الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 90، الدرس التسعون:من ( فصل:وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله ... فسبحان من لا يبلغه وهم الواهمين ولا يدركه أفهام العالمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الإيمان بعلو الله تعالى واستوائه على عرشه، ويستشهد بنقولات العلماء حول إجماع السلف على علو الله سبحانه وتعالى. كما يوضح معنى المعية العلمية لله تعالى وعدم تنافيها مع العلو.
يشرح معنى معية الله تعالى للخلق دون اختلاط أو مخالطة، ويؤكد علوّه فوق العرش مع ربوبيته واطلاعه على خلقه، ويحذر من التحريف أو التعطيل أو التمثيل في فهم صفات الله تعالى.
يؤكد على علو الله تعالى واستوائه على عرشه، ويبين أن ذلك لا ينافي معيته لخلقه، مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث النبي، ويرد على الفرق التي تنكر هذه العقيدة.
الله تعالى هو الذي يمسك السماء من السقوط على الأرض بإذنه، وهو سبحانه لا مثيل له ولا يمكن إدراك كنهه، وهو السميع البصير.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام التيمية رحمه الله: «قال فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به بكتابه وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه». وقوله: «أجمع عليه سلف الأمة» يعني من علوه سبحانه وتعالى واستوائه على عرشه، نقله غير واحد من العلماء، فقد نقله أبو عمر الطلمنكي وابن عبد البر في التمهيد، والذهبي في العلو. وهكذا نقل عن إسحاق، نقله غير واحد، ونقل معناه شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، وتلميذه ابن القيم نقله عن السجزي أبي نصر. وهكذا كذلك نقل معناه عن الصحابة عمومًا، وعن التابعين، ومنهم الثوري وابن عيينة، والحمداني، ومالك، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. ونقل ابن القيم كذلك عن أبي نعيم صاحب الحلية، والآجري في الشريعة، وأبي الحسن الأشعري، فمثل هذه النقولات هي إجماع أو بمعنى الإجماع الذي لا يشك فيه في هذا الباب. وعندكم تعليق في بعض النسخ التي فيها طبعة الثقافة بأنه جاء في بعض النسخ «بائن على خلقه»، وفي بعض النسخ «عليّ على خلقه»، ولفظة «عليّ» هي التي رجحها من رجحها من المحققين، وأنها هي الثابتة في أكثر النسخ، ففي طبعة الفتاوى «عليّ على خلقه»، وفي كثير من الطبعات «بائن على خلقه». ومر معنى فيما سبق أن لفظة «بائن» أنكرها بعض أهل العلم، والصحيح أن معناها صحيح، فهو من باب الإخبار. وقد نقلت عن غير واحد من السلف، بل هذا المعنى دل عليه دليل القرآن والسنة، فمن دليل القرآن قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، ونحوه في حديث ابن عمر: «أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل»، فهو عليّ في دنوه سبحانه وتعالى، وقريب في علوه جل وعلا. وقد نقل هذا المعنى الإجماع، نقل الإجماع في هذا المعنى نقله أبو نصر السجزي صاحب الإبانة، والحافظ أبو نعيم في الحلية، صاحب الحلية بكتاب الاعتقاد، ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في مختصر الصواعق، قال رحمه الله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ». ومر معنا أن المعنى أن المعية معية علم، ليست معية ذات ولا اختلاط. ومعية العلم لا تنافي العلو، وقد نقل الإجماع أن المعية معية علم، كما نقله أبو عمر الطلمنكي وابن عبد البر، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل، والثوري، وأحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، نقله شيخ الإسلام في الفتاوى في الجزء الخامس. قال رحمه الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ﴾ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وسبق الكلام فيما مضى في مبحث القرآن أن لفظة «مع» لها اعتبارات ومعاني، وليس في شيء من معانيها واعتباراتها ما يوجب الاختلاط في هذا الموضع. قال: «وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق»، بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان الرجل في سطح بيته يرى القمر، ويقول: «القمر معي». والمسافر في الصحراء يقول: «سرت والقمر معي». والمسافر في البحر يقول: «سرت والقمر معي»، ولا تقتضي هذه المعية مخالطة. فالقمر في علوه الخاص، والمسافر والقاعد في مكانه، لا يقتضي ذلك مخالطة، قال: «وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم». وهنا فرق بين «مهيمن عليهم» و«مطلع عليهم»، وفي بعض النسخ «وإليهم» كما في الفتاوى. وقد يحمل أن هذا من الوصف العام، و«إليهم» من الوصف الخاص، مثل النزول والدنو، فالنزول والدنو معنى متقارب، لكن فيه عموم وخصوص، فكذلك يقال هنا، قال: «إلى غير ذلك من معاني ربوبيته». وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنى حق على حقيقته، وعلى حقيقته بما دلت عليه الألفاظ الشرعية بمعناها اللغوي. فأسماء الله وصفات الرب جل وعلا