث من الثقات، ولكنها حصل فيها خطأ من أولئك الثقات، مثل رواية معمر بن راشد، أحد الأئمة المعروفين الثقات، إمام معروف. ولكن بين أهل المعرفة بعلل الحديث أن رواية معمر ليست كلها صحيحة مقبولة، فهناك من رواية معمر ما هو مردود، كرواية العراقيين عن معمر، فإنها ضعيفة، إلا ما استثني من رواية الزهري وطاووس، فإنه مما استثني من رواية العراقيين. وهكذا روايته في البصرة مضطربة، واستثنوا منها من تقاه أهل الصحيحين. وبهذا نرجع إلى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن بعض الناس رد رواية أهل العراق أو أهل البصرة أو أهل الشام، والسبب في ذلك أن الحديث حصل فيه كثير من الخطأ عند رواة هذه البلاد، ولم تضبط أصول الحديث، وكثر فيهم الكذابون والوضاعون وغيرهم. لكن كما ذكر رحمه الله: شيخ الإسلام، ليس بصحيح أن نرد الرواية مطلقًا، كما أنه ليس من الصحيح أن نقبلها مطلقًا. والصحيح في ذلك التفصيل، ومن الذي يعرف هذا؟ جهابذة أهل هذا العلم، بما كان منهم من البحث والاستقراء والدراية والرواية، استطاعوا أن ينتقوا من أحاديث أولئك ما هو صحيح. مثل من تقوا، كمثال في رواية معمر بن راشد، فإنهم انتقوا وفصلوا وبيّنوا. وبهذا يعلم أن هذا الباب باب دقيق، وقد يحصل فيه خطأ بسبب عدم ضبط هذا الباب. وقوله رحمه الله: وهذا باب واسع، وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم. يعني أن بعض الناس قد أجمعوا على ثقة وإمامته، مثلاً لإمام البخاري رحمه الله، وهكذا من قبله من الأئمة، كالإمام مالك والشافعي وغيرهم من الأئمة لإمام أحمد. لكن هذا الإجماع قد يكون فيه استثناء في بعض الأحاديث، كما مر معنا الإمام معمر بن راشد إمام معروف، وأحد الثقات المعروفين، ولإمام المشهورين، ومع ذلك انتقد العلماء في أحاديثه بعض الأحاديث. فإذن قد يجمع على الرجل بالجملة، ويستثنى من حديثه بعض هذه الأحاديث. وهكذا أيضًا العكس، قد يكون الرجل ضعيفًا، ولكن يستثنى من حديث هذا الضعيف رواية معينة تكون صحيحة، رواية معينة تكون صحيحة، أصاب بها أو قبلت روايته فيها بسبب أو لآخر. وهذا الباب يقال فيه كما يقال بالجملة في سائر العلوم، فهناك مسائل قد يقع فيها إجماع، ومسائل قد يقع فيها اختلاف، والجماع والاختلاف مشهور، ثم قد يكون هناك استثناءات لبعض تلك الإجماعات والاختلافات. وقوله رحمه الله: ومنها أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث به، وغيره يعتقد أنه سمعه. كذلك هذا باب واسع في مسألة السماع، ولذلك ألف العلماء كتبًا خاصة في باب السماع، سواء أكان فيما يتعلق بالمنقطع من المراسيل، أو كذلك غيره من أنواع الانقطاعات. فألفوا كتب المراسيل ليبينوا من سمع ومن لم يسمع. وهناك قسم خاص في علوم الحديث ما يسمى بالمرسل، وآخر ما يسمى بالمنقطع، وآخر ما يسمى بالمعضل، وآخر ما يسمى بالمعنعن والمؤنع، وكل هذا مما فيه عدم سماع، مما فيه انقطاع وعدم سماع. فقد يكون انقطاع برجل، وقد يكون برجلين، وقد يكون طبقة أو طبقتين، وهكذا بحسب ما بين العلماء في هذا الباب. ومر معنا على سبيل المثال: رواية أبي الزبير عن جابر، فالصحيح أنها