كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  5

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 5

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 5، الدرس الخامس:من( فأما فرض الكفاية فهو كل علم لا يتسغنى في قوام أمور الدنيا ... فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تقسيم العلوم وأهميتها

يناقش تقسيم العلوم إلى فروض كفاية ومباح ومحمود، ويشرح أهمية العلوم الشرعية والمساعدة في فهم الأحكام الشرعية. يوضح أن العلوم تنقسم إلى ضرورية وشرعية، وأن بعضها قد يكون واجباً أو مستحباً.

فهم الأحكام الشرعية والعلوم المساعدة

يشرح كيفية استخدام القياس والإجماع في فهم الأحكام الشرعية، ويبين أهمية العلوم المساعدة مثل اللغة العربية وعلم القراءات. يقدم أمثلة على تطبيق القياس في فهم الأحكام الشرعية.

ترتيب الوقت لطلب العلم وحكم السفر إلى بلاد الكفر

ينصح بترتيب الوقت لطلب العلم والقيام بالواجبات، ويحذر من السفر إلى بلاد الكفر للعمل إذا كان يخشى الوقوع في الحرام. يجب على المسلم أن يبدأ بالأولى فالأولى من العلوم ويحافظ على حقوق النفس والأهل.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فأما فرض الكفاية، فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب، فإنه ضروري في قسمة المواريث والوصايا وغيرها. فهذه العلوم لو خلا البلد عن من يقوم بها، حَرِجَ أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الباقين. ولا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفاية، فإن وصول الصناعات أيضا من فروض الكفاية، كالفلاحة والحياكة، بل الحجامة، فإنه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليهم، يعني بعدم وجود من يعالج الداء الذي لا يكون له علاج إلا الحجامة. قال: فإن الذي أنزل الدواء، رشد إلى استعماله، يعني في الأحاديث الكثيرة في السنة، وعند أهل الخبرة أن بعض الأمراض لا ينفعها إلا الحجامة. قال: وأما التعمق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك، فهذا يعد فضلة، لأنه يستغنى عنه. وهذا الفضلة قد يكون مستحبا، وقد يكون مباحا. فإن كان هذا الفضلة مما يعين على فرض الكفاية، مما يكون فيه علاج الأبدان، فهو من المستحب، وإن كان لا ليس كذلك، فهو من المباحات. قال: وقد يكون بعض العلوم مباحا، كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها. ومعنى لا سخف فيها، أي: ليس فيها التافه، فضلا عن الحرام. ليس فيها التافه الذي ليس له معنى ولا فائدة، فضلا عن الحرام. فالحرام والتافه لا ينبغي أن ينشغل به، لأنه من إضاعة الأوقات، وقد نهينا عن القيل والقال، وكثرت السؤال، وإضاعة المال. قال: وتواريخ الأخبار، يعني من المباح، الاطلاع على تواريخ الأخبار. وقد يكون بعضها مستحبا أو واجبا. قد يكون بعضها مستحبا أو واجبا. فمن المستحب ما يتوصل به إلى مستحب، كبعض ما يتعلق بتاريخ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ونحوه. ومنه ما هو واجب، كالذي تثبت به بعض الأحكام الشرعية من أمور التاريخ والأخبار. قال: وقد يكون بعضها مذموما، كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات. فكل ما فيه ضرر في دين أو دنيا، فهو من القسم المحرم المذموم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». وأدلت هذا الأصل كثيرة من الكتاب ومن السنة. قال: فأما العلوم الشرعية، فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول وفروع ومقدمات ومتممات. فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة. والفروع: