الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 31، الدرس الحادي والثلاثون : من : (قال واعلم أن الزيارة لا يتصور أن تكون منفكة ... مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده بأبي هو وأمي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يرد شيخ الإسلام على من يحرم السفر لزيارة القبور، مبيناً أن السفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات. يستدل بالأحاديث الصحيحة على أن النهي عن شد الرحال مقصور على ثلاثة مساجد.
يتناول الرد على معترض يتهم المجيب بالتناقض حول زيارة القبور، مبيناً أن المعترض هو المتناقض. يشرح أن السفر لزيارة قبر النبي مشروع ومستحب باتفاق المسلمين إذا تضمن الصلاة في مسجده.
يناقش الفرق بين زيارة قبر النبي وزيارة قبور الأنبياء والصالحين. يوضح أن السلف لم يسموا زيارة قبر النبي بهذا الاسم، بينما يرى بعض العلماء أن السفر إلى مسجده مشروع وقصر الصلاة فيه جائز.
يثاب المسلم على أفعال الخير في المسجد مثل الصلاة على النبي والدعاء له ومحبته. هذه الأفعال تعتبر من حقوق النبي المشروعة وتقرب العبد إلى الله، وتعتبر من رحمة الله بعباده.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على أحد الفصول: قال، وعلم أن الزيارة لا تصور أن تكون مفكرة عن الحرمة من مكان إلى مكان، ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران، فإن حصولها بغير ذلك أمر لا تقبله الأذهان، واعتقاده ضرب من الهذيان؛ لأن الزائر لا يطلق عليه زائر إلا بعد حركته وانتقاله وخروجه عن محل وارتحاله. وكيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة والقصد المطلوب طاعة معظمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات، كنقل القاتل إلى المساجد والجماعات. فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اجتمع عليه قوله من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره ولستر عنهم شنارته. يقال: هذا المعترض كثير الألفاظ والأسجاع، قليل الفائدة التي يحصل بها الانتفاع. أسجاع كأسجاع الكهان، ليس فيها برهان ولا بيان، لا استدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقل لقول أئمة الدين أهل الإجماع والنزاع. بل يطول الكلام فيما يفهمه الأغنام، ويجعل عمدته انتهاك أعراض أئمة الإسلام والطعن على شريعة خير الأنام بقلة علم وسوء فهم وإعراض عن التفقه والتعلم والتفهم والإعلام. وهذه المسألة المتنازع فيها، وفيما يناسبها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة مهتمة، وفيها لأئمة الدين أقوال صريحة مفهمة، لم يذكر شيئا من ذلك. بل عمدته اتباع ما تشابه من القول، يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله، وليس من الراسخين في العلم الذين يعرفون تأويله الذي هو تفسيره ومعناه. وإن كان له تأويل آخر استأثر به الله. والقولان في الوقت والابتداء منقولان عن السلف الأتقياء، وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء. وأهل الضلال كالنصارى وأهل البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية يتبعون ما تشابه عليهم معناه، ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله. ويقولون لمن اتبع المسيح وآمن بما قاله من أنه عبد الله ورسوله، كما صرح فيه في غير موضع من إنجيله: إنه قد شتم المسيح وتنقصه وعابه وعاداه. وهم قد شتموا الله وأشركوا به وكذبوا المسيح وعصوه، فتفروا بالله ورسوله. وهكذا الغلاة في علي يقولون لمن اتبع علي فيما أخبر به عن نفسه، واتبع الرسول فيما قاله عن علي وغيره: إنه شتم علي وآذاه. وهم الذين كذبوا علي وخالفوه، بل خالفوا الرسول الذي به آمن علي. وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب، وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب. كالنصارى، تارة ينقلون عن المسيح وغيره من الأنبياء أقوالا باطلة، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة لا تدل على ما ابتدعوه. وهكذا أهل البدع الذين يهدمون أهل القبور ويحجون إليها، ويجعلون أصحابها أندادا لله، حتى يقول بعضهم: إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله. والبدع من القبور أنواع متعددة، قد بسطت في غير هذا الموضع. لكن عمدتهم إما أحاديث مكذوبة، وإما ألفاظ مجملة متشابهة كلفظ زيارة القبور ونحوه، بما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيه اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور. ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، التي ليس في سندها ولا فيما يدل به من معناها نزاع بين العلماء. كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى». ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم: «لا تشد الرحال» بصيغة النهي. وهو أيضا مروي عنه من وجوه أخرى، كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن أبي بصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع أنه قال: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه، واتفقوا على تناوله لمحل النزاع، وهو السفر إلى القبور. ثم تنازعوا في المراد بالنهي، هل هو نفي الاستحباب والفضيلة؟ ومن اتفق عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع. وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة، فلم يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح، فقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وأبو سعيد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هكذا في الصحيح، أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره. بخلاف رواية أبي هريرة، فإنها مطلقة. وأبو هريرة كان يروي الحديث ثم يقول: حدثني فلان، كما في حديث صوم يوم الجمعة، فقال: حدثني الفضل بن عباس. ومثل ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: «لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا». وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أن يفعلوا ذلك». يحذر ما صنعوا. فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، يحذر أمته أن يفعلوا ذلك. مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله. لكن إذا اتخذت القبور مساجد للعبادة، صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنا. فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح؟ وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حجة إليه، فكيف بمن حج إليه أو جعل الحج إليهم أفضل من الحج إلى بيت الله؟ بل الحج إلى آثارهم، مثل مكان نزلوا به، ويلبون ويحرمون إذا حجوا إلى آثارهم. كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف. وكما حج مرة إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم رجع ولم يحج إلى مكة. وقال: حصر المقصود بهذا وهو صلى الله عليه وسلم. وفي مرضه يكرر تحذير أمته، فينهاهم عن نية في المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك. وهو منزول به في السياق، حرصا على هذه الأمة وتحذيرا لأمته من مضلات الشرك وأسبابه. إذ كان جماع الدين هو عبادة الله وحده. وأعظم الذنوب الشرك. والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله. وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه، وبيان شقاوة أهله. كما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولكنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس، ولعنهم في مرضه، ولعنهم في مرضه من يفعل ذلك. كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي رواية مسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة، ذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك كانوا إذا مات فيهم رجل صالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». ذنبهم على هذا وهذا. ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا. وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». فأمره بقمع التماثيل وتسوية القبور العالية المشرفة. إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا، بتماثيل الأنبياء والصالحين بقبورهم. وفي المسند وصحيح ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». وبسط هذا له موضوع آخر. ولكن نبهنا هنا على مثل هذا؛ لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل. بل حجته من جنس ما ذكره هنا: أن الزيارة لا بد فيها من الحركة والانتقال. وهذا معلوم لكل أحد. فقوله: «والزيارة نفسها قربة، والوسيلة إلى القربة قربة». هذا مضمون كلامه. ونسب المجيب إلى التناقض، حيث أباح الزيارة ومنع من الوسيلة إليها، وهو السفر. ولهذا قال: «فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اجتمع عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره ولستر عنهم شنارته». وجواب هذا من وجوه: أحدها أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه. فإنك في أول كلامك قلت: إنه ظهر لك من صريح كلامي وفحوى مقصده السيئ ومغزاه: تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور، والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها. وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقا، ولم يحك ذلك عن أحد قبلا أن يحكيه إجماعا. لكن هذا قول طائفة من السلف حرموا زيارة القبور مطلقا، كما نقل عن الشعبي والنخعي ومن سيرين. لكن المجيب لم يذكر هذا القول؛ فإنه قول مرجوع. ولو قدر أنه حكاه، لم يحك الإجماع على التحريم. فإن بطلان هذا لا يقف على أحد طلبة العلم؛ إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال، أو استحباب ذلك. ثم هناك جعلت المجيب يجوز الزيارة وينهى عن الوسيلة إليها، وهو السفر. فجعلته متناقضا. وكذلك قلت بعدها: لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهد والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم. ونقل عدم الجواز -إن صح نقله- عمن لا يعتمد عليه، ولا يعتد بخلافه، ولا يعرج عليه. فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء، وهو جواز السفر للزيارة، فكيف يحكي عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمعا عليها؟ هذا هو التناقض. ثم نسبته إلى التناقض، وأنت المتناقض. وقلت: ثم قال في آخر كلامه: «إنما ادعاه مجمعا على أنه حرام». وهذا مناقضة لما تقدم منه في الكلام. وهذه وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام. فليت شعري حين قال هذا: أكان به جنة أم أدركته من الله محنة؟ فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول، وجعل غيره هو المتناقض. كما قيل في المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلت». ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم من الجنون. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾، وقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. فأما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يبيض له قصر الصلاة على قولين معروفين؟ وقوله: «من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء» احترازا عن السفر المشروع، كالسفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فمن سافر السفر المشروع، فسافر إلى مسجده، وصل فيه، وسلم عليه، ودعا وأثنى كما يحبه الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع. فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور، بل للصلاة في المسجد. فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه». ولقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا». والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين. ولم يقل أحد من المسلمين: إن السفر إلى زيارة قبره محرم مطلقا. بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه، وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم، كان هذا مستحبا مشروعا باتفاق المسلمين. لم يكن هذا مقروءا عند أحد