غير متصلة، منقطعة، إلا ما جاء من رواية الليث، ومن استثنى من روايته عن أهل العلم. ومثله كذلك حديث الحسن البصري، فإن عنعنة الحسن فيها ضعف، واستثنى العلماء من ذلك أحاديث سمعها الحسن، فسماعه استثني ببعض الأحاديث، مثل روايته عن سمرة، استثنوا له حديثًا وحديثين، وبعض الأحاديث التي نصوا عليها. وقوله رحمه الله: منها أن يكون المحدث حالان، حال استقامة وحال اضطراب، كما مر معنا على سبيل المثال في رواية معمر بن راشد، فروايته عن أهل البصرة مضطربة، إلا ما استثنى أهل الصحيحين. وقد ألف أهل العلم كتبًا خاصة في الأحاديث المضطربة، والرواة الذين وقعت في روايتهم شيء من الاضطراب. والرجوع إلى مثل هذه الكتب مهم جدًا لطالب العلم والباحث، ومن باب أولى كذلك المفتي ومن كان بمعنى هؤلاء من المجتهدين، لأنه يحتاج إلى معرفة صحة هذه الأحاديث بما نقله أهل العلم. وهل المعرفة كل في بابه؟ فإن كانت المسألة حديثية رجع إلى كتب الحديث، أو كانت المسألة تتعلق بصحة الحديث من جهة الرجال، رجع إلى كتب الرجال، أو كانت تتعلق بالاتصال والإرسال، رجع إلى كتب المرسلات وما تكلم العلماء في ذلك. وإن كان في باب الاختلاط يرجع إلى ما هو في مضانه، مثل الكواكب النيرات في معرفة أحوال من اختلط من الثقات، وغير ذلك من الكتب المختصة في هذا الباب. وهذا يدلنا على أن باب الاجتهاد باب عظيم، ليس كل أحد أهل أن يخوض فيه، بل ينبغي أن يكون عند الإنسان معرفة وأهلية ليصل إلى الصواب، لأن الصواب قد يتعلق بصحة الحديث، وصحة الحديث قد تتعلق بالإسناد، قد تتعلق بالمتن، وقد تتعلق بالعلل الخفية ونحو ذلك. وقول رحمه الله: ومنها أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث. كذلك هذا باب آخر مما ذكره أهل العلم مما يقع فيه الخطأ، فإن الإنسان لا يسلم من الخطأ، ومن ذلك النسيان، وقد يكون في حديث، وقد يكون في أحاديث. وهذا من أين نعرفه؟ نعرفه من الكتب المختصة التي ذكرها العلماء. ولذلك تجد بعض من كتب في الرجال يذكر أشياء بعينها، مثلاً الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه الميزان يذكر بتراجم بعض الرجال يقول: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث كذا وكذا، إلا أنه يعني ضعيف في روايته عن فلان بن فلان، ونحو ذلك مما ينبه عليه كثيرًا، وهو من أنفع الكتب التي تبين مثل هذه الاستثناءات. وكذلك الكتب المختصة مثل كواكب النيرات بمعرفة من اختلط من الثقات، أو كذلك كتب المراسيل، أو كذلك غيرها من الكتب. ومنها كتب العلل، النظر بكتب العلل مهم جدًا، لأنك إذا نظرت بكتب العلل تستطيع أن تعرف ما استثنى العلماء من أحاديث الثقات مما لم يصح، والعكس مما صح من أحاديث الضعفاء. فهناك أحاديث للضعفاء صحيحة، والعكس وهو الأكثر، والأول هو أقل. وهكذا. وقوله رحمه الله تعالى: ومنها أن كثيرًا من الحجازيين إلى آخره، تقدم معنا أن الصحيح في هذا عدم التعميم، وأن الصحيح فيه التفصيل. وقد ذكر أهل المعرفة بالحديث التفصيل في هذا الباب، فلم يقبلوا جزافًا التضعيف بهذا الإجمال، بل فصلوا في ذلك، وكذلك عينوا بعض الرواة فيما استثني من رواياتهم. وأشار في الأخير إلى كتب المفاريد التي ألفها أهل العلم ليبينوا أنه قد صح من المفاريد من باب أولى ما كان لها شواهد ومتابعات من أحاديث أهل الأمصار. فالصحيح لا ينحصر في أحاديث أهل الحجاز، بل الصحيح قد يكون حجازيًا، وقد يكون كذلك شاميًا أو عراقيًا أو يمنيًا أو غير ذلك من الأسانيد المشهورة المعروفة عند أهل المعرفة بالحديث. قال رحمه الله تعالى: السبب الرابع، اشتراط بعضهم بخبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفوا فيها غيرهم، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيهًا إذا خالف قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان بما تعم به البلوى، إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه. والصحيح في هذا الذي أشار إليه رحمه الله تعالى التفصيل، فخبر الواحد الأصل أنه إذا صح يقبل. وما وقع من خطأ من خبر الواحد لابد أن يكون فيه حجة ودليل وبرهان. وأما رد خبر الواحد مطلقًا فهذا ليس بصحيح، بل هذا من طريق من مسلك أهل البدع والأهواء. ومن مسلك أهل البدع والأهواء. وقوله: أن بعضهم يشترط عرضه على الكتاب والسنة، عرضه على الكتاب، نعم، قال به بعض أهل الأهواء، ومن تأثر بهم من المعتزلة وغيرهم، فاشترطوا أن يوافق الأحاديث القرآن، زعمًا منهم أنه يكون بهذا وافق المتواتر. وهذا غير صحيح. بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الإخبار أنه سيكون في آخر الزمان من يرد من سنته صلى الله عليه وسلم بحجة أنه لم يجد ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى. وهذا خطأ، وهو مسلك من مسالك أهل البدع والأهواء. والكلام على خبر الأحاد والتفصيل فيه ليس هذا مكانه، وتفصيله في مأضانه في كتب أصول الفقه، وهكذا كتب المصطلح. والراجح وطريقة أهل السنة والجماعة قبول خبر الواحد إذا صح، إذا صح، وأنه لا يرد بمجرد أنه خبر واحد. وأن هذا أدلة الكتاب والسنة دلت عليه، فالأنبياء والرسل إنما كانوا واحدًا، وقد حملوا أمانة توصيل الرسالة وإبلاغ الأمانة، واكتفي بذلك في دين الله عز وجل. بل دين الأنبياء والرسل جميعًا ممن بعثهم الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرجل والرجلين ليبلغا دين الله سبحانه وتعالى، فأرسل معاذًا وأبا موسى، وأرسل عليًا، وأرسل غير واحد يبلغون دين الله سبحانه وتعالى، وهم واحد. وقوله: واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيهًا، هذا إذا كان المحدث يروي بالمعنى، وعلم عنه أنه يروي بالمعنى، فلذلك الصحيح التفصيل في هذا الباب، وليس كل محدث يشترط فيه. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع. ومعنى أننا نقبل خبر ناقل، ولو لم يفقه ما ينقله، ما دام أنه ضبط وعرف وضبط لما ينقله. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه، أمر أمته وأصحابه أن يبلغ عنه في أحاديثه كثيرة. وهذا عام يدل أن الناقل المهم هو أن يضبط النقل. ولذلك لا يرد خبر الثقة إذا نقل وهو معروف بالأمانة والديانة والضبط. وأما إذا كان قد علم في حديثه أنه لا يضبط، فقد بين العلماء ذلك، بين العلماء ذلك فيما يقع مما يروى بالمعنى، ويحصل الخطأ. فالحفاظ نخلوا أحاديث الرواة نخلا، وبيّنوها حديثًا حديثًا. ولذلك تجد الكلام على الرواة بأحاديثهم في كتب العلل والرجال مفصلاً تفصيلاً دقيقًا، مما يدلك على أن علماء الحديث اعتنوا بهذا الباب اعتناء دقيقًا، ليس فقط في الأحاديث، بل حتى في ألفاظ الأحاديث. فلو رجعت على سبيل المثال كتاب تحفة الأشراف، تجد تلك التفصيلات الدقيقة كيف بين العلماء ألفاظ الرواة وما اختلف فيه. بل ومن تتبع على بعضهم من الألفاظ في ذلك. ما يدلك على دقة هذا الباب. وهكذا ما ذكره الإمام البخاري رحمه الله في تاريخه، وغيره من أهل العلم ممن تكلم على بعض الأحاديث والرجال، فضلاً عن كتب العلل الكثيرة التي ألفها العلماء والحفاظ ليبينوا ما رواه الرجال في هذا الباب. بل تجد أن أحاديث الرواة مضبوطة بالعدد، فيقال: روى كلان من الصحابة كذا وكذا حديثًا، وروا من التابعين كذا وكذا حديثًا. فأحاديث الرواة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ومن تبعهم معدودة عدا، ومبين الصحيح والضعيف منها، ومبين ما أصاب الرواة فيها وما حصل الخطأ فيها. فلو أردت أن تضرب مثالاً، خذ راوي واحد فقط من رواة الأحاديث، سواء من الصحابة أو التابعين أو اتباع التابعين، فضلاً عن من دونهم، ثم انظر ما ذكره العلماء الحديث في أحاديث هذا الراوي. ستجد أنهم بينوا مثلاً لو أخذت أكثر المكثرين من الصحابة، وهو أبو هريرة رضي الله عنه، على كثرة أحاديثه، إلا أن العلماء نخلوا هذه الأحاديث نخلا، فبينوا الصحيح مما روي عن أبي هريرة والضعيف والمختلف فيه. ثم بينوا كذلك ما كان من الصحيح من ألفاظ فيها انتقادات أو فيها علل أو فيها كذا وكذا. والرواة الذين رووا أحاديث أبي هريرة، ويحيلونك إلى كتاب واحد يبين لك ذلك، فضلاً عن غيره من كتب العلل والرجال الأخرى الواسعة. ففيها الكثير من هذا الباب. كتاب تحفة الأشراف، إذا وقفت على أحاديث أبي هريرة من تحفة الأشراف، تقرأ وتجد العجب العجاب من اعتناء علماء الحديث بأحاديث الرجال من الصحابة والتابعين واتباع التابعين. ما يدلك أنهم قد اعتنوا بهذا الباب اعتناء دقيقًا بالغًا، يحال معه أن يكون فيه ما يدعيه هؤلاء في باب خبر الأحاد. طيب، نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، نأخذ ثلاثة أسئلة على السريع إن شاء الله، ونعتذر عن دقة الأسئلة. يقول: هل ستواصلون القراءة في هذا الكتاب؟ نعم، إن شاء الله سنواصل الأسبوع القادم في نفس الزمان، ونسأل الله أن يعيننا أن نكمل في الأيام القادمة بإذن الله تعالى. يقول: الأشكال علي الفرق بين السبب الثاني والثالث. كما قلنا: السبب الثالث فيه زيادة تفصيل فيما يتعلق بأحوال الرجال، السبب الثاني فيما يتعلق بالحديث جملة، فيما يتعلق بالحديث جملة، صحة وضعف، وقبول ورد. وأما الذي بعده فيما يتعلق بالرجال خاصة. يقول: رسالة هل رسالة شيخ الإسلام في أعدار العلماء في الخلاف الفقهي أم في الخلاف العقدي؟ في باب الأسماء والصفات، الكلام في الخلاف الفقهي، الكلام في الخلاف الفقهي. وباب العقائد ليس فيه اجتهاد، نصوصه واضحة بينة غير ملتبسة. ومع ذلك قد يقع الخطأ من البعض، يفرق بين الخطأ الذي حصل بتفريط أو بسبب تقليد لعقيدة ردية، أو كان مع بدل الوسع، ولكن أخطأ لدقة المسألة. ولهذا الصحيح أن العلماء فصلوا في مسائل العقائد بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإنه لا يُعدر فيه أحد، وبين ما هو ليس كذلك، فإنه قد يخطئ فيه بعض الناس، ويُعدر بحسب هذا الخطأ ونوعه وسببه وغير ذلك. فعلى سبيل المثال: ابن حزم رحمه الله كان يقول: أنه على مذهب الإمام أحمد رحمه الله، إلا أنه أخطأ في مسائل باب الاعتقاد، وافق فيها قول الجهمي، ولم يرد ذلك. فهل يقال: أنه جهمي؟ الصحيح أنه لا يقال: أنه جهمي، وأخطأ من سمى ابن حزم جهميًا أو وصفه بهذا الوصف. وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ابن حزم في هذه المسألة في مواضع من كتبه، كمنهاج السنة وغيرها. وبيّن أنه عذره، أنه لم يقف على دقائق مسائل الاعتقاد بسبب بعد مكانه وقلة مشايخه، وإلا فكان يقول: أنه على مذهب الإمام أحمد، فهو على مذهب الإمام أحمد بالجملة، وقد يخطئ الإنسان في التفصيل. فإذا أخطأ في التفصيل فهذا يعذره. ومثله كذلك النووي وابن حجر وغيرهم من الأئمة، وقعوا في بعض المسائل فيها موافقة للأشاعرة، ولا يعني ذلك أنهم أشاعرة. من الخطأ أن تقول: النووي أشعري أو الحافظ ابن حجر أشعري، وهم قد صرحوا مرارًا وتكرارًا أنهم على مذهب أهل الحديث وعلى مذهب علماء السنة. ولكن أخطأوا بسبب ما دخل عليهم ببعض المسائل التي لم يحصل لهم فيها تحقيق، ولم يقفوا على تفصيل في كلام العلماء. ولا أئمة، ولكثرة مباحث العلم لم يسعهم التحقيق في تلك المسائل الدقيقة، فحصل لهم الخطأ. فبهذا عذرهم العلماء، فيقال: أخطأوا في بعض المسائل، وافقوا الأشاعرة، ولا يصح أن نقول: أنهم أشاعرة. وطبعًا الأشاعرة يستكثرون بهم، ولكن هذا خطأ، بدليل أنهم وافقوا أهل السنة في مسائل كثيرة، على خلاف طريقة الأشاعرة، على خلاف طريقة الأشاعرة. فلو كانوا أشاعرة لكانوا على طريقة الأشاعرة، حذا القد بالقد، والأمر ليس كذلك، والأمر ليس كذلك. حتى أبو الحسن الأشعري تراجع عن مذهبه إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا مبين في كلام كثير بكتبه. ولكنه كما ذكر المحققون من أهل العلم: لأنه خاض في علم الكلام وفي طريقتهم زمنًا طويلاً، لما رجع لم يرجع رجوعًا كليًا كاملاً. لم يسعه الوقت أن يصحح كل ما كان عليه من خطأ، أن يرجع به إلى طريقة وعقيدة أهل السنة والجماعة. فلذلك وجدت في كتاباته بعد رجوعه بعض الأخطاء، وبعض المؤاخذات، لكنها على خلاف ما عليه الأشاعرة، وما عليه من ظل في هذا الباب من الكلابية والمرجئة وغيرهم. فمن الخطأ أن يقال: أن أبو الحسن الأشعري لم يزل أشعريًا، فهو يثبت الاستواء، والأشاعرة ماذا؟ لا يثبتون الاستواء، وهو يثبت عددًا من الأسماء والصفات على طريقة أهل السنة، والأشاعرة ليسوا كذلك. بل يقصرون على الصفات السبع، على ما فيها من تحريف وتعطيل وغير ذلك مما هو معروف عن مذهب الأشاعرة. فهذا باختصار بما يتعلق بهذه المسألة، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.