ما فهم من هذه الأصول من معاني تنبهت لها العقول، حتى فهم من اللفظ الملفوض وغيره، كما فهم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، أنه لا يقضي جائعا. يعني يشير رحمه الله إلى أن هذا العلم الشرعي، الذي كله محمود، منه ما هو أصل، يعني ينبغي الاعتناء به جملة وتفصيلا، وهو مما ترجع إليه سائر العلوم، ومنه ما هو فرع من هذه الأصول، أي متفرع منها. ثم أشار إلى هذا المتفرع، أنه المفهوم، أو ما يسمى بعموم النص، أو ما يسمى بالقياس الصحيح، فهو مما يتفرع من النص، لأن أصله نص من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة، أو آثار عن الصحابة صحيحة، صحيحة محتج بها. لأن آثار الصحابة منها ما هو حجة يحتج به، كالذي لا مجال للرأي فيه، مثل ما كان في باب الاعتقاد، وما أجمع عليه، ولم يختلف فيه. وهكذا كذلك ما يقوله الصحابة الواحد، وليس له مخالف، ولا يخالف نصا، ولا يخالفه صحابي آخر، وليس في المسائل الاجتهادية. فإذا كان كذلك، فقوله كذلك حجة. فيتفرع عن هذه الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، ما يستنبط منها. مثلا ضرب لنا مثالا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». هذا الحديث حديث أبي بكرة في الصحيحين، كما هو معلق عندكم، فيه أن القاضي لا يجوز له أن يقضي وهو غضبان. لماذا؟ لابد أن هناك علة. العلة أنه مظنة عدم الإصابة في الحكم، عدم الإصابة في الحكم، لأن الغضبان قد يستعجل البت في القضية، يريد تخلص، هو الآن متضايق، يريد تخلص من القضية، فتخلصه قد يكون فيه ظلم على أحد الأطراف. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان. هل هذا مخصوص بهذا اللفظ والمعنى، أم يلحق به ما كان بمعنى؟ الصحيح أنه يلحق به ما كان بمعنى. يلحق به ما كان بمعنى. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. الطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، والنافع يلحق بالنافع، والضار يلحق بالضار. وهكذا كذلك في تفاصيل أدق، كل شيء يلحق بما هو مثله، والشبيه. فإذا كان القاضي لا يقضي وهو غضبان، لأن ذلك يشغله عن الصواب في الحكم، قاس العلماء عليه: لو إذا كان القاضي جائعا شديد الجوع، إذن كذلك. معنى النص الشرعي يقضي أنه لا يقضي وهو جائع. إن قال لك قائل: أين الدليل على هذا الحكم؟ الجواب: الجواب كما قال: ما أخذ من فهم اللفظ والملفوظ. إذن هو فهم أخذ من هذا النص، وهو ما يسمى عند الأصوليين بالأخذ بالمفهوم. وهذا المفهوم على ثلاثة أقسام: مفهوم موافقة، وهو ما وافق اللفظ المعنى. فمفهوم الموافقة هنا: لا يقضي القاضي وهو غضبان، أن الغضب مما ينبغي أن يجتنب في أثناء القضاء. ومفهوم مخالفة، مفهومه هو ضد هذا الذي ذكر في اللفظ. إذا كان لا يقضي وهو غضبان، إذن يقضي وهو مطمئن. ما هو الضد؟ هل الضد أن يقضي وهو فرحان؟ لا، ليس المقصود الفرح، لكن يريد حصول الطمأنينة، الذي بها يصل القاضي إلى التروي في القضية، وإصابة الحكم فيها. فإذن هذا مفهوم المخالفة. فيستفاد من هذا آلاف المسائل التي تلحق بالنصوص. كل نص تلحق به مسائل كثيرة، لأن المقصود ليس عين النص، إنما ما كان مثله. مثلا من القرآن: نهى ربنا جل وعلا عن أكل مال اليتيم. هل المقصود هو أكله هكذا يدخل إلى الفم؟ أم المقصود هو عدم التصرف به بأي تصرف باطل؟ الجواب: الثاني. والأكل خرج مخرج الغالب. فإن كان مال اليتيم ملبوسا، إذن لا يجوز أن يلبس مال اليتيم بغير حق. وإن كان مال اليتيم مسكونا بيتا، لا يجوز أن يسكن بغير حق، تجعله للضيوف، وتجعله للجيران، أو تؤجره بمال، وتأخذ المال، أو غير ذلك، لأن هذا من العبث بمال اليتيم، ولا يجوز. وإذا كان مال اليتيم مقروءا كتبا أو أقلاما أو أي شيء، لا يجوز العبث بمال اليتيم إلا بحق، إلا بحق، كما دل الدليل الشرعي عليه. فإذن أنت الآن الحقت بالنص أشياء أخرى. من أين أخذت هذه الأشياء؟ أخذتها من المعنى. وهذا المعنى أحيانا يكون مفهوما، وأحيانا يكون قياسا. وهذا القياس منه ما هو قياس صحيح، ومنه ما هو قياس ليس بصحيح. وهذا تفاصيله في كتب أصول الفقه، لكن لا بأس أن يوضح شيء يسير، يتضح به هذا المثال. مثلا أن تتقيس على الغضب الجوع، هذا نوع من القياس. وهذا القياس يسمى قياس مساوي. إذا كانت العلة واحدة، والمقيس عليه والمقيس به مثله، فهو يسمى قياس مساوي. أن تتقيس مثلا اللبس مثل الأكل، هذا مساوي. فإذا ذكرت الإحراق: نهى ربنا جل وعلا عن أكل مال اليتيم، فما حكم إحراقه؟ تأخذ مال اليتيم وتشعل فيه النار وتحرقه، هذا محرم أو ليس بمحرم؟ هذا محرم، بل هو أشد من أكله. أشد من أكله. هذا أي نوع من القياس؟ هذا يسمى قياس أولوي. الأول اللبس مساوي، والإحراق أولوي، يعني من باب أولى أن يكون محرما. نهى ربنا جل وعلا أن تقول لوالديك «أف». فإذا قلت «أح» على وجه التبجر، هو مثل «أف» محرم. «أف» حرام، و«أح» حرام. فإذا قلت كلمة أكثر من «أف»، كأن تسب مثلا، فهذا يسمى قياس أولوي، من باب أولى أنه محرم. إذا كان «أف» محرما، فالسب أشد حرمة. والضرب، الضرب أشد وأشد حرمة. من أين أخذت هذا؟ من النص. هل النص دل عليه بالمنطوق؟ الجواب: لا، ليس بالمنطوق، لكن قل بالمفهوم، قل بالقياس الأولوي أو القياس المساوي. وقد يكون القياس أدنى من ذلك. فإن كان القياس أدنى من ذلك، يعني لا يساوي الشيء الذي ورد فيه النص، فهو يسمى قياس أدنوي. وهذا القياس الأدنوي منه ما هو صحيح، لأن النصوص الأخرى دلت عليه، ومنه ما هو ليس بالصحيح، لأن النصوص لم تدل عليه. مثال الصحيح: لو أن رجلا قال لأحد والديه على وجه التضجر: «أ»، ما يريد يطيع. في هذا الحكم نطق بحرف واحد، هل هو محرم أو ليس بمحرم؟ الجواب: محرم كذلك، ولو كان أدنى من «أف». لماذا؟ لأن عندنا نصوصا أخرى تدل على عدم جواز عدم البر بالوالدين، ووجوب الإحسان والبر بالوالدين. فـ«الأف» خرج مخرج الغالب، وما دون «الأف» عندنا نصوص أخرى تدل عليه أنه لا يجوز كذلك. وقد يكون القياس الأدنوي ليس بصحيح. مثال هذا قياس أدنوي ليس بصحيح: مثلا نص الشرع على أن بعض الأصناف هي من الأصناف الربوية التي يشترط بها التقابض، كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح. ستة أصناف ربوية. فإذا ألحق الإنسان بها غيرها، ألحق بها غيرها بجامع علة ظن أنها هي العلة التي لأجلها كان النهي. مثلا ألحق بهذه الأصناف التفاح. لماذا ألحقت التفاح؟ قال: لأن البر يكال، والتفاح يكال، فأنا ألحق. أو البر يوزن، والتفاح يوزن، فأنا ألحق التفاح بالبر لأنه يوزن مثله. فهل هذا القياس مثل أو دون؟ الجواب: دون. ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن حكم التفاح ليس كحكم البر في كونه من الأصناف الربوية. وهل يوجد شيء مثل؟ الجواب: نعم. قد يوجد شيء مثل: إذا كانت العلة واحدة، مثل إلحاق العملة الورقية بالذهب والفضة. ما هو جامع العلة؟ جامع العلة: الثمنية والنقدية. الثمنية والنقدية. كان الذهب والفضة ثمنا يتعامل به الناس، ونقدا يتناقدون به. فإذا صار الناس في زمان آخر يتناقدون بهذه العملات الورقية، صارت العملة الورقية تلحق بها، وفيها معنى الربا. هذا قياس مساوي. لكن إلحاق التفاح بالبر قياس أدنوي. فالشاهد من هذا أن هذا من العلم المحمود، لأنك تصل به إلى معرفة الأحكام الشرعية، ما ورد فيه النص، وما لم يرد فيه النص. ومثال الإجماع كذلك: الإجماع له فروع، كما أن ما سبق له فروع. فمثلا أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على تحريم الخمر المسمى بخمر. وأجمعوا على أن كل مسكر فهو حرام، وهو خمر. أجمعوا على ذلك. فأنت تستفيد من هذا الإجماع في معرفة فروع كثيرة لم يأت النص بذكر حكمها. جاءت في عصورنا هذه مسميات كثيرة للمسكرات: هذا وسكي، وهذا بيرة، وهذا ما أدري، أسماء كثيرة لا تعد ولا تحصى من المسكرات. هل هذا يلحق حكمه بحكم ما أجمع عليه الصحابة؟ الجواب: نعم. الجواب: نعم. لأن معناه واحد، مفهوم واحد، القياس فيه صحيح. فإذن حكمه كحكمه. ما ذكره أبو حذيفة: يكفي المعنى إن شاء الله، لو لم يكن اللفظ. قال رحمه الله: والمقدمات هي التي تجري مجرى الآلات. كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. الذي يريد أن يقرأ القرآن، ويقرأ سنة النبي عليه الصلاة والسلام، سيقرأه بأي لغة؟ باللغة التي أنزل بها، وتكلم بها نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي اللغة العربية. إذن لابد من مقدمة، وهي دراسة اللغة العربية، التي بها تفهم هذا القرآن، وتفهم السنة. فإذن معرفة الوسيلة التي بها يفهم الكتاب والسنة، يسمى مقدمات، أو علوم آلات. وهل هذا خاص بعلم العربية؟ الجواب: لا. إذا كان علم العربية يفك لك الألفاظ والمعاني، فكذلك ما يفك لك فهم هذه النصوص، هو من علم الآلة، ومن المقدمات. كما أشار إلى ذلك بقوله: كعلم النحو واللغة. ويلحق بعلم النحو واللغة فروع العلوم الأخرى التي يستفاد منها فهم الكتاب والسنة. ثم قال: والمتممات كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث، وعدالاتهم، وأحوالهم. وهذا الذي سماه متممات، بعضه من المقدمات. بعضه من المقدمات. فالعلم بأحوال الرجال هو سبب لمعرفة الحديث الصحيح من الحديث الضعيف. فأنت ستأخذ بالضعيف أم بالصحيح؟ ستأخذ بالصحيح، وتترك الضعيف. فإذن لابد أن تأخذ بهذا العلم لتصل إلى الحديث الصحيح، لمعرفة الحديث الصحيح. فهو إذا مقدمة تصل به إلى معرفة هذا الحكم. وأما ما ذكر من معرفة مخارج الحروف، كذلك ينقسم مخارج الحروف إلى قسمين: منه ما هو واجب، إذ أن بعض ذلك التغيير يغير المعنى. ومنه ما هو من المتممات، فليس كل المتممات هو فضلة ومستحب، لا، بعضه واجب، وبعضه ليس بواجب. كذلك علم القراءات، علم القراءات منه ما يتعلق به أحكام. فمثلا كونك تعرف أنه في قراءة جاء: «ننشرها»، وفي قراءة جاء: «ننشزها»، وفي قراءة جاء: «أمنتم»، وفي قراءة جاء: «آمنتم». هذا لا يغير الحكم كثيرا، وإن كان يتغير المعنى يسيرا، لكن الحكم لا يتغير. بخلاف ما إذا كان هناك تغيير يحتاج إلى زيادة معرفته، فهنا يحتاج منك إلى اطلاع ومعرفة لهذه الأحكام. وهذا لا يكون من المتممات الذي هو فضله. مثلا على سبيل المثال من علم القراءات: معرفة المنسوخ من القراءات، المنسوخ من القراءات، مما نسخ لفظه، وبقي حكمه. وكان من ذلك قرآن يقرأ، كقول الله عز وجل: ﴿وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ﴾، هذا من علم القراءات، لكن معرفته مما يجب. لماذا؟ لأنه يثبت به حكم شرعي، وهو حكم الرجم. وقد قال عمر رضي الله عنه في خطبته: «لعل أقواما يأتون فيقولون: لم نجد في كتاب الله الرجم». ثم ذكر الآية. وأنهم قرأوها، وعملوا بها. رجم رسول الله، ورجم الصحابة معه. ما الأثر الذي روي عن عمر رضي الله عنه؟ وقوله رحمه الله: «كعلم...» يعني ليس هذا كل المتممات. فالمتممات أشياء كثيرة. وهذا على سبيل المثال فقط، وإلا فيلحق بها علوم أخرى كثيرة تلحق في هذا الباب. قال رحمه الله: فهذه العلوم الشرعية، وكلها محمودة، محمودة، لأنه يتوصل بها إلى الرسوخ في معرفة الأحكام الشرعية. وانتبه لكلمة «الرسوخ». فليس المقصود معرفة الأحكام الشرعية، ولكن المقصود الرسوخ في معرفة الأحكام الشرعية، الذي أثنى الله عز وجل على أهله به. وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم. فمن أسباب الرسوخ في العلم: معرفة الأحكام الشرعية، والعلوم الشرعية، والإحاطة بها بقدر المستطاع: الأصول، والفروع، والمقدمات، والمتممات. ومتى ما كان الرجل قويا في هذه المباحث الأربعة، كان أكثر رسوخا. ومتى ما كان ضعيفا، كان أقل رسوخا. بل ربما ظهر في علمه الشك والتردد والاضطراب، وغير ذلك مما يكون أكبر من هذا، كالخطأ والزلل والضلال. وهذا بحسب قوة الرسوخ وقلته. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. طيب، هذا سؤال من بعض إخواننا في بلجيكا، يقول: جاءنا قول عن الشيخ رسلان، يقول: «طالب علم، طالب العلم لا يترك العلم لشيء قط من الدنيا أبدا، لا لزوجة ولا للأولاد». انتهى كلامه. ونحن لا ندري كيف نرتب الوقت حتى نطلب شيئا من العلم، ونعطي فترة من الوقت للعيال. ولا نشك أننا نريد أن نتحصل على العلم الواجب للنجاة من النار. ونعلم أننا مسؤولون عن أهلينا. وسمعنا من أخ قال: إن السلف ما كانوا يبقون كثيرا مع عيالهم، وما كانوا يعتنون بهم كثيرا. ولكن قرأنا كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيما جدا بأحفاده، ومعينا لأزواجه. فنرجو منكم نصيحة في كيفية ترتيب أوقاتنا، علما أن دوامنا لا يقل عن ثمان ساعات يوميا، جزاكم الله خيرا. طيب، الجواب عن هذا السؤال: ينبغي أن نحسن الظن بالعلماء والدعاة وطلبة العلم، إذا كان في كلامهم ما ظاهره مخالفا للنصوص الشرعية. وهذا هو الواجب. فمن كان أصله السلامة، ينبغي أن يحمل كلامه على السلامة. فالنصوص الشرعية دلت أن العلم الشرعي، الذي كما مر معنا في درس اليوم، وما قبله، منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو ربما يكون دون ذلك، كما مر معنا مما يلحق بالمقدمات. فهذا العلم الشرعي الذي أمرنا بطلبه وتحصيله، وجاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في فضله، لا يكون على حساب إضاعة الواجب. لأن من العلم: العمل بالعلم. ومن العمل بالعلم: المحافظة على حقوق النفس، وحقوق ذوي الحقوق. فالعلم الشرعي جاء لأجل أن تقيم حق الله بعبادته، وحق خلق الله بما أمر الله عز وجل من العدل في ذلك: حقك أنت، وحق زوجتك، وحق أولادك، وحق والديك، وحق جميع من حولك من الناس، حتى الكافر له حقوق. بالعلم الشرعي تؤدي له حقوقه. فإذا كان كذلك، فإذن ليس معنى كلام الشيخ الذي أشير إليه: أنك لا تهتم بزوجة، ولا تهتم بولد، وأنك تعرض عن الدنيا، بمعنى أنك تطلب العلم فقط، لا تطلب العلم، وهكذا تقوم بهذه الحقوق. فمثلا من القيام بالحقوق: أنك تعمل وتكتسب. واليد العليا خير من اليد السفلى. أنت تريد زوجة وأولادا، ولا تنفق عليهم، هذا منافي للعلم. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت». وفي رواية: «من يعول». أحدها صحيحة، والآخر ضعيفة السند، ومعناها صحيحة. فلا يجوز للمسلم أن يضيع من يعول، بل يجب عليه أن يقوم بالواجب عليه تجاه أبنائه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ودرهم تضعها في أبنائك هو لك صدقة». حتى ما تضع في في امرأتك، أي: من لقمة، هو لك صدقة. وهذه الصدقة ليست مستحبة، بل قد تصل إلى الواجب، إذا كان المقصود أصل اللقمة، ليس كيفية تأدية اللقمة. أصل اللقمة لا كيفية تأدية اللقمة. فالشاهد من ذلك: طلب العلم المأمور به، ليس على حساب إضاعة الواجبات والحقوق. فإن كان فيه إضاعة للواجبات أو الحقوق، فينبغي أن تقتصر في العلم بما لا يضيع الواجبات والحقوق. فمثلا العلم منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. احرص على الواجب أولا. والواجب من القيام بالحقوق: نفسك، وحقوق والديك، وحقوق زوجتك وأبنائك: الحقوق الحسية من النفقة عليهم، والاعتناء بهم، وإعطاءهم ما يحتاجون. والحقوق المعنوية من تعليمهم وتأديبهم وتربيتهم. فأنت مسؤول. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راع في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤول عن رعيتها». بل حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من إضاعة الأمانة. ففي صحيح مسلم، من حديث معقل بن يسار، يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا لم يدخل الجنة، أو قال: لم يجد رائحة الجنة». فإذا كان كذلك، فإذن ليس معنا طلب العلم: أننا نترك العمل الذي به نكتسب لأنفسنا، ونكتسب لمن أوجب الله عز وجل علينا النفقة عليه. لكن احرص لهذا العمل أن يكون حلالا، وأن يكون هذا العمل ليس على حساب طاعة الله، ليس على حساب فريضة من الفرائض، ولا واجب من الواجبات، ولا وقوع في محرم من المحرمات. السؤال الثاني: يقول طيب، أما ترتيب الوقت، فأختصر. والتعرفون المقام لا يتسع للتوسع في هذا. لكن أختصر، وأقول: ينبغي أن تعتني، أو هؤلاء السائلون أن يعتنوا بأخذ الأولى فالأولى من العلوم، بمعرفة مثلا العقيدة، وأخذ متون منها. ثم كذلك متون في الفقه، يسمعون أشرطة أو يقرؤون كتبا مترجمة، ما حق طلب العلم عندهم في تلك البلاد. وهكذا يستمرون. ولو إذا لم يكن يوميا، لو كان في بعض أيام الأسبوع. أهم شيء يستمرون. يستمرون في مجلس العلم، وبإذن الله تعالى سيجدون آثار ذلك، وثمرة ذلك. وهكذا في أوقات الفراغ، يحرص على قراءة في كتاب، أو سماع في الشريط، أو في هذه الأجهزة الحديثة الصغيرة، ما يسمى بالإنترنت، أو غيره. وبهذا إن شاء الله، مع نصيحة أهله، وتعليمهم الأولى فالأولى من أمور العقيدة والعبادة، ونحوها، إن شاء الله سيجد الثمرة، وسيجد النصائح الكثيرة في أثناء سماعه لتلك الأشرطة، أو قراءته في تلك الكتب. يقول: إذا طلب من أحد في الغرب أن يستخرج تأشيرة لواحد من المغرب، لأجل العمل في دار الكفر، فهل هذا يجوز؟ إذا كان هذا الذي يريد أن يأخذ هذه التأشيرة للعمل، لا يقع في منكر، ولا محرم، ولا يريد الاستقرار في بلاد الكفر، وربما كان لبعضهم خروجه من بلده أسلم له، لما يجد من مضايقات، ونحوه. فما نستطيع أن نقول: أنه حرام. مع أن هذا في الواقع ما يتصور: من يذهب إلى بلاد الكفر لا يسلم من وقوع في حرام. في الغالب، والله أعلم. بحسب ما سمعنا من الإخوة، ورأينا من أحوال بعض بلاد الكفر، ففي الغالب لا يسلم من الوقوع في حرام. فإذا كان كذلك، فينصحه بالتوجه إلى بلاد المسلمين أفضل، وأسلم من التوجه إلى بلاد الكافرين. وأما إذا علمت أنه يريد الاستقرار، فلا تعنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن يقيم بين ظهراني المشركين. «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما». طيب، نكتب بهذا، والله تعالى أعلم. طيب، بلغت النصيحة، أجزاك الله خيرا. صاحب الورقة هذه يقول: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب. أجزاك الله خيرا.