حقيقية، ولا يعني ذلك شيء من التمثيل، ولا كذلك يعني أن نفر من التحريف والتعطيل، فنقع في التمثيل، لا، بل المقصود أن يبقى على ظاهره، مع العلم واليقين بأن الكيف مجهول، يمر كما جاء، قال: «لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة». ومن الظنون الكاذبة التحريف، سواء بقول التمثيل أو بقول التعطيل. فهي حقيقية على ما يليق بجلال الله وعظمته، فينبغي أن ننتبه لهذا، قال: «مثل أن يظن أن ظاهر قوله في السماء أن السماء تضله أو تقله». وانتبه لهذه اللفظة الدقيقة، فكونه في السماء، أي في العلو، ومستويًا على العرش، لا يعني أن شيئًا من مخلوقاته يضله أي فوقه، أو يقله أي تحته. فأمر الرب جل وعلا ليس كالمخلوقات، المخلوقات تفتقر إلى ما يظلها أو يقلها، وأما أمر الرب سبحانه ليس كذلك، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: «وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزول، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه». ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره. وبه ننتبه أن عقيدة السلف ليست بالرأي، ولكنه علم موروث مأخوذ من أدلة الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، وما جرى في ألسنة وأقلام علماء الأمة، حتى لا يقول قائل على دين الله ما لم يعلم، أو يتخرص بجهل وبغير معرفة، فيقع في ألفاظ مبتدعة أو معاني منكرة، وكل هذا يقع بسبب الخوض بغير علم. قال الشارح رحمه الله: «قوله: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان... إلى آخره»، صرح المؤلف هنا بمسألة علو الله تعالى، واستوائه على عرشه، بائنا من خلقه، كما أخبر الله عن ذلك بكتابه، وكما تواتر الخبر بذلك عن رسوله، وكما أجمع عليه سلف الأمة الذين هم أكملها علما وإيمانا، مؤكدا بذلك ما سبق أن ذكره في هذا الصدد. يعني فيما تقدم معنا من مبحث القرآن، مرت معنا هناك الآيات والأدلة على هاتين المسألتين: العلو والاستواء. قال: «ومشددًا النكير على من أنكر ذلك من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الأشاعرة وسائر المعطلة، كذلك كالكلابية والماتريدية، وطوائف من الفرق الأخرى التي تتبنى هذه المذاهب الردية، كالأباضية والصوفية، وبعض الشافعية، وهكذا كذلك المالكية أو الحنفية أو بعض حتى الحنابلة، وهم ينتسبون إلى أهل السنة، ويعتقدون غير اعتقاد أهل السنة». قال: «ثم بين أن استواءه على عرشه لا ينافي معيته وقربه من خلقه، فإن المعية ليس معناها الاختلاط والمجاورة الحسية». ومر معنا الكلام على ذلك، فإن المعية لا تكتضي المخالطة ولا المجاورة الحسية. قال: «وضرب لذلك مثلا بالقمر الذي هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغيره أينما كان بظهوره واتصال نوره». فإذا جاز هذا بالنسبة للقمر، وهو من أصغر مخلوقات الله، أفلا يجوز بالنسبة إلى اللطيف الخبير الذي أحاط بعباده علما وقدرة، والذي هو شهيد مطلع عليهم، يسمعهم ويراهم، ويعلم سرهم ونجواهم. بل العالم كله، سماواته وأرضه، من العرش إلى الفرش -والمراد بالفرش: أي الأرض- كله بين يديه سبحانه كأنه بندقة في يد أحدنا. وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس، رواه ابن جرير من رواية أبي الجوزاء أوس بن ربعي عنه، ولم يسمع منه. وهكذا في إسناد عمر بن مالك النكري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «يعتبر حديثه»، فهو لم يصح عن ابن عباس. وروي هذا المعنى كذلك عن عائشة، ولكنه من طريق فيها انقطاع، وهو من رواية أبي الجوزاء، وأبو الجوزاء لم يسمع من أحد من الصحابة. ومعناه بغير هذا اللفظ عن ابن عمر في صحيح مسلم: «يأخذ الله سماواته وأرضه بيده، فيقول: أنا الله، ويقبض ويبسطها، ويقول: أنا الرحمن» الحديث. مر معنا في أوائل الكتاب. قال رحمه الله: «فإذا تعليق المعلق بأنه روي عن ابن عباس مصححًا له ليس بصحيح، بل روي عن ابن عباس ولم يصح». قال: «أفلا يجوز لمن هذا شأنه أن يقال: إنه مع خلقه مع كونه عاليًا عليهم، بائنا منهم فوق عرشه؟ بلى، يجب الإيمان بكل من علوه تعالى ومعيته، فلا ينافي علوه معيته، ولا تنافي معيته علوه». قال: «واعتقاده أن ذلك كله على حقيقته، العلو على حقيقته، والمعية على حقيقتها، من غير أن يساء فهم ذلك أو يحمل على معاني فاسدة، كأن يفهم من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ معية الاختلاط والامتزاج، كما يزعم الحلولية، أو يفهم من قوله: «في السماء» أن السماء ظرف حاو له محيط وسبق الإجماع أنه بائن من خلقه، فليس شيء يضله أو يقله». قال: «أو يفهم من قوله: «في السماء» أن السماء ظرف حاو له محيط به كيف؟ وقد وسع كرسيه السماوات والأرض جميعًا، والكرسي موضع القدمين كما تقدم عن ابن عباس صحيحًا». قال: «وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فسبحان من لا يبلغه وهم الواهمين، ولا تدرك أفهام العالمين، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير».