شرح العقيدة الواسطية للهراس 58

شرح العقيدة الواسطية للهراس 58

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 58، الدرس الثامن والخمسون:(وقوله الرحمن على العرش استوى في سبعة مواضع ...فكلها تشغيب بالباطل وتغيير في وجه الحق لا يغني عنهم في قليل ولا كثير). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في صفة الاستواء

يشرح المقطع صفة الاستواء لله عز وجل مستنداً إلى الآيات القرآنية، ويبين إثبات هذه الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته. يُوضح أيضاً اختلاف أهل العلم في تفسير قوله تعالى "بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا".

معنى استواء الله على العرش

يناقش المقطع معنى استواء الله على العرش بعد خلق السماوات والأرض، ويبين إيمان أهل السنة والجماعة بالاستواء على العرش بائن من خلقه. كما يرد على الجهمية الذين يفسرون "استوى" بمعنى "استولى".

الرد على تأويلات الجهمية والأشاعرة

يناقش المقطع تأويلات الجهمية والأشاعرة لصفة الاستواء ويرد عليها بأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف. يبرز المقطع أيضا رد ابن القيم على قولهم أن "استوى" بمعنى "استولى".

تأويل الاستواء بالاستيلاء والرد عليه

يرد المقطع على تأويل الاستواء بالاستيلاء، ويبين أن هذا التأويل يؤدي إلى معنى باطل وهو أن الله لم يكن مستوليا قبل خلق السماوات، وهذا يقتضي وجود ند لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وقوله «الرحمن على العرش استوى» في ستة مواضع، هكذا جاء في بعض النسخ «سبعة» والصواب «ستة»، وهكذا ذكره في بعض النسخ، وفي المخطوط من الفتاوى كما ذكر المعلق. قال في ستة مواضع؛ لأنه في ستة مواضع أصلا، قال في سورة الأعراف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال في سورة يونس عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات كذلك ليستدل بها على مبحث من مباحث الصفات، وهنا يريد أن يثبت بها صفة الاستواء لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. وقوله «ثم استوى على العرش» استواءه جل وعلا كان بعد خلق السماوات والأرض كما هو نص القرآن، وفيه إضافة الفعل والخلق إليه سبحانه حقيقة. وقوله «في ستة أيام» فسر بنص السنة أن أولها الأحد وآخرها الجمعة. وهكذا كذلك في قوله «ثم استوى على العرش» كما سيأتي إن شاء الله تثبت له هذه الصفة لا تشبه الصفات، فالإثبات إثبات وجود لا إثبات تكييف وتمثيل، إذ العلم بالصفة فرع عن العلم الموصوف. وقوله سبحانه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ اختلف أهل العلم في تفسير هذه الجملة على وجهين، فمنهم من أثبت بها وجود العمد يعني العمد ولكنها غير مرئية «بغير عمد ترونها»، ومنهم من حملها على المعنى الآخر وهو أنها بغير عمد، وجملة «ترونها» تأكيد للنفي أي بغير عمد كما ترونها، كما ترون السماوات ليس لها أعمدة، الله عز وجل حملها وهو على كل شيء قدير من غير أعمدة. وهذا الثاني هو الأظهر وهو الذي رجحه أكثر أهل العلم، وهو كذلك المقتضي لكمال قدرته سبحانه وتعالى بأن تكون هذه الجملة مستأنفة «بغير عمد ترونها» يعني كما ترونها. ويؤيده قوله جل وعلا: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقوله: «وقوله رحمه الله تعالى ثم استوى على العرش» ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم أن في هذا دليل على أن الاستواء كان بعد الخلق، أن الاستواء كان بعد الخلق، ولا يعني ذلك أنه سبحانه وتعالى معطل عن الصفات الفعلية، لا بل هو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء متى ما شاء جل وعلا. وهذا هو معنى أنه على كل شيء قدير، لكن الاستواء على العرش كما أخبرنا سبحانه استواء بعد أن خلق السماوات والأرض. وهل نثبت له استواء قبل هذا أم لا؟ قولان مشهوران لأهل العلم، فمنهم من أثبته ومنهم من نفاه، وطائفة ثالثة توقفت، وهذا هو الأحوط. أما صفة الاستواء فالله عز وجل قدير عليها، لكن هذا الاستواء الخاص على العرش بعد خلق السماوات نؤمن به كما أخبرنا سبحانه وتعالى. وهو معنى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من الفتاوى. وقوله رحمه الله تعالى فيما ذكره بالآية كذلك آية سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ففيه إثبات صفة فعلية لله جل وعلا متعدية. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وقوله الرحمن على العرش استوى إلى آخره» هذه المواضع السبعة التي أخبر فيها سبحانه باستوائه على العرش، وكلها قطعية الثبوت. يعني السبعة مع آية سورة طه «الرحمن على العرش استوى» وإلا «ثم استوى على العرش» في ستة مواضع. قال: «وكلها قطعية الثبوت لأنها من كتاب الله، فلا يملك الجهمي المعطل لها ردا ولا إنكارا؛ لأنها ليست آية ولا آيتين ولا ثلاث، بل سبع وكلها فيها إثبات الاستواء». فكيف بعد هذا يقول عاقل أن هذا اللفظ غير مراد وأن المراد هو شيء آخر؟ فيزعم أن «استوى» بمعنى «استولى» كما تقول الجهمية. قال: «فإن لفظ استوى في اللغة إذا عدي بعلى لا يمكن أن يفهم منه إلا العلو والارتفاع». ولهذا لم تخرج تفسيرات السلف لهذا اللفظ عن أربع عبارات ذكرها العلامة ابن القيم في النونية حيث قال: «فلهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان» يستقر، وقد على، وكذلك ارتفع الذي ما فيه من نكران، وكذا فقد صعد الذي هو رابع. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به سبحانه عن نفسه من أنه مستوى على عرشه بائن من خلقه بالكيفية التي يعلمها هو جل شأنه، كما قال مالك وغيره: «الاستواء معلوم والكيف مجهول». أما ما يشغب به أهل التعطيل من إيراد اللوازم الفاسدة على تقرير الاستواء فهي لا تلزمنا؛ لأننا لا نقول بأن فوقيته على العرش كفوقية المخلوق على المخلوق. يعني أنهم زعموا أن إثبات الاستواء يقتضي النقص، يقتضي النقص؛ لأنهم شبهوا صفة الخالق بصفة المخلوق. قال: «وأما ما يحاولون به صرف هذه الآيات الصريحة عن ظواهرها بالتأويلات الفاسدة التي تدل على حيرتهم وطرابهم كتفسيرهم استوى باستولى». فهم في حيرة. أو حملهم على «على» معنى «إله»، و«استوى» بمعنى «قصد». لو قيل أن «استوى» بمعنى «قصد» فإنه مع إثبات معنى العلو والارتفاع. وقد رد عليهم ابن القيم رحمه الله تعالى أي على قولهم أن «استوى» هنا بمعنى «استولى» من أكثر من اثنين وأربعين وجها في كتابه العظيم «الصواعق». وقال في نونيته: «نون اليهود ولا مجهمي هما في وحي رب العرش زائدتان» يعني لا فرق بين اليهود الذين زادوا النون حين قال لهم الله عز وجل قولوا «حطة» أي حط عنا الذنوب والخطايا، فقالوا مستهزئين ومغيرين ومبدلين «حنطة»، قالوا «حنطة» غيروا المعنى بزيادة النون. وهكذا كذلك فعل الجهمية ومن وافقهم من الأشاعرة زادوا اللام فغيروا المعنى من «استوى» إلى «استولى»، فلا فرق «نون اليهود ولا مجهمي هما في وحي رب العرش زائدتان»؛ لأنها من كيسهم، وهو من التحريف والتغيير والتبديل. فأدلة الكتاب والسنة والمنقول عن سلف الأمة وأدلة أخرى كثيرة محتفلة في إثبات ما أثبتت. وأدلة الكتاب والسنة وما هو عليه عقيدة أهل السنة، فمن هذه الأوجه على وجه الإجمال الذي يرد بها هذه الأقوال أن يقال: هذه الأقوال التي ادعيتموها لم ينقل عن أحد من السلف. وثانيا: أنه لم ينقل عن أحد من أهل اللغة أن «استوى» يأتي بمعنى «استولى»، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له؛ فليست اللغة إلا بالسمع. وهكذا كذلك يقال: إن معنى الكلمة وتفسيرها مشهور عن جماعة من السلف. بل نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الآية فيها إثبات العلو لله جل وعلا وأنه استواء يليق بجلاله وعظمته، نقله ابن عبد البر وأبو نصر السجزي في الإبانة وأبو عمر الطلمنكي والقرطبي وغير واحد من أهل العلم. وهكذا كذلك يجاب عليهم بأنه لو لم يكن المعنى معلوما لم يصح أن يقولوا «الكيف مجهول» أو «الكيف غير معقول» إلا وهو يدل أن معنى الاستواء فهم على ظاهره. لو كان له معنى آخر لدلوا عليه ولبينوه. ومن هذه الأوجه كذلك أن الاستواء جاء خاصا بالعرش، أما الاستيلاء فهو لجميع المخلوقات. فلو كان المراد الاستيلاء لما خص به العرش. وهكذا الوجه السادس يجاب بأن الله عز وجل أخبر أن الاستواء كان بعد الخلق كما في الآيات التي سمعناها، فإذا كان كذلك فلو قال قائل كما زعموا أنه بمعنى الاستيلاء صار المعنى فاسدا؛ إذ يلزم أنه قبل خلق السماوات لم يكن مستوليا، وهذا باطل يقتضي إيجاد الندية والضدية لله سبحانه وتعالى، وهذا هو الكفر والعياذ بالله. ويرجع إلى كلام ابن القيم رحمه الله؛ فمعناه موجود هناك.