كتاب الوصية  5

كتاب الوصية 5

الدرس في كتاب الوصية 5، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الوصية وشرح حديث عبد الله بن أبي أوفى

شرح حديث عبد الله بن أبي أوفى ودلالته على جواز ترك الوصية لمن ليس له مال يوصي به، واستدلال الشيخ بأن النبي لم يكن عنده شيء يوصي به. يُفهم من الحديث أهمية الوصية بكتاب الله.

الزهد في الدنيا وأهمية الصبر على الشدائد

تفسير تبويب الإمام البخاري وشرح الحديث الذي يبين زهد النبي وصحابته في الدنيا، وأهمية الصبر على شدة العيش وعدم الخوف على المستقبل مع الثقة في الله.

الأخذ بالأسباب والرضا بقضاء الله

وجوب الأخذ بالأسباب وعدم التواكل، والرضا بقضاء الله إذا لم تسر الأمور كما يشتهي الإنسان، ودور الزوجة في مساعدة زوجها في الشدائد والصبر على البلاء.

تفسير شامل لحديث ابن عمر في الوصية

تفسير حديث ابن عمر بأن الوصية تكون لمن كان عنده مال أو حق أو أمر معنوي يحتاج للوصية به، ويشمل ذلك الرجل مع أهل بيته والعالم مع الرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. قال حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال عن طلحة بن مصرف، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ قال: لا. قال: فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله. قال: أخرجه البخاري بكتاب الوصايا، باب الوصية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مصية الرجل مكتوبة عنده». أورد رحمه الله تعالى هذا الباب والحديث في سياق ذكره لأحاديث البخاري ومسلم المتفق عليها فيما يتعلق بالوصية، فقال: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. وعلى قاعدته، فالتبويب على ما بويب به على الصحيح مسلم. ومعنى هذا مدخل، فالباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد منه هاهنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. ثم أورد الأدلة على ذلك، ومنها هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك وصية ولم يكتب كتابًا فيه وصية؛ لأنه ليس عنده شيء يوصي فيه. فابتدأ بحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، وفيه سئل: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ قال: لا. ومعناه لم يكتب كتابًا فيه وصية بما يتعلق بمعنى الوصية التي هي في الأموال كما سيأتي؛ لأنه قال: أوصى بكتاب الله في آخر الحديث، فعلم أنه لم يوصي بشيء معلوم مخصوص، وأوصى بشيء آخر معلوم مخصوص. وقيل: إن المراد لم يوصي وصية على وجه الكتابة، وبهذا يجمع بين الأدلة في هذا الباب، فوصية على وجه الكتابة لم تكن، لا فيما يتعلق بالأموال ولا في غيرها. وسيأتي معنا إن شاء الله في الحديث الآتية فيما يتعلق بما غير الأموال، فيما هو غير الأموال. أما فيما يتعلق بالأموال، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم أنه لم يوصي شيئًا في ذلك. وسيأتي معنا إن شاء الله في حديث عائشة، وفي رواية فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء فيما يتعلق بالأموال؛ لأنه أصلا لم يدع ولم يترك أموالا عليه الصلاة والسلام. وما ترك فلم يوصي فيه. ترك غير هذا المذكور، جمعًا بين الأدلة. ووجه الشاهد من الحديث للترجمة ظاهر في قول عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أنه لم يوصي، لما سئل: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ قال: لا. وفي هذا دليل على مشروعية وجواز عدم الوصية وترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. وفي هذا كذلك، ما أشار إليه بتبويب الإمام البخاري رحمه الله تعالى. واللفظ كما تقدم على قاعدته هو لفظ الإمام البخاري، أخرجه في الكتاب المشار إليه: كتاب الوصايا، باب الوصية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مصية الرجل مكتوبة عنده». فقد أخرجه من طريق خلاد بن يحيى، قال: حدثنا مالك، وهو ابن مغول، قال: حدثنا طلحة بن مصرف، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى، فذكر الحديث بلفظه. وفي تبويب البخاري رحمه الله: باب الوصية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مصية الرجل مكتوبة عنده»، معناه أن ذلك لمن عنده شيء يوصي به، ومن ليس عنده شيء يوصي به، فلا حاجة للرجل أن يكتب شيئًا. فمن أراد أن يكتب شيئًا؛ لأنه عنده شيء يوصي به، فليكتب. هذا معنى تبويب الإمام البخاري رحمه الله على وجه الاختصار، وهو موافق لما ذكرناه هنا من معنى هذا التبويب. وتضمن كذلك الحديث مسائل أخرى، منها ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله عنهم من يسر العيش وخفته، فكانوا في حياة يسيرة ليست فيها شيء من الكلفة ولا البسطة، بل كانت حياة فيها خفة. وكذلك شيء من العسر وشدة العيش. ولذلك لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم ما يوصي فيه، كما قالت عائشة: لا دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا، عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد من فوق سبع سماوات. وفي هذا درس عظيم لنا جميعًا أن الدنيا لو كانت فيها خير لجعلها ربنا جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام. ولكن ليست هي معيار الرضا ولا ميزان كذلك الحب، فإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا من يحب. فلذلك اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون رسولا نبيًا، ولم يكن ملكًا ونبيًا، فقر مسكنة على هذا الصبر. وهذا كذلك الأمر الذي ابتلاه الله عز وجل به كان له فيه خير ولأمته كذلك خير. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي أصحابه: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم». وإذا كان كذلك، فهذا درس آخر أن من ابتلي بشدة العيش فليصبر، فله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة. لن يكون هو خير من النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم بلا شك، فإذا كان قد كان هذا حالهم، فمن دونهم من باب أولى أن يصبر إذا ابتلاه الله جل وعلا بشيء من ذلك. بل يعلم أن الله من عليه إذ مبتلي به النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم أشد مما عليه حال الناس اليوم. حتى مع الفقر والفاقة، أفقر الناس اليوم ليس مثل أفقر الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. كان النبي عليه الصلاة والسلام يمر على بيوت أزواجه الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار. حتى سأل الراوي عائشة رضي الله عنها، فما كان طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان، يعني التمر والماء. أكثر طعامهم التمر والماء. اليوم من الذي يمر عليه ثلاثة أشهر يأكل تمرًا وماء فقط؟ لا يكاد يوجد حتى الفقراء، حتى أفقر الناس اليوم ما يقتصرون على التمر والماء، بل يأكلون مما وسع الله عز وجل على الناس في هذا الزمان ما هو أوسع أكثر من التمر والماء. فإذا ابتليت أخي المسلم بشيء من شدة العيش، فاعلم أنه قد ابتلي بذلك من هو خير منك، رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث معنى آخر تسلي أهل المؤمن فيما قد يقع في نفسه من الخوف على ذريته وورثته، فإن شدة العيش قد تدفع بعض الناس أن يتوسعوا في المباح أو ربما والعياذ بالله يقعوا في الحرام، أمور مشتبهات يتوسعون فيها أو حرام صريح يدخلون فيه بحجة الخوف على من بعدهم من العيلة. وليعلم أن الله عز وجل لن يضيعه ولن يضيع ذريته إذا هو اتقى الله جل وعلا وصبر. «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». قد كان النبي عليه الصلاة والسلام عنده نسوة وزوجات، وما ضيعهن ربنا سبحانه وتعالى، ما ترك لهم دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا، فما ضيعهم الله. كذلك اليوم أنت إذا لم تترك