شرح العقيدة الواسطية للهراس 122

شرح العقيدة الواسطية للهراس 122

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 122، الدرس الثاني والعشرون بعد المائة:من( ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء ... فإن الكرامة إنما تكون لأولياء الله بحق وهؤلاء أولياء الشيطان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في كرامات الأولياء وأصول الإيمان بها

يشرح مفهوم كرامات الأولياء وأهميتها في الإيمان عند أهل السنة، ويتناول مختلف المذاهب في التعامل مع هذه الكرامات. يؤكد استمرار كرامات الأولياء في الأمة الإسلامية حتى يوم القيامة.

تعريف الكرامة وتمييزها عن المعجزة

يعرّف الكرامة بأنها أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي، ويفرق بينها وبين المعجزة من حيث اقترانها بدعوى الرسالة. المعجزة تكون أقوى وأوضح من الكرامة.

أهمية كرامات الأولياء ودليل صدقها في الإيمان

كرامات الأولياء تزيد المؤمن إيمانا وتدل على كمال قدرة الله، وهي معجزات للأنبياء وتدل على صدق رسالتهم، وليست دليلا على الغلو في الأولياء.

الختام وبيان حقيقة الإيمان بكرامات الأولياء عند أهل السنة

يُبين حقيقة ما عليه أهل السنة والجماعة في الإيمان بكرامات الأولياء ويظهر الخلاصة التي أوصلها المؤلف رحمه الله في هذا الفصل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة». قوله: «ومن أصول أهل السنة»، لأنه ذكر -كما مر معنا- أصول أهل السنة في هذا الكتاب، وهي مبنية على أصول الإيمان، فمن ما يلحق بأصول الإيمان الذي يؤمن به الإيمان بكرامات الأولياء. وكما مر معنا أن علماء الإسلام ذكروا في كتب العقائد المسائل التي نفاها وانحرف فيها من انحرف من أهل البدع والأهواء، ومسألة كرامات الأولياء الناس فيها على ثلاثة مذاهب وفرق. فمنهم من يكذب بها، أو يؤمن بها إيمانا مجملا ولا يقبلها قبولا مفصلا، وهم الفلاسفة والمعتزلة وبعض الأشاعرة، فعندهم إما تكذيب لكرامات الأولياء، وزعموا أن ذلك ينافي العقل، وهو كذلك يقتضي تكذيب الشرع. ووجهه -فيما زعموا- أنه يستلزم الالتباس بين مدعي النبوة كذبا وبين صاحب الكرامة، والنبي والمشعوذ، فيرون أن هذا سبب للبس، فيكذبون به. ومنهم من يقول: نؤمن بكرامات الأولياء، لكن يؤمن بها إيمانا مجملا، لا يعين شيئا بعينه، ولا يثبت شيئا في آحاده. وهذه طريقة بعض هؤلاء. ومنهم من يجعل كل من نقل عنه شيء من الخوارق للعادات فهو ولي لله، حتى ولو كان ساحرا أو مشعوذا، أو لم يعرف بتقوى لله سبحانه وتعالى. وهؤلاء هم الباطنية، ومن سار بسيرهم من المتصوفة والشيعة، وهم كذلك على باطل، كما أن الأولين على باطل. وفرقة ثالثة، وهم أهل الحق، يفرقون بين كرامة الولي وبين شعوذة المشعوذ والكاهن، فيفرقون بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. وهذا هو الحق. وقد بسط القول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «النبوات»، فذكر أكثر من اثني عشر فرقا بين آيات الأنبياء، وكذلك مدعي النبوة، والسحرة والكهنة. وهكذا فروقا بين كرامات الأولياء وشعوذات الكهان والسحرة. وقوله رحمه الله تعالى: «والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها»، يعني كقصة أصحاب الكهف في سورة الكهف، وهكذا كذلك أصحاب الغار فيما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، أي: الثلاثة الذين أوى بهم المبيت، فإن الله أكرمهم بصالح أعمالهم، فنجوا من تلك الصخرة التي سدت عليهم فتحة الغار. وقوله: «وعن صدر هذه الأمة»، يعني: الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كقصة أسيد بن حضير كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد، وهكذا كذلك قصة خباب، وغير واحد مما جرى على يديه ما هو خارق للعادة. ولكن -كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية- أن خوارق العادات بالنسبة للأولياء لا تساوي خوارق العادات للأنبياء من أوجه كثيرة، ومر معنا بيانه قريبا في درس «دلائل النبوة». فإن الأنبياء يؤيدون بدلائل ومؤيدات لا يكون لها نظير عند سائر الناس، ولو كانوا من الأولياء. حتى لو وقع من الولي من جنس ما يقع من النبي، فإنه لا يقع على وجه مماثلة ومشابهة كاملة، بل يكون فيها من القصور ما يتميز به بين دلائل الأنبياء وكرامات الأولياء. وقوله: «وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة»، يعني: في هذه الأمة كرامات الأولياء تستمر، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد في قصة الشاب الذي يقتله الدجال، فيفرقه من مفرق رأسه، ثم يرده حيا، ويقول: «ما ازددت إلا يقينا أنك الدجال الذي حذرنا منك رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهذا من كرامات الأولياء. قال الشارح رحمه الله: «قد تواترت نصوص الكتاب والسنة، وذلت الوقائع قديما وحديثا على وقوع كرامات الله لأوليائه المتبعين لهدي أنبيائهم. والكرامة أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي من أوليائه، معونة له على أمر ديني أو دنيوي. أما الديني: واضح، نصرة الدين، يكرم الله عز وجل أوليائه لنصرة الدين، كأن يكشف له بعض الغيب برؤية منامية مثلا، فيظهر له. والرؤى المنامية جزء من أربعين جزءا من وحي النبوة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. أو يلهمه إلهاما كما ألهم الله عز وجل عمر رضي الله عنه في مواضع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كان أحد من أمتي محدثون، فإنه عمر»، يعني: لما أجرى الله عز وجل من الحق على لسانه رضي الله عنه أرضاه. وهكذا لا يزال صاحب الحق بكثرة ثباته ومواقفه الصحيحة علما وعملا، يجري الله عز وجل على لسانه من الحق، ويوفقه الله عز وجل للحق، ويقذف في قلبه التمييز بين الحق والباطل، ما لا يكون لمثله، مما يعلم أنها كرامة من كرامات الله. ولهذا قال العلماء: «أعظم كرامة: دوام الاستقامة». وأما قوله: «أو دنيوي»، يعني: تأييدا أو تثبيتا أو إعانة أو نصرا، وهو مع ما فيه مما ظاهره الدنيا، إلا أنه في الحقيقة يدل على صحة الدين، يدل على صحة الدين، مثل أن يسر الله عز وجل إنسانا النجاة من الموت، فمثل ذلك ونظيره يكون به الهلاك، لكن فلان من الناس يكرمه الله عز وجل بالنجاح، أو كذلك يسر الرزق لبعض الناس، أو غير ذلك من الأسباب التي تجري على خلاف المعهود، وهذا كذلك شيء آخر من كرامات الله عز وجل لأوليائه. وقوله: «ويفرق بينها وبين المعجزة بأن المعجزة تكون مقرونة بدعوى الرسالة بخلاف الكرامة». قال رحمه الله: «ويفرق بينها وبين المعجزة بأن المعجزة تكون مقرونة بدعوى الرسالة بخلاف الكرامة». قلنا: إن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر فروقا في كتاب «النبوات». وقوله رحمه الله: «أنها تكون مقرونة بدعوى الرسالة»، فهذا وحده لا يكفي، بل إن دعوى الرسالة قد تكون من غيره من غير الرسول، لكن -كما قال شيخ الإسلام- مدعي المعجزة ممن هو ليس برسول، تكذبه ما يدعيه من المعجزات أو خوارق العادات، فيكذب في ذلك. لكن تكون مع دلائل النبوة أو دلائل الأنبياء مؤيدات كثيرة، منها: صدقهم وأمانتهم وحسن استقامتهم، بما يقتضي صحة ما يقولون وعدم اتهامهم فيه. ومنها كذلك ثبوت أصل هذه الدلائل، بخلاف مدعي ذلك من مدعي الرسالة وغيره. ومنها كذلك تفرد هذه المعجزات أو الدلائل، فإنه لا يوجد لها نظائر في المخلوقين الآخرين، ولو حتى كانوا من الأولياء. فنجى الله عز وجل إبراهيم من النار، وموسى من الماء، ونبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المشركين، بما لا يوجد له نظير، مما يعلم أنه نبي حق. وهكذا كذلك أحيا الله عز وجل لعيسى عليه الصلاة والسلام الموتى، وهكذا كذلك وقع لغيره من الأنبياء والرسل، أو بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بعض الخوارق تقع على أيديهم، لا يكون لها نظير عند غيرهم. مع أنه قد يقع عند غيرهم، لكن وقوعه عند غيرهم لا يكون على الوصف الذي يكون للنبي، لأن النبي يستمر ذلك، ويكون بالتحدي. وأما غيره إذا جرى، فإنه يجري ليس على وجه التحدي، كأن يحي الله عز وجل ميتا، مثل قصة العابد -وهو جريج- حين اتهم وهو يعبد الله في صومعته بابن الزانية، فإنه نخزه، فقال: «أبي فلان الراعي»، ليس جريج يفعل ذلك على وجه الاستمرار، فيتكلم الصبي، ولكنه حادثة واحدة وقعت، فهي كرامة، بخلاف الأنبياء، تكون دلائل نبوتهم متكررة متتابعة، فيها معنى التحدي والإعجاز، وغير ذلك مما يكون به الفرق بين معجزة النبي، وكذلك كرامة الولي. قال رحمه الله: «يتضمن وقوع هذه الكرامات حكما ومصالح كثيرة، أهمها أولا: أنها كالمعجزة تدل أعظم دلالة على كمال قدرة الله، نفوذ مشيئته، وأنه فعال لما يريد، أنه له فوق هذه السنن والأسباب المعتادة سنن أخرى، لا يقع عليها علم البشر، ولا تدركها أعمالهم، فيزيد المؤمن إيمانا، والكافر قربا من أهل الإيمان». قال: «فمن ذلك قصة أصحاب الكهف، والنوم الذي أوقعهم الله بهم في تلك المدة الطويلة، ما حفظ تعالى لأبدانهم من التحلل والفناء». ومنها: ما أكرم الله به مريم ابنة عمران من إيصال الرزق إليها وهي في المحراب، حتى عجب من ذلك زكريا عليه السلام، وسألها: «أنى لك هذا؟». وكذلك حملها بعيسى بلا أب، وولادتها إياه، وكلامه في المهد، وغير ذلك، يعني: كلها كرامات من كرامات الأولياء. قال: «ثانيا: أن وقوع كرامات الأولياء هو في الحقيقة معجز للأنبياء»، يعني: دليل على صدق رسالة النبي الذي آمن به هذا الولي. ومع ذلك ليس معنى هذا الغلو في هذا الولي، لأن الولي حقيقة هو المتبع للنبي الممتثل لشريعته، فهو يفعل ما أمره الله سبحانه وتعالى، وليس ممن يفعل ما أمر الله يرضى بعبادته من دون الله أو مع الله، فإن هذا مما لا يقره شرع، ولا يرضى بذلك ولي. فمن زعم أو زعم أنه ولي، وقد رضي بعبادته مع الله، فهذا في الحقيقة من أولياء الشيطان، وليس من أولياء الرحمن، مثل ما يفعل بعض الناس اليوم، يزعمون أنه من الأولياء، ويبنون لأنفسهم قبة جاهزة لأجل أن يطاف بها إذا مات ودفن فيها، وهو حي، مع أن الحي لا تؤمن فتنته. ومع ذلك فمثل هذا لا يقرره ولي أبدا، بل هذا دليل على كذب مدعي الولاية، قال: «لأن تلك الكرامات لم تحصل لهم إلا ببركة متابعتهم لأنبيائهم، وسيرهم على هديهم». قال: «ثالثا: أن كرامات الأولياء هي البشرى التي عجلها الله لهم في الدنيا، فإن المراد بالبشرى كل أمر يدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم، ومن جملة ذلك الكرامات». وهذا ولم تزل الكرامات موجودة، لم تنقطع في هذه الأمة إلى يوم القيامة، والمشاهدة أكبر دليلا، يعني: تدل على أن الكرامات لا تنقطع، فكم لعلماء وعباد ينصرهم الله وينصر بهم، ويجعل على أيديهم -بعلمهم وبغير علمهم- من الكرامات التي تبرهن للناس صحة ما يسيرون عليه من طريق. قالوا: أنكرت الفلاسفة كرامات الأولياء، كما أنكروا معجزات الأنبياء، وأنكرت الكرامات أيضا المعتزلة وبعض الأشاعرة، بدعوى التباسها بالمعجزة، وهي دعوى باطلة، لأن الكرامة -كما قلنا- لا تقترن بدعوى رسالة، بل -كما سبق- ولا تقترن بمؤيدات تكون مؤكدة ومثبتة لصحة دلائل الأنبياء أو كرامات الأولياء، بل يكذبها ويفضحها قرائن وأدلة كثيرة، فهناك فروق كثيرة. قال: «لكن يجب التنبه إلى أن ما يقوم به الدجاجلة والمشعوذون من أصحاب الطرق المبتدعة، الذين يسمون أنفسهم بالمتصوفة، من أعمال ومخاريق شيطانية، كدخول النار، وضرب أنفسهم بالسلاح، والإمساك بالثعابين، والإخبار بالغيب، إلى غير ذلك، ليس من الكرامات في شيء، فإن الكرامة إنما تكون لأولياء الله بحق، وهؤلاء أولياء الشيطان، فيعلم كذبهم بأمور، أولها استقامتهم، فأعظم الكرامة: دوام الاستقامة، رجل لا يصلي، أو متلاعب بالصلاة، رجل لا يعرف بالصدق، بل يعرف بالكذب، رجل لا يعلم حرصه على الفرائض، وتركه للمحرمات، بل تفريطه في الفرائض، وتجرؤه على فعل الفواحش والمحرمات، كيف يكون مثل هذا وليا؟ وكذلك أن ما يأتون به ربما يكون له نظائر، يأتي به غيرهم من الكذابين والدجالين، بل والكفار، فإن بعض سحرة الهند واليونان، ومشركيهم، عندهم من السحر -سواء باستعمال الشياطين أو ببعض الحيل- ما هو من جنس ما عند أولئك المتصوفة، وزيادة، كدخول النار، وضرب الأنفس بالسلاح، أو المساك بالتعابين، وغير ذلك. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحوث في ذلك في مواضع من كتبه نفيسة، يستفاد منها كذب هؤلاء، وبيان حقيقة ما عليه هؤلاء القوم. فالخلاصة: هذا الفصل جعله رحمه الله لبيان حقيقة ما عليه أهل السنة والجماعة، وما يجب الإيمان به من أمر كرامات الأولياء. وإلى هنا والله تعالى أعلم.