القول السديد في مقاصد التوحيد  103

القول السديد في مقاصد التوحيد 103

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 103، الدرس الثالث بعد المائة:من( باب ما جاء في المصورين ... فاتخاذ الصور الحيوانية تشبهٌ بخلق الله وكذب على الخلقة الإلهية وتموية وتزوير فلذلك زجر الشارع عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم التصوير وأدلته

يناقش تحريم التصوير مستندا إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء، ويبين أن التصوير يعتبر سوء أدب مع الله وذريعة للشرك. يشدد على أن المصورين أشد الناس عذابا يوم القيامة.

ضوابط التصوير المحرم والمباح

يتناول تحريم التصوير بمعناه العام مع استثناءات مثل التصوير غير المجسم أو للأغراض التعليمية. يبين أن التصوير المحرم هو ما كان لذوات الأرواح ويضاهي خلق الله.

علل وآثار تحريم التصوير

يشرح الأحاديث النبوية التي تنهى عن التصوير وتدل على شدة عذاب المصورين، ويبين كيفية التعامل مع الصور الموجودة في الحياة اليومية.

ختام الحديث عن المسائل الاجتهادية

المسألة المطروحة هي من المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها الناس، وقد ختم الشارح الحديث بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب ما جاء في المصورين. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» أخرجاه. قال: ولهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله». قال: ولهما عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». قال: ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا، كل فأن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». قال: فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. الثاني: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله لقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». الثالث: التنبيه على قدرته وعجزهم لقوله: «فليخلقوا ذرة، أو حبة، أو شعيرة». الرابع: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامس: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. قال: السادس: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابع: الأمر بطمسها إذا وجدت. قوله رحمه الله: باب ما جاء في المصورين، أي: مما ينافي التوحيد، ويقدح فيه التصوير. وذلك أولا لأنه ذريعة إلى الشرك والكفر، فإن شرك المشركين كان من ذرائعه التصاوير. وقد صحت في هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها ما جاء في أثر ابن عباس في البخاري وغيره في قصة قوم نوح، فإنهم وقعوا في الشرك بغلوهم في تلك التصاوير للرجال الصالحين الذين صوروا تلك التصاوير. فعلوا ذلك في أول الأمر بأجل أن يجتهدوا في العبادة إذا ذكروهم، فجاء من بعدهم فغلوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله. وهكذا اليهود والنصارى، كان إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح، اتخذوا له تصاوير وبنوا على قبورهم، فكان ذلك من ذرائع شركهم ووقوعهم فيه. أي: في الشرك الغلو في تلك التصاوير، كما جاء معناه في الصحيح في قصة أو حديث أم حبيبة، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وما رأتاه في أرض الحبشة من تلك التصاوير. وإلى يومنا هذا، ولا يزال النصارى وأهل الكتاب يغلون في التصاوير حتى عبدوها من دون الله. والمعنى الثاني: أن فيه سوء أدب مع الله، أي: التصوير، تصوير ذوات الأرواح فيه سوء أدب مع الله. إذ أن الله جل وعلا هو وحده المتفرد بالخلق، فلذلك