شيئًا، فإن الله عز وجل إذا اتقيت الله وصبرت بقضاء الله وقدره فيما ابتلاك الله به، فلن يضيع الله عز وجل من تحت يدك. لن يضيعهم. مع كذلك مع أن يكون عند المؤمن الأخذ بالأسباب، لا يعني ذلك أن يبقى المسلم عاطلًا. «فاليد العليا خير من اليد السفلى، وأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم يتكففون الناس». لكن إذا بدلت الأسباب ولم يسر الله عز وجل لك إلا ما قد رأيت مما قدره الله لك، فلا تجزع ولا تسخط ولا تخرج عن الحق والصراط المستقيم، بل لازم الحق واصبر. واعلم أن الخير فيما اختاره الله لك، ولن يضيعك الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك أهل مثل هؤلاء ينبغي أن يكون عونًا له، لا ينبغي أن تكون المرأة يعني شؤمًا على الرجل، بل ينبغي أن تكون عونًا له إذا ابتلي الرجل بشيء من الشدة، تعينه لا تتسخط عليه وعلى حياته، ولا تدفعه لأن يقع في الشبهات، وأن يسقط فيما لا يحب السقوط فيه مما قد يكون فيه الضرر في دينه. ولا يعني ذلك أن تعينه على أمر دينه ودنياه، ومن ذلك أن تشجعه إلى الأخذ بالأسباب، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى. وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول ومن يقوت. «وأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس». لابد أن يجمع المسلم بين الأدلة، ويجري في هذا على شرع الله، وراضيا بقضاء الله. وفيه كذلك من المسائل: السؤال أهل العلم والرجوع إليهم فيما أشكل، فإن طالب العلم قد يشكل عليه أشياء، فالرجوع إلى أهل العلم يزيل عنه هذا الإشكال. وهذا مثال يبين لنا أنه قد يشكل على الإنسان أشياء، لكن إذا رجع إلى أهل العلم فإنه سيجد جواب هذا الإشكال. وبين عبد الله بن أبي أوفى بجوابه معنى، وكذلك طرفًا من إزالة هذا الإشكال. وفيه كذلك من المسائل أن بعض الأدلة قد يكون ظاهرها التعارض وليس الأمر كذلك. وقد يكون فيها الاشتباه، وله عند أهل العلم جواب، ولكن أهل العلم هم الذين يعرفون الجواب، فيرجع إليهم: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين «يتبعون المتشابه»، وحل هذا المتشابه عند أهل العلم. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، على قراءة سبعية صحيحة بالعطف على أهل العلم مع لفظ الجلالة. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل ما كان عليه السلف الصالح من الاعتناء بالعلم والعلم المتمثل خاصة بالكتاب والسنة. فانظر ماذا قال طلحة بن مصرف: «فقلت: كيف كتب على الناس الوصية؟» يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، ونحوها مما هو بمعنى هذا من الأدلة. وقوله كذلك: «أو أمروا بالوصية؟» قالوا: إن هذا الشك من الراوي، وقيل: إن كلاهما قد قاله طلحة بن مصرف، فالراوي ذكر الأمرين جميعًا، يعني أنه قال: كيف وقد كتب على الناس الوصية وأمروا بالوصية؟ فـ«أو» تأتي ويراد بها العطف. قد تأتي ويراد بها العطف، وكل الأمرين محتمل أن يكون شكًا من الراوي، وأن يكون كذلك هو من السؤال كذلك. ومعنى «أمروا» يعني ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عنه؛ لأنه كما مر معنا قريبًا في حديث ابن عمر: أرشد وأمر بالوصية، فلهذا قال: «وأمروا بالوصية». فأجابه عبد الله بن أبي أوفى بقوله: «أوصى بكتاب الله»، يعني أما الوصية التي تقصد فليس لها سبب فلم يكتبها. وأما الوصية التي تدخل في عموم الحديث فقد أوصى بكتاب الله، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى فيما يحتاج إلى الوصية به. وبهذا يعلم ويفسر حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه محمول على من كان عنده مال، أو كذلك حق من الحقوق، أو كذلك شيء من الأمور المعنوية التي يحتاج أن يوصى بها، كالرجل مع أهل بيته، أو العالم مع الرعية، ونحو ذلك مما قد ينتفع به الناس في أمر الوصية. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.