منهم. لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره. وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم. لكنهم يعلمون ويقولون: إنه إنما يصل إلى مسجده. وعلى اصطلاح هؤلاء: من سافر إلى مسجده، وصلى فيه، وزار قبره صلى الله عليه وسلم، الزيارة الشرعية، لم يكن هذا محرما عند أحد من المسلمين. بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ فإنه ليس عندهم مسجد يسافر إليه. فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، كما يفعله أهل البدع، ويجعلون ذلك حجا أو أفضل من الحج أو قريب من الحج. حتى يروي بعضهم حديثا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل، قال فيه: وقال وهب بن منبه: «إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج، فمن لم يحج ولحق بقبر إبراهيم، فإن زيارته تعدل حجه». وهذا كذب على وهب بن منبه. كما أن قوله: «من زارني وزار أبي في عام واحد، منح له على الله الجنة». كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعض أولي العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس واستنقذ من أيدي النصارى على أيدي صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة. فإن النصارى نقبوا قبر الخليل، وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحضير. وأما على عهد الصحابة والتابعين، ووهب بن منبه وغيرهم، فلم يكن هذا ممكنا، ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه سافر إلى قبر الخليل عليه السلام، بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ، ولا غيرهم. ووهب بن منبه كان باليمن، لم يكن بالشام. ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء المتقدمين، مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما. وقد ذكر علماء أهل الكتاب ما ذكره هو في قصة الخليل، وليس فيه شيء من هذا. ولكن أهل الضلال افتروا أخبارا مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم. وقد روعوا عن أهل البيت وغيرهم أكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكرها. وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين رضي الله عنهما، أو إلى قبور الأئمة كالإمام موسى الكاظم والإمام الجواد، وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة الأحد عشر. فإن الثاني عشر دخل السرداب، وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر. ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل. وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة لكل قوم هدي يطابقون هدي الآخرين. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَرِحُونَ﴾. وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بذلا من الحج عن الحج. فجوابنا كان عن مثل هؤلاء. ولكن ذكر قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لشمول الأدلة الشرعية؛ فإنه إذا احتج بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد، لا إلى مجرد القبر. كما قال مالك رضي الله عنه للسائل الذي سأله عن من نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأتيه وليصل فيه. وإن كان أراد القبر فلا يفعل». للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا كما لو أن الناس أنكروا أن يحلفوا بالمخلوقات، وذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا إلا بالله». ونحو ذلك، فقيل: إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا بالكعبة ولا بالأنبياء ولا غيرهم. فإذا قيل: ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم، لزم طرد الدليل. فقيل: ولا يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما قاله جمهور العلماء، ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومن الناس من يستثني نبينا صلى الله عليه وسلم، كما استثناه طائفة من الخلف، تجوزوا الحلف به. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. وقصروه بذلك. وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول منسوب إلى عثمان في كتابه المفردات. لكن قول الجمهور أصح؛ لأن النهي هو الحلف بالمخلوقات كائنا من كان، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله ندا لله. وهذا متناول لكل مخلوق، نبينا وسائر الأنبياء والملائكة وغيرهم. فكذلك الحلف بهم. والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه. ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال: قيل: يقصر الصلاة مطلقا في كل سفر لزيارة القبور. وقيل: لا يقصر مطلقا في شيء من ذلك. وقيل: يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة. وقيل: بل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبور سائر الأنبياء. فلذين استثنوا بينوا ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق، فتقصر فيه الصلاة بخلاف السفر إلى قبر غيره؛ فإنه سفر لمجرد القبر. وقد يستثنونه من العموم كما استثنى من استثنى منهم في الحلف. ثم ظن بعضهم أن العلل هي النبوة، فقصر ذلك في الأنبياء. والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم. ثم إن الناس أقسام: منهم من يطيل السفر الشروعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع. فهذا سفر مجمع على استحبابه، وقصر الصلاة فيه. ومنهم من لا يقصده إلا مجرد القبر، ولا يقصد الصلاة في المسجد، أو لا يصلي فيه. وهذا لا ريب أنه ليس بمشروع. ومنهم من يقصده هذا وهذا. فهذا لم يذكر في الجواب. إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ومن الناس من لا يقصده إلا القبر، لكن إذا أتى المسجد صلى فيه. فهذا أيضا يثاب على ما فعله من المشروع، كالصلاة في المسجد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته وموالاته، والشهادة له بالرسالة والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له، ونحو ذلك مما هو فيه من حقوقه المشروعة في مسجده بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.