فإنه لا يجوز أن يصور تلك التصاوير تعظيما لله جل وعلا، وسدا لذريعة الشرك. وهكذا كذلك لأن الصور تفتن القلوب بأنواع من الفتن، فتفتنها من جهة عبادتها. فإن القلوب إذا تعلقت بتلك التصاوير، كما مر معنا، قد تكون الفتنة بالغلو فيها إذا كانت صورا لصالحين، وهذه فتنة الشبهات. وقد يكون كذلك فتنة أخرى، وهي فتنة الشهوات، كتعليق صور النساء والمردان ونحو ذلك، مما يكون فيه فتنة القلوب، فيفتتن الناس في دينهم وأعمالهم. فلأجل ذلك وغيره، جاء تحريم التصوير، وصار المصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة، ولو لم يقصد المصور الوقوع في الشرك، لأنه فتح للناس باب الشرك وذريعته، سواء الشرك الأكبر بما يكون من الوقوع فيه، كما وقع فيه قوم نوح والنصارى وطوائف من اليهود. أو كذلك ما يكون من الشرك الأصغر، من مزاحمة حب الشهوات لحب الله جل وعلا، فيفضي ذلك إلى فتنة القلوب، وكله بسبب التصاوير والمصورين. ولهذا أورد هذا الباب في كتاب التوحيد، ثم أورد فيه أحاديث تشير إلى هذا المعنى. أولها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». وفيه ما تقدم من أن من حكم الله بتحريم التصوير، أنه سوء أدب مع الله. وهل هذا يشمل كل صورة لكل ما خلق الله؟ قال بذلك بعض أهل العلم، والصواب الذي دلت عليه الأدلة: أنه منحصر في ذوات الأرواح. وقد صح عن ابن عباس وغيره: أنه أرشد بعض المصورين أن يصوروا ما لا روح فيه من الأشجار ونحوه. وأما ما فيه روح، فلا يجوز أن يصور. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمس الرأس، إنما صورة الرأس، فإذا قمس الرأس، فلا صورة. وهل هذا معناه أنه يجوز تصوير أبعاض ذي الروح دون الرأس؟ قال بعض أهل العلم بهذا، والصواب: أنه لا يفعل إلا للحاجة، ولغير الحاجة فلا. مثلا للتعليم، يجوز أن يصور أبعاض ما له روح دون الرأس، كاليد لوحدها أو البطن لوحده أو الرجل كذلك ونحو ذلك. وما ورد في بعض الأحاديث التي فيها جواز التصوير أو الترخيص به في حق الأطفال، كحديث عائشة وما كان بمعناه، هل هو على إطلاقه أم فيه تفصيل؟ الصحيح: أن فيه تفصيلا، فليس معناه جواز ذلك على إطلاقه. بل كما قال العلماء: إنما أذن لعائشة أولا لأنه ليس تصويرا حقيقيا كتصوير المصورين، بل هي صنعتها بيدها، وكان من عيدان، يعني عيدان تجعلها على هيئة بنت، فليس فيه شكل ومعنى المضاهاة. وإذا كان كذلك، فإن هذا المعنى هو المستثنى، أما ما توسع فيه بعض الناس اليوم بهذا الحديث، فجعلوا هذه الدمى التي فيها مضاهاة واضحة وظاهرة لخلق الله، فلا شك أن هذه أشد حرمة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم التصوير بمعناه، سواء أكان مما على هيئة التماثيل أو ما كان على هيئة المنقوش المرسوم على الجدار أو كذلك على الثوب. وإن كان على هيئة لا يكون فيها معنى المضاهاة، فهذا مما يؤذن به للأولاد وللأطفال، بل على الصحيح: أنه لا يخص عين هذه المسألة، بل كل ما كان بمعناه مما تدعو إليه الحاجة وتكون به المصلحة، وهو على هذا الوصف، فإنه يتسامح فيه. يعني ليس فيه معنى التصوير الحقيقي، مثل أصحاب الزراعة لو جعلوا عودين معترضين لأجل أن يمنعوا الطير من الأكل من الزرع. فهل هذا جائز؟ الجواب: نعم جائز، ما دام جائز للصبي، فكيف لا يجوز لهؤلاء؟ يجوز لهؤلاء وليس هذا من التصوير المحرم، لأن ما صنعته عائشة رضي الله عنها هو بهذا المعنى. ومثله إذا احتيج إليه كذلك للتعليم، كالرماة مثلا إذا احتاج أن يرمي الهدف، يصيب الرأس، يصيب الصدر، يصيب الرجل، يصيب اليد، ولكن ليس شخصا مشخصا مجسما يكون فيه معنى المضاهاة لخلق الله. إنما هي عيدان تلبس عليها ثوب، فما كان كذلك ليس من التصوير المحرم. ونحو هذا صنعت عائشة رضي الله عنها، ومثله اليوم الكثير من البنات ربما تصنع لنفسها عروسة، خصوصا إذا كانت من ذوي ذات قلة، لا تصنع لنفسها تأخذ اثنين عيدان وتربطها وتلبسها وتفصل لها ثوب صغير. وربما تربط على رأس العود شيء من الشعر أو الليف، فتكون دمى تلعب بها، فمثل هذا جائز. وهذا هو معنى ما ورد في حديث عائشة، وما كان بمعناه مما يحتاج إليه للتعليم، فهو جائز. وأما المضاهاة التي يصنعها الناس اليوم، فهذا الأحوط على أقل الأحوال سده، حتى لا تتعلق القلوب بالتصاوير، وحتى لا تفتتن كذلك بالتصاوير. ولا شك أن دواعي الفتنة في مثل هذا كثيرة. ثم قوله: «فليخلق ذرة أو ليخلق حبة أو ليخلق شعابة»، ما معنى؟ إذا كان كما تقدم، الصحيح: أنه لا يحرم تصوير ذلك، معناه هو التحدي بالأدنى فالأعلى، من باب: «أو لا إذا كانوا لا يستطيعوا خلق ذرة ولا حبة ولا شعيرة، وهو أيسر من أيسر خلق الله، فكيف بالمخلوق الذي هو رأس وجسد وغير ذلك؟» فليس المقصود هو تحريم تصوير الذرة والحبة والشعيرة، كما ظنه بعض الناس. وهكذا كذلك أورد حديث عائشة رضي الله عنها، والشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أشد الناس عذابا يوم القيامة: الذين يضاهئون بخلق الله، أي: المصورين. فالمصورون من أشد الناس عذابا يوم القيامة. وقد صحت به أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه التعليل لهذا العذاب الشديد: أنهم يضاهئون بخلق الله. وقد تقدم معنى من معاني التحريم في التصوير. ثم قال: وله معنى ابن عباس: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». والمراد كما تقدم: ذوات الأرواح، لما في ذلك من ذرائع الشرك الأكبر والأصغر، ودواع الفتنة والشر، فإنه يعذب بكل صورة. وفيه كذلك الوعظ بهذا الوصف الذي يكون فيه التذكير بالعدد، لأن المصور ربما لا يبالي كم صور صورة، فإذا ذكر بمثل هذا، علم أنه ما من صورة يصورها إلا وعذب عليها يوم القيامة. وفيه شدة الإثم في هذا الباب. وهكذا كذلك قوله: ولهما مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا، كل فأن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». ومعنى كذلك: تأكيد لما سبق من تحريم التصوير، وأنه فيه معنى المضاهاة. وقوله: ولمسلم عن أبي الهياج: الحديث، والمراد: «لا تدع صورة إلا طمستها»، المراد به: صورة التمثال، كالأوثان والأصنام، فإنها تطمس. ولا يجوز في الإسلام بقاء التصاوير من تماثيل، وكذلك مرسومات، سواء رسما أو رقما على ثوب أو على جدار أو على غيره من صور ذوات الأرواح، فكل ذلك لا يجوز. وأما قول من قال: أن الصور المحرمة مخصوصة بما له ظل، وأما ما ليس له ظل فليس بمحرم، فهذا كذب. فإن أدلة النهي عن ذلك على إطلاقها كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: «لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، فيه ما تقدم من أن التصاوير من أسباب تحريمها: أنها ذريعة للشرك، وأن تعبد من دون الله. وقد كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت التصاوير رمزا للمعبودات التي تعبد من دون الله جل وعلا. ولا يزال إلى يومنا هذا كذلك، فتجد المشركين ممن يقعون في الشرك، حتى بعض من ينتسب للإسلام، وقد وقعوا في بعض الوثنيات، عندهم معنى ذلك، فتجدهم قد جعلوا صورا لبعض من يعبد من دون الله، إما صور توضع منقوشة، فتكون منحوتة نحتا كالأوثان والأصنام. أو صور تكون رسما على جدار أو ورق أو على ثوب أو حتى ما يحتفظ به بعض أولئك الغلاة في محافظهم، وربما تجد بعضهم ما يمشي لحظات إلا ويفتح محفظته وينظر إلى صورة من يعظمه، وغلوا التعظيم حتى وقع في العبادة له من دون الله ومع الله. وهكذا قوله: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، فيه كذلك: أن من فتنة الشرك الغلو في القبور أهلها، وأن من ذرائع الشرك رفع القبور. ولهذا أمر ديننا بتسوية القبور، وطمس الصور، حتى تقطع ذرائع الشرك، ولا يبقى لها في الناس سبب. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة، كما جاء بحديث عائشة في الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، سدا لذرائع الشرك. ومن ذلك: بناء القبور ورفعها وتجصيصها أو الكتابة عليها أو غير ذلك، مما يفعله هؤلاء الذين فتنوا بالقبور قديما وحديثا. والصور مثل القبور كذلك، سدا لذريعة الشرك، وحماية لحمى التوحيد، حرم الإسلام بقاءها. فلا يجوز أن تبقى، حتى ما يسمى بالصور التذكارية، إذا كانت من ذوات الأرواح، فإنها لا تجوز. وإذا كانت من الأصنام والأوثان، فهي أشد، فهي أشد لا تجوز، حماية لحمى التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وطاعة لرب العالمين، وتعظيما له سبحانه وتعالى في أمره بامتثاله ونهيه باجتنابه. وقوله: فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين، يعني لما ورد من أحاديث في هذا الباب، وهي كثيرة. وقد أورد بعضها في هذا الباب، وذكر الكثير من الشراح عددا من الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقوله: الثاني: التنبيه على العلة، يعني في تحريم التصوير. وقد علمنا أنه ذكر بعض العلل في هذه الأحاديث، ومنها: أنها فيه سوء أدب مع الله، وغير ذلك من العلل التي ذكرت وسبقت، ومنها: أنها ذريعة للشرك الأكبر والأصغر. قوله: الثالث: التنبيه على قدرته وعجزهم، يعني في كونه جل وعلا يتحداهم سبحانه وتعالى أن يخلقوا ذرة أو حبة وشعيرة، وليسوا بفاعلين، فكذلك فيما خلقوا وزعموا أنهم يصنعونه ويخلقونه، أي: من تصاويرهم التي فيها مضاهاة لخلق الله جل وعلا. التي فيها سوء أدب مع الله، وعدم تعظيم لنهيه وحدوده. وقوله: الرابع: التصريح بأنه أشد الناس عذابا، يعني ما جاء في حديث عائشة وغيره من الأحاديث التي بمعناه. وقوله: الخامس: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا، كما جاء فيما تقدم في حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره مما هو بمعناه. وقوله: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح، يعني كما جاء في الأحاديث السابقة، وليس بفاعل، فيعذب عليه ويزداد عليه العذاب. وقوله: الأمر بطمسها إذا وجدت، يعني كما جاء في حديث علي، وكما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك من صفات المشركين، أي: التصوير، وأن من صفات أهل التوحيد محاربة التصاوير، فهو علم لأهل التوحيد، أي: كراهية الصور والتصاوير والمصورين. قال الشارح رحمه الله تعالى: باب ما جاء في المصورين. قال: وهذا من فروع الباب السابق: أنه لا يحل أن يجعل لله ندا في النيات والأقوال والأفعال، والند هو المشابه، ولو بوجه بعيد. فاتخاذ الصور الحيوانية تشبه بخلق الله، وكذب على الخلقة الإلهية وتمويه وتزوير. وذلك لأن صانع ذلك وراسمه هو في الحقيقة يحاول المضاهاة قدر المستطاع، يعني يحاول المحاكاة للخلقة الإلهية على طبيعتها. ولهذا فالمصورون يتفننون في هذه المحاكاة والوصول إلى معنى التشبيه. ولهذا كان هذا سوء أدب مع الله. وهذا معنى من معاني تحريمه، مع ما سبق من كونه ذريعة للشرك الأكبر والشرك الأصغر، لعدد من الشبهات والشهوات. فأكثر الشر الذي يقع في الخلق، يكون كثير منه بسبب فتنة التصوير، فتنة الشهوات، وهكذا كذلك فتن من فتن الشبهات. قال رحمه الله: فلذلك زجر الشارع عنه، يعني لهذه الحكمة ولغيرها من الحكم الأخرى، والله أعلم. طيب، هذا سائل يقول: ما معنى طمستها؟ هل لابد من التمزيق إذا كانت الصورة على الورقة؟ أو يكفي سترها بمعلم نحوه؟ إذا كانت صورة مما لها ظل كالأصنام والأوثان، فتكسر. وإن كانت على الورق، فالمراد بذلك إضاعة معالم هذه الصورة، فإن كان مما يمحى كالمرسوم بالألوان التي يمكن محوها من الجدران أو الورق، فيمحى. وإن كان لا يمحى، فبطمسه بحبر آخر، مثل إحبارنا اليوم على أوراقنا، فيكفي أن تطمس الرأس إن كانت الصور كثيرة، أو تطمس الصورة كلها، أو تقطع الورقة. يقول: هل يجوز لرجل أن يشتري لعبة فيها شيء من التصاوير للأطفال؟ إن كان يوجد ما يغني عنها بغيرها، فهذا الأفضل. وإن كان لا، خذها واطمس الصور، خذها واطمس هذه الصور، وبهذا تنتفع بما تحتاج أن تنتفع به، وتجتنب هذا المحذور. يقول: الصورة ذوات الأرواح التي تقع في العملة، هل نطمسها؟ وكذلك الصور التي في بضائع الدكان؟ أما التي في العملة، إذا طمستها خربتها وأفسدتها، فلا يجوز هذا، لأنه من الإسراف والتبدير وإضاعة المال، وقد نهينا عن ذلك. ولو طمستها ومشيتها إلى غيرك، أضررت غيرك وغشيته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». وقد قال: «لا ضرر ولا ضرار». لكن ليس عليك إثم في ذلك، الإثم على من صنعها وفعل ذلك. ثم ننتبه أن بعض المواضع قد يبتل الإنسان في هذا المجتمع بالتصوير، فالضرورات تبيح المحظورات. وكذلك في بعض المواضع يرخص فيه ما لا يرخص في غيره، فمثلا يبتل الناس في التصوير للإثباتات الشخصية، هذا مما عمت به البلوى، فلا بأس بهذا. وإن كان هناك إثم، فعلى من فرضه، وأنت إن شاء الله ليس عليك شيء. على أن بعضهم قد يقول: إنما حورض ذلك لعذر دفعا لضرر ذوي الضرر. المهم سواء هذا أو غيره، لست أنت الذي فرض هذا. وأما ما في البضائع والسلع، فالمشقة تجلب التيسير، وكذلك «لا ضرر ولا ضرار»، تحاول أن تجتنب السلع التي فيها صور، خصوصا ما فيه زيادة فتنة، كصور النساء العاريات المتبرجات وغير ذلك. وأما ما قد عمت به البلوة، فإن كنت صاحب محل، فتحول صور هذه السلع بحيث لا تتكون الصور في واجهة الناس. وأما إذا بعتها، فيبقى على من اشتراها أن يطمسها أو يرميها بعد الانتفاع بها، فيكون حكمها كحكم الممتهن من الصور. ويسعى عن الفيديو وأفلام الكارتون للأولاد، الصحيح: أن هذا كذلك لا يجوز، أفلام الكارتون ونحوه، أولا لتضمنه لمعاني فاسدة كثيرة، ثم لأجل التصوير، ثم لما يشغل عما هو أنفع منه. وأما قول بعض الناس: فإن بعض المشايخ اجتهدوا في هذا الباب، خصوصا في هذا العصر وفي هذه الأيام، يقولون: أن التصوير في هذا الزمان ليس فيه حبس للصور نفسها، إنما هي عبارة عن رموز وشفرات تجتمع فيكون منها الصور. وإذا بحثت عن الصورة، ما وجدت للصورة أثرا. وهذا الكلام وإن كان قد يكون له وجه من جهة، لكن العبرة بالحقائق، الحقائق التي ترى أمام الناس هي الصور، ويقع فيها من الفتنة ومن الأمور الأخرى ما يقع. إلا إن كان هناك ما يحتاج إليه مما قد يكون فيه ضرورة أو دفع ضرورة، فهنا أجاز العلماء ذلك، خصوصا إذا كان أو أجاز بعض العلم ذلك إذا كان في ذلك كما قلنا دفع ضرورة ونحوه، ويكون خصوصا إذا كان مباشرا، ليس فيه حبس للصور. والمسألة من المسائل الاجتهادية، أي: في هذا الباب، الناس فيه بين الأجر والأجرين. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، جزاكم الله خيرا.