الدرس في الموقف مما يجري في ليبيا وغيرها من البلدان العربية، تفريغ من شريط الدرس العاشر من شرح كتاب اللؤلؤ والمرجان – كتاب الإمارة وكانت يوم الاثنين 15 جمادى الأولى 1432هـ الموافق 18 أبريل 2011م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على المسلمين الابتعاد عن الفتن والقتال الداخلي في ليبيا وعدم المشاركة في سفك الدماء. الواجب هو الفرار بدينهم والابتعاد عن هذه الفتن التي تضر بالمسلمين في دينهم ودنياهم.
يُنبه على خطورة المشاركة في الفتن والقتال تحت رايات عمية، ويجب الصبر على جور الولاة ما داموا مسلمين. يُحذر من التفرق والخروج على ولاة الأمور لما فيه من مفسدة أعظم.
يجب على المسلم التمسك بجماعة المسلمين وإمامهم، وإذا حصل التفرق فيجب اعتزال جميع الفرق. نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويهدينا إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا.
هذا سائل يقول: ما هو موقف أهل السنة مما يجري في ليبيا؟ وهل من نصيحة في ذلك؟ كثر السؤال عن هذا المعنى، فقد جاءت أسئلة كثيرة عبر الشبكة، وكذلك في بعض الاتصالات الهاتفية من دول شتى، بعض الإخوة من أوروبا، وبعضهم من الجزائر، وبعضهم من ليبيا، وغيرها، خصوصًا وقد بلغني وسمعت من سؤال هؤلاء الإخوة ما حصل من تفرق بين الإخوة بسبب ما يجري هناك. ولا ينبغي أن يجري تفرق، الواجب على المسلم في مثل هذه الفتن أن يعتزل هذه الفتن، ويفر بدينه كما أوصى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد قال عليه الصلاة والسلام في التحذير، والمبالغة في التحذير من الفتن التي تكون في آخر الزمان: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». وأمر أن من وجد ملاذًا أو معاذًا فليلذ به. وسمعتم حديث أَبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها رؤوس الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». فلا يجوز للمسلم أن يخوض ويشترك في هذه الفتن، بل الواجب عليه أن يجتنب هذه الفتن، ويفر بدينه، يذهب إلى الصحراء، يذهب إلى رؤوس الجبال، يفر بدينه من الفتن، ولا يجوز له أن يخوض في هذه الفتن بما يكون به هلاكه وذهاب دينه، فضلًا عما يكون من ذهاب دنياه. لو كان الأمر ذهاب الدنيا فقط ربما كان الأمر أخف، لكنه دنيا ودين، لا دنيا ولا دين. كونك تقتل المسلمين وتشارك في قتل المسلمين هذا أمر ليس بالسهل. وتعرفون حرمة دماء المسلمين في ديننا، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، المؤمن الحقيقي لا يمكن أبدًا أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، بل إن وقع فهو يقع على وجه الخطأ. ولهذا قال بعدها في آخر الآيات: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ومن المؤسف أن نسمع أن بعض إخواننا السلفيين قد شاركوا في هذه الفتنة، فصار بعضهم في هذا الطرف، وبعضهم في هذا الطرف، بعضهم مع هذه الفئة، وبعضهم مع هذه الفئة، وهذا حرام، لا يجوز، لا يجوز للمسلم أن يقتل أخاه المسلم، وهذه فتنة عظيمة، الواجب على المسلم أن يجتنبها. ولا يخفى علينا ما في الصحيحين كذلك من أحاديث في هذا الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس -يعني التي حرم الله- وعقوق الوالدين»، وذكر بعده في حديث أنس: «قول الزور». ومعنى في البخاري من حديث عبد الله بن عمر: «ذكر اليمين الغموس». الشاهد: قتل النفس من أكبر الكبائر، ثن به النبي صلى الله عليه وسلم بعد ماذا؟ الشرك، لعظم أمره. وفي حديث عبد الله بن عمر: «بعد الشرك عقوق الوالدين». وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الشرك، وقتل المؤمن». هكذا جاء من حديث أبي الدرداء عند النسائي بإسناد حسن. وجاء في حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال: «إلا الكفر، أو إلا أن يموت الرجل كافرًا، وأن يقتل مؤمنًا متعمدًا، وأن يقتل مؤمنًا متعمدًا». فلا يجوز للمسلم أن يقتل مسلمًا متعمدًا، فإن ذلك من أعظم الذنوب والمعاصي. وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا، كما مر معنا في حديث ابن مسعود في الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح في أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة، وهو يحذر من قتل المسلمين بعضهم بعضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «الدنيا أهوى عند الله من قتل نفس المؤمن»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر في البخاري وغيره: «أن من قتل معاهدًا -أو معاهدًا- لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها لتبعد أربعين عامًا، أو قال: أربعين خريفًا». فإذا كان هذا نفس المعاهد، فكيف بالمؤمن؟ فالمؤمن أشد وأشد. فلذلك ننصح إخواننا سواء في ليبيا أو في غيرها أن يحذروا من هذه الفتن التي ثمرتها سفك الدماء، دماء المسلمين، وفيها ما لا يخفى من المفاسد والشر الكثير التي تضر بالمسلمين في أمر الدين والدنيا. خصوصًا أن ذلك في الحقيقة لا يرجع على المسلمين بخير، بل لو كان بين مسلمين كل يدعو براية -يعني لو كان هناك أئمة ينتسبون إلى الإسلام- فقتال أولئك لدنيا، فلا يجوز لمسلم أن يشترك في قتال الدنيا. وما أحسن تلك القصة التي رويت بإسناد حسن، إنها جاءت فيما أذكر عنده: بيعلى وغيره، وذكرها الحافظ ابن حجر في المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، من طريق عامر الشعبي أنه قال: «لما قاتل مروان الضحاك بن قيس، أرسل إلى أيمن بن خريم، أرسل إليه يريد أن يقاتل معه، فقال له: إن أحببتم أن تقاتل معنا، قال أيمن بن خريم: إن أبي وعمي شهدا بدرًا، وقد عهد إلي أن لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله». ويروى أنه مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليهما، فعهد إليه أن لا يقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله. قال أيمن بن خريم لمروان: «فإن جئتني ببراءة قاتلت معك»، ويروى: «فإن جئتني ببينة قاتلت معك». فقال له مروان: «اذهب»، ووقع فيه وشتمه، فأنشأ أيمن بن خريم تلك الأبيات التي صار يرددها العلماء: لست بقاتل رجلًا يصلي على سلطان آخر من قريشي له سلطانه وعلي إثمي، ما عاد الله من جهل وطيشي، أأقتل مسلمًا في غير شيء؟ فلست بنافعي ما عشت عيشي. ومعناه: كيف أقاتل مع إنسان لأجل ملكه، ويكون ثمرة ذلك ذهاب ديني، يكون ثمرة ذلك ذهاب ديني؟ فلا يجوز للمسلم أن يشارك في هذه الفتن، ويكون من حطبها، وممن يشعل نارها، فإنه لو فعل ذلك لم يلحق إثمه فقط، بل وإثم من أضل، بل وإثم من أضل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر، حديث أبي هريرة: «ومن دعا إلى ضلالة، فعليه من الوزر مثل وزر من دعا، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا»، وهو في صحيح مسلم، والأول في صحيح مسلم من حديث جرير. وهكذا في حديث ابن مسعود: «ما من قتيل يقتل إلا والابن آدم الأول كفل -يعني وزر- ونصيب من الوزر يحمله بسبب ابتدائه سنة القتل». فأنت يا من تنتسب إلى السنة، حين تقاتل في هذه المقتلة العمياء، وقد سمعتم الأحاديث في هذا الباب، فأنت تسن سيئة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي تقدم معنا في الصحيح مسلم: «ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعي لعصبية، أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية». «ومن خرج على أمة يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني، ولست منه». والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وسمعنا كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لحديث حين قال له: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فالواجب على المسلم أن يجتنب هذه الفتن، ثم ها هنا لفتة: أن الواجب على المسلمين أن يحرصوا على الاجتماع والجماعة تحت ولاة أمورهم، ما دام مسلمين مؤمنين، ما دام مسلمين مؤمنين. فمن علم أنه مسلم من ولاة الأمور، لا يجوز الخروج عليه كما تقدم؛ لأن الخروج عليه مفسدة أعظم من المفسدة الموجودة، حتى لو وجد المنكر، حتى لو وجد الظلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بالصبر؛ لأن المفسد المترتب على الخروج أعظم من تلك المفسد الموجودة، فضلًا أن يدعى أنه أفضل من المصلحة. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الولاة في الأحاديث الكثيرة: «إنكم ستلقون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، حديث سيد بن حضير في الصحيحين. وهكذا كذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية». وأحاديث كثيرة في الصبر على جور السلطان، ما دام مسلمًا، لم ير كفرًا بواحًا، وما أقام الصلاة. فالواجب البقاء على هذا الاجتماع، فإن التفرق فيه شر كثير، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وانتهاب الأموال، وتسلط الأعداء. ولهذا فالأعداء قد يختلقون الذرائع في خروج الولاة، في خروج الشعوب على ولاة أمورها، كما يحصل في أيامنا هذه. فإن أعداءنا يثيرون فتنًا يريدون منها التسلط على الشعوب المسلمة، ويساعد على ذلك بعض المنافقين والجاهلين والغافلين من المسلمين، فيكون بذلك الشر في المجتمعات المسلمة، يكون الشر في المجتمعات المسلمة. حتى حصلت هذه الفتنة التي نسمع بها ونراها، وأكثرها -إن لم تكن كلها- من صنيع أيدي الكافرين الماكرة. فالحذر الحذر عباد الله من أن نحقق أهداف الكفار فيما يقع في بلادنا. ولا أدل على ذلك ما تعين عليه بعض وسائل الإعلام المتابعة لتلك الدول الكافرة فيما فيه إثارة الفتن، والكذب، والغش، وإثارة كذلك التهييج والفوضى، حتى سموا هذه الفتنة التي تجري في المجتمعات سمّوها: «ربيع الثورات العربية»، نعم، بهذا القيد: «ربيع الثورات العربية». انظر مدى المكر الذي يطمع به أعداؤنا فينا. وانظروا إلى ما وقع في ليبيا من هذا التدخل العسكري الذي يُزعم أنه لأجل المحافظة على حقوق الإنسان، وطلب الحرية، وغير ذلك من الدعاوى الكاذبة. لماذا لم يحصل هذا في فلسطين، والعزل من المسلمين في فلسطين يرمون بطائرات اليهود، مزامنة مع هذه الأحداث التي تجري اليوم؟ لماذا لم يتدخل قوى الأمن والمحافظون على السلام كما زعموا؟ لكنهم يكيلون بمكيالين، يطمعون في أشياء في بلاد المسلمين بهذه الحجج والذرائع الكاذبة الماكرة. فكيف بعد هذا يجوز لمسلم يقاتل مع هؤلاء؟ ونتعجب من موقف بعض الثوريين ودعاة الحزبيين في هذا الزمان، وفي هذه الأيام، فنجدهم يجيزون مقاتلة المسلمين مع هؤلاء الكافرين ضد المسلمين، كتلك الفتاوى التي تصدر عن بعض أولئك الدعاة الحركيين. وهذا أمر عجيب، بالأمس لم يستفصلوا في قضية الموالاة، واتهموا علماءنا ومشايخنا بأنهم «علماء سلطان» حين أفتوا بجواز الاستعانة بالكفار لدفع شر بضوابط شرعية، واجتهادات يجيزها العلم، حتى زعموا أن ذلك كفرًا، إلى آخر ما قالوا. واليوم هم يأتون بما هو أعظم من ذلك شرًا. هؤلاء الكفار الذين أحرقوا بلاد الليبي حرقًا، وقتلوا المدنيين، وليس فقط العسكريين، حتى ذكرت بعض وسائل الإعلام الكافرة -فضلا عن غيرها- من تلك المجازر التي تقع في تلك البلاد. الشيء العجيب: تأتي الطائرات فتضرب المدنيين، ثم تأتي سيارات الإسعاف للإنقاذ فتضرب مرة أخرى من قبل تلك الطائرات الكافرة، حتى دمروا الشعب وأحرقوا البلاد بحجة المحافظة على المدنيين، ولكن المقصود هو إتلاف خيرات المسلمين، والتسلط على هذه الشعوب، وبماذا؟ وبأموال هذه الشعوب. ولعل بعضكم ممن يتابع هذه الأخبار يقرأ ويجد ويسمع ما يذكر في هذا الباب، فذكروا أن ما أخذته أمريكا في عشرة أيام، أو ما احتسبته على بلاد ليبي، أكثر من خمسمائة وخمسين مليون دولار من خيرات ليبيا. تحرق ليبيا بخيراتها، تدمر هذه الشعوب بخيراتها. ومثله ما فعلوا في العراق، كانوا يحتسبون في العراق -ولا زالوا- لكل جندي أمريكي عشرين ألف دولار في الشهر الواحد، عشرين ألف دولار للجندي، والضابط يصل إلى خمسة وأربعين ألف دولار في الشهر، من الذي يدفع؟ تدفع العراق، تحرق العراق، وتدمر العراق، وبأموالها. وهذا الذي يفعل اليوم في بلاد ليبيا. وهنا شبهة يثيرها بعض أولئك الحركيين، يقولون: «رئيس ليبيا كافر». فيقال: لو كان كافرًا، من الذي قال من أهل العلم أنه يجوز الخروج على الكافر في كل حال؟ من الذي قال؟ بل نص العلماء أنه ولو ظهر الكفر البواح، فلا يجوز الخروج إذا كانت المفسدة المترتبة على الخروج أعظم من المفسدة الموجودة. وهذه دلت عليها قواعد شرعية كثيرة، فتدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. ولا شك أن الخروج وما فيه من سفك الدماء، وانتهاك الأموال والأعراض، وما يجري اليوم في بلاد ليبيا أدل دليل على صحة وصدق هذا القول، ضاع الأمن، وانتهكت الأموال والأعراض، وسفكت الدماء بشيء لا يتصور. ثم كيف يجوز أن يعان هؤلاء الكفار بما يكون به تسلطهم، حتى ربما يكون -والعياذ بالله- إقامة الكفر في بلاد الإسلام، مثل ما فعلوا بعض ذلك في العراق، وفي غيرهم من البلاد التي تسلطوا عليها. وقد تقدم معنى أن بعض أهل العلم نص أن من والى كافرًا في حربه مع مسلم، أو على مسلم لتكون كلمة الذين كفروا هي العليا، فهو كفر، هذا من معاني الموالاة التي تكون بها الردة. نص على معنى ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مواضع من كتبه، وعدد من أئمة الدعوة النجدية، وغيرهم من أهل العلم. فموالاة الكفار إذا كانت تفضي إلى مثل هذا المعنى، فهي موالاة توجب الردة، فلا يجوز قتال المسلمين على هذا الوصف، هذا الحال، بل الواجب على المسلمين الحذر من الفتن، والتحذير منها. وعلى جميع شعوب المسلمين أن تتق الله عز وجل فيما علم من دين الله، وأن تنظر في المصالح التي ينبغي أن يحرص عليها، والمفاسد التي يجب أن تدرأ. فما هم فيه من عناء، وقلة ذات اليد، وشدة العيش، ليس بشيء أمام الفتن التي تترتب على هذه الثورات التي تجري هنا وهناك. انظروا إلى الدماء التي سفكت، والأموال التي انتهكت، والأعراض، وتسلط الأعداء على بلاد المسلمين، فهذا كله شر عظيم، لا يساويه الصبر الذي أمرنا به على ولاة أمورنا ما داموا مسلمين، وقاموا الصلاة، وكذلك لزوم الجماعة التي أمر بها المسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما مر معنا في الحديث حين قال له حديثة: «فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». فإذا حصل التفرق، وابتلي المجتمع، فكما قال: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فنسأل الله عز وجل أن يصلح أحوالنا، وأحوال المسلمين، وأن يهدينا، ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم.