الدرس في شرح الدروس المهمة 9، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يتناول تفسير سورة النصر ويبين فضائلها وأهميتها، مشيرًا إلى نزولها كإشارة إلى قرب انتهاء مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وتمام دين الإسلام. يُظهر أهمية فهم معاني الآيات في سياقها.
يشرح أهمية النظر في القرائن والعمومات عند تفسير القرآن، ويبين كيف استخدم عبد الله بن عباس هذه المنهجية لفهم أعمق للسورة. يُظهر ضرورة تجاوز المعنى الظاهر للفظ إلى فهم يستند إلى السياق والمقاصد العامة.
يتناول ضوابط تفسير القرآن، محذرًا من التوسع المفرط أو التضييق في فهم المعاني. يشير إلى أن الوسطية في الفهم هي المنهج الصحيح، مستندًا إلى القرائن والعمومات الشرعية.
يُشير إلى أهمية ختم الأعمال بالتوبة مثلما يكلل الجهاد بالنصر، وينبغي ختم الحياة بالتوبة الكاملة. الختام بالاستغفار والصلاة على النبي، نسأل الله التوفيق والعفو.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، درسنا اليوم هو في تفسير سورة النصر. وكالعادة نقرأ السورة، ثم نقف وقفات يسيرة في أهم ما يتعلق بتفسيرها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. هذه سورة أخرى من سور إقصار المفصل. وقد أشار شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، إلى أهمية الاعتناء بها لتعلمها إقراء وتلاوة وحفظًا وتصحيحًا للنطق فيها. فيعتني المدرس بتكرارها وتلقين الطلاب، والمدرسة كذلك بتلقين الطالبات هذه السورة، ومراقبة تصحيح النطق في الأحرف التي يكثر فيها الخطأ، والتنبيه على مواضع الوقف والمدود ونحو ذلك. ثم يشرع بعد ذلك في الكلام على شيء من تفسيرها. أولًا ينبغي أن نعلم أن هذه السورة من السور العظيمة التي جاء في فضلها الشيء الكثير. أقول: هذه السورة هي من السور التي جاء فيها شيء من الفضائل. فمن فضلها أنها من آخر ما نزل من القرآن. وأُقيل: كما ذكر بعض أهل التفسير أنها كذلك. مما قيل فيها أنها تعدل ربع القرآن. وجاء في حديث عبد الله بن عباس في صحيح مسلم أنها من آخر ما نزل من سور القرآن، ومعناه كسورة كاملة، وليس هو آخر ما نزل على الإطلاق، لكن كسورة كاملة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام. كانت هذه السورة، وهذا يدلنا على أهمية الاعتناء بها كاملة؛ لأن معناها مرتبط بعضه ببعض. وقد جاء في حديث ابن عباس في الصحيح -وهكذا كذلك- معناه في قصة فاطمة رضي الله عنها: أن هذه السورة جاءت نعيًا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ يعني أنها تبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أكمل رسالته، وأتم الله عز وجل دينه. فأمر ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسبح بحمد ربه ويستغفره. ولهذا جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح: أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتأول هذه السورة، فيقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». يعني: امتثل أمر الله عز وجل له بالتسبيح، فسبحه، والاستغفار، فاستغفره. وهذا معنى قولها رضي الله عنها: أنه كان يتأول القرآن؛ تريد أنه يطبق ما أمر به في تفسير هذه السورة. ففيها بشارة بنصر الله عز وجل، وتمام دينه، وإنها ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغه. ولهذا جاء عن ابن عباس وغيره في قصة عمر رضي الله عنه حين سأل ابن عباس -وفي القوم مجموعة من كبار الصحابة- فأجاب عبد الله بن عباس في تفسيرها: أنها نعي للنبي عليه الصلاة والسلام؛ يعني اختار بقرب وفاته عليه الصلاة والسلام لانتهاء مهمته التي أرسله الله سبحانه وتعالى بها. بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ يعني إذا جاء نصر الله بتمكين هذا الدين وغلبة أهله وانتشار أمره، ومن ذلك أن تفتح البلدان الكثيرة التي لم تفتح من قبل، ومن أعظمها مكة. وقد اختلف أهل العلم: هل المراد بالفتح هو فتح مكة؟ أم أنه صلح الحديبية؟ والصحيح أنه في هذه السورة كلاهما، وكله من علامات النصر. وقد حصل فتح عظيم بصلح الحديبية، وأعظم منه كذلك بفتح مكة. وأمر ربنا جل وعلا: إذا جاء هذا النصر وهذا الفتح، ورأى الناس جميعًا وهم يدخلون في دين الله أفواجًا؛ أي: جماعات كثيرة. وهذا من تأكيد حصول النصر والفتح. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتسبيح شكرًا لله عز وجل على ما يسره من هذا الخير وهذا النصر وهذا الفتح ودخول الناس في دين الله عز وجل أفواجًا. ثم أخبر في آخر السورة بشيء من وصفه العظيم سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. والقاعدة عند أهل العربية: أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فالتواب هو من يكثر التوبة على عباده سبحانه وتعالى. والمعنى: أكثر من التوبة؛ يتوب الله عز وجل عليكم. والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو لمن دونه من باب أولى. فافتقار الناس إلى حمد الله عز وجل وشكره على نعمه، وعلى هذه النعمة على وجه الخصوص، أعظم من افتقار النبي عليه الصلاة والسلام. قلنا: افتقار الناس في شكر الله عز وجل على هذه النعمة -على نعمه عمومًا وهذه النعمة على وجه الخصوص- أعظم من افتقار النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلذلك قلنا: أنهم يدخلون في هذا الأمر من باب أولى. وهكذا كذلك افتقار الناس للتوبة التي تحسن به خاتمة هذا الإنسان؛ فما من إنسان إلا وفي حياته ما قد يقع من التقصير، ويجبر ذلك التوبة إلى الله عز وجل. فإذا كان كذلك صار الناس جميعًا يدخلون في هذا الأمر من باب أولى. فليس هو خطابًا للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة، ولا ينافي هذا التفسير لألفاظ هذه السورة ما سبق من أن فيها نعيًا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: إخبار بقرب أجله ووفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا يعلم بالتأمل والتدبر وجمع الأدلة بعضها مع بعض. فإن الله عز وجل إنما بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا. فإذا تمت البشارة والنذارة، فقد حصل إكمال ما أرسل به. فكان في ذلك ما سمعنا. ولهذا ذكر بعض العلماء: أن هذه السورة فيها دروس وفوائد عظيمة من أبرزها وأهمها هذه الفائدة؛ وهي أن العالم وطالب العلم حامله ينبغي عليه أن لا يقف عند اللفظ والمعنى المحتف به -المعنى المحتف به يعني المعنى المقترن بهذا اللفظ الذي يظهر منه معنى الألفاظ فقط-. بل لا بد أن يتأمل معه شيء آخر ينضاف معه مفهوم جديد، أو قل: زيادة معنى بالنظر إلى قرائن أخرى؛ مثلا مناسبة نزولها في هذا الوقت -يعني في أواخر الرسالة- وكون أنها جاءت بالإخبار عن هذا المعنى وهو النصر والفتح ودخول الناس في دين الله، مع قرينة أخرى وهي حقيقة الرسالة التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت تجمع مع ذلك اللفظ ومعنى الظاهر الواضح معنى آخر استفدته من القرائن المحتفة بهذا النص. فكان فيه استنباط لشيء دقيق يدل على دقة في العلم. ولهذا استعمل عمر رضي الله عنه -الخليفة الراشد- هذا المقام ليثبت للمشايخ الذين كانوا يحبرون في مجلس عمر -وكان عمر رضي الله عنه يدخل معهم عبد الله بن عباس-. فكأن بعضهم استصغره، فلما أراد أن يثبت لهم قوته العلمية سألهم عن تفسير هذه السورة وما يعلمون من معناها. فأثبت لهم عبد الله بن عباس ما خفي عن الكثير منهم؛ أولًا بما احتف من قرائن النص، وثانيًا بما دلت عليه الأدلة بعموماتها، وثالثًا ما علمه من أحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه فسر السورة بهذا المعنى؛ كحديث فاطمة حين أسرها بالسر فبكت، ثم أسرها الثانية فضحكت، وكحديث عائشة في قولها: «أنه كان يقول بعد نزول هذه السورة: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». قالت: «يتأول القرآن». فهذا يدل على تأكيد وتصحيح هذا المعنى. وهنا يناسب أن نذكر تنبيهًا. والآن يأتي الكلام على التنبيه، وهو تنبيه مهم. فقد علمنا فيما سبق كيف ينبغي لطالب العلم أن لا يقتصر على اللفظ وما معه من معنى، بل عليه أن يتابع القرائن والعمومات والأدلة الأخرى. ولكن هذا الباب الناس فيه طرفان ووسط. فإن من الناس من توسع في إدخال المعاني على الألفاظ حتى صارت الألفاظ تحمى المعاني لا علاقة لها باللفظ؛ لا من جهة كون اللفظ يستصيغها أولًا، ولا أن عمومات الأدلة تؤيدها ثانيًا، ولا أن قرائن أخرى تدل على صحة معناها ثالثًا. وقد علمنا فيما سبق كيف أن ابن عباس قال ما قال، ووافقه عمر رضي الله عنه، وهكذا عائشة وفاطمة وجماعة من الصحابة؛ باعتمادهم على أمور، ومنها تلك الخصال الثلاث التي سبقت الإشارة إليها؛ أولها: اللفظ وكونه يتحمل هذا المعنى، وثانيها: العمومات التي تؤيد هذا المعنى، وثالثها: القرائن التي تؤكد هذا المعنى. أما التوسع في إدخال المعاني المتكلفة، فهذه طريقة أهل الأهواء؛ سواء من الشيعة ومن سبقهم من الرافضة، أو المتصوفة، أو كذلك بعض العقلانيين من الفلاسفة ومن سلك نحو طريقتهم قديمًا وحديثًا. ومن ذلك: ذلك التفسير الذي يسمى بالتفسير الإشاري؛ كما نبه عليه العلماء في مباحث علوم القرآن؛ فهو يعتمد على هذه الطريقة الباطلة. ومنها مسلك بعض المعاصرين العقلانيين -ولو كان بحسن نية-؛ فإن هذا التوسع والتكلف في إدخال المعاني على الألفاظ بغير الشروط الثلاثة المتقدمة طريقة باطلة؛ كطريقة الغمار. ومن سلك مسلك الذين أدخلوا المكتشفات العصرية والنظريات والعلوم الحديثة في ألفاظ القرآن؛ فزعموا أن الطائرة مذكورة بالإسم، وأن الدبابات مذكورة بالإسم، وأن الصواريخ مذكورة بالإسم. وهكذا يتكلفون أشياء لا يساعدهم اللفظ، ولا يؤيدهم العموم، وليس لهم في ذلك قرينة؛ لا قريبة ولا بعيدة. لو قالوا: دخل في عموم قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لكان هذا كافٍ. لكن هذا التوسع هو طرف من الطرفين الباطلين في هذه القضية المهمة. والطرف الآخر: من قد يصر في البقاء على ظاهر اللفظ دون النظر إلى ما يحتف به من معنى وتؤيده عمومات وتلحقه قرائن؛ فإنه قد يضطر إلى إنكار ما يضر بالدين بدين نفسه ودين الناس. وقد مثل الشنقيطي -رحمه الله تعالى- لهذا المعنى بقول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ مع قوله سبحانه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. ذكر -رحمه الله- أن العلماء من الصحابة ومن بعدهم استفادوا من الجمع بين الآيتين: أن أقل الحمل ستة أشهر. ومن يعرض عن مثل هذا المعنى المحتف بالقرائن، ويساعده اللفظ وتدل عليه العمومات؛ يساعده اللفظ وتدل عليه العمومات؛ قد يضل وهو لا يدري. وهذا هو الوسط في هذه القضية المهمة، وربما نقول: الخطيرة. فمن توسع أضر وخاطر، ومن ضيق هكذا ربما يضر ويخاطر. ونختصر، نضيف ثلاثة فوائد مستفادة نختم بها تفسير هذه السورة. من هذه الفوائد كذلك في هذه السورة: استحباب حمد الله سبحانه وتعالى واستغفاره عند حلول النعم. وهذا معنى من معاني العبودية لله. وكما يكون باللسان المقال، فكذلك ينبغي أن يكون باللسان الحال. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان من هديه إذا فتح الله عليه بلدة دخلها وهو مطاطئ -يعني بغير خيلاء- كما فعل في عام الفتح في فتح مكة عليه الصلاة والسلام. فتأمل هذا مع قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وقارنه بحال الكثيرين من الناس؛ كيف أنهم يخرجون عن الأدب والتواضع، فضلًا من الوقوع في الحرام والتساهل في المنكرات بحجة الفرح. ومن الفوائد كذلك: أن الإنسان ينبغي أن يتذكر نقصه وتقصيره في مواضع النصر والبهجة والعزة؛ حتى لا يدفعه ذلك إلى الكبر والخيلاء والتعالي على الخلق. فإن العبد ينظر إلى نفسه بنظرين: ينظر إلى تقصيره وتفريطه مع يسر ما أمر به، وينظر إلى كرم ربه سبحانه وتعالى وتفضله؛ ما حصول التقصير من العبد، فهو يحلم بعبده سبحانه ولا يقطع عنه فضله؛ فيورثه ذلك تعظيمًا للرب سبحانه، وتأنيبًا للنفس الأمارة بالسوء. يكون ذلك داعيًا لاستقامته وحسن خاتمته. ثالثًا: في هذه السورة من الفوائد: استحباب تذكر خواتم الأعمال بالتوبة؛ فإن ذلك من الخاتمة الحسنة؛ كما أن خاتمة التعب والنصب والجهاد الحسي والمعنوي والصبر الكثير؛ كما أن عاقبته النصر والفتح؛ فكذلك ينبغي أن تكون خاتمة المرء بالإحسان إلى نفسه بتوبة وافية كاملة مستوجبة للفوز في الدارين. نسأل الله تعالى التوفيق لنا ولكم. وهذه وقفات مختصرة. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. واستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرًا.