الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 30، الدرس الثلاثون : من : (ثم قال المعترض وقد ذكر هذا القائل أن السفر ... وقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يرد الشيخ على المعترضين الذين يتهمون من يحرم السفر لزيارة قبر النبي بالمعصية، ويوضح أن السفر لزيارة القبور ليس من جنس الحج إلى بيت الله. يبين الشيخ مذهب مالك في تحريم شد الرحال إلى قبر النبي ويوضح أخطاء المعترض في استدلاله.
كل الرسل بعثهم الله لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده ونهيهم عن الشرك ودعاء غير الله. الحج إلى قبور الصالحين ودعاؤهم من الشرك بالله واتخاذهم أربابًا.
يُنبه إلى أن صاحب البدعة قد يكون أسوأ حالاً من العاصي، ويوضح أن الابتداع في الدين قد يكون أشد من المعصية العادية. يُبين أن الواجب على المسلم اجتناب طرق أهل البدع والضلال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في ردي على الأخنائي: فصل، ثم قال المعترض: وقد ذكر هذا القائل أن السفر إلى زيارة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم معصية، يحرم فيه القصر، فارتكب بذلك أمرًا عظيمًا، وخالف فيه السادة العلماء وإمة العصر، فمقتضى ذلك أن يسوي بينه وبين السفر لقتل النفوس، والحامل له على ذلك سوء معتقده وذوقه المعكوس، فهو كمن أظله الله على علم، قتم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وقلبه لا يقبل الحق لما نازله من الظلمة والغشاوة. والجواب أن يقال: ما في هذا الكلام من السب والشتم ليس هو علمًا يصلح الجواب عليه، ويمكن الإنسان أن يقابله بأضعاف ذلك، ويكون صادقًا لا يكون كاذبًا مثله، ويتبين أنه من أجهل الناس وأسوئهم فهمًا وأقلهم علمًا، وأنه إلى التفهيم والتعليم أحوج منه إلى الرد عن الصراط المستقيم، وهو إلى التعزير والتأديب والتقويم أحوج منه إلى أن يقفو ما ليس له به علم، ويقول على الله ما لا يعلم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية. وأولئك الذين يستحبون الحج إلى القبور ودعاء أهلها من دون الله، يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ويجعلون ذلك من جنس حج بيت الله، ويقرنونه به. وهو لما ذكر الحج، قال: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿عَمِيقٌ﴾. ولما ذكر تعظيم حرماته وشعائره في الحج، قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. فهو قد ذكر التوحيد هاهنا، وأمر باجتناب الشرك واجتناب قول الزور، وقرن بينهما. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله». وهؤلاء الضلال لهم نصيب من الشرك بالله، ونصيب من قول الزور، ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا، وما ليس لهم به علم، وما للظالمين من نصير. وهذا المعترض لم يفهم ما قاله المجيب، بل كذب عليه كذبًا يعلم جميع الناس أنه كذب، ولم يعرف ما قاله العلماء، لا مالك ولا غيره. ونفس الذي أنكره على المجيب صرح به مالك تصريحًا لم يصرح مثله المجيب. فإن المجيب لم يذكر أن السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع معصية، ولا ذكر أن ما يريده العلماء بالسفر إلى قبره - وهو السفر إلى مسجده - معصية، بل قد صرح بأنه سفر طاعة مستحب. وكذلك ذكر ما ذكره العلماء من استحباب زيارته والدعاء وما يتعلق بذلك، وذكر لفظًا عامًا فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وحكى قولين معروفين عند أهل العلم، وهما قولان معروفان عند أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وأصحابه رضي الله عنهم. أظهر قولًا من تحريم السفر إلى زيارة القبور. وقد صرح مالك بأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم هو مما نهي عن شد الرحال إليه، وأن من نذر ذلك لا يجوز أن يوفي بنذره. بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه، أولهم وآخرهم، في الكتب الصغار والكبار: أن السفر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهي عنه. وإن نذره ناذر لم يكن له أن يفعله؛ لأنه منهي عنه، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل الصلاة في المسجدين، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر، ولا أثر من الآثار، ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين. وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك، فليس هذا من هذا الباب؛ فإن هذا ليس قصده متعلقًا بعين المكان. وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل مساجدها أو قبر فيها، فلا يجوز عنده بحال. ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة. وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري، بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء، ولم يرجح قول من منع القصر، ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. فلما ذكرها تبين أنها الراجحة، وأنه ليس مع أولئك ما يعارضها. وأما قوله: إنه خالف في ذلك السادة العلماء وإمة العصر، فيقال: هذا باطل؛ فإنه لم يخالف في ذلك أحدًا من علماء المسلمين وإمة الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين. وأما من تكلم بلا علم أو تكلم بالهوى والجهل، فهذا ليس من أئمة الدين، ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم، على أن يتبعوا ويقتدى به. فقال تعالى للخليل لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فبين أن عهده بالإمامة لا ينال ظالمًا، فليس الظالم إمامًا للمتقين. فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فالأئمة الذين يهدون بأمر الله هم أهل الصبر واليقين. والله تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره، وإبراهيم إمام الحنفاء والداعي إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتبرأ من عبادة ما سوى الله ومن العابدين لغيره. وقد أخبر الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيهًا جاهلًا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والأمة هو القدوة الذي يؤتم به. وكان ابن مسعود يقول: «إن معاذا كان أمة قانتًا لله حنيفًا». فيقولون: «إن إبراهيم». فيقول: «إن معاذا». فيعلمون أنه لم يرد التلاوة، وإنما أراد أن يعرفهم أن معاذا كان إمامًا. وكل من جعله الله إمامًا فإنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، هو النهي عن دعاء ما سواه، لا دعاء إبادة ولا دعاء مسألة، ينهون عن دعاء الملائكة والأنبياء، فضلًا عن من سواهم. وبهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب. وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه. قال تعالى: ﴿وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسِكًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾. والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون الله من الشرك بهم واتخاذهم أربابًا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فمن أمر الناس أن يحجوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه، فقد أمرهم أن يجعلوا صلاتهم ونسكهم لغير الله. وهذا من الأئمة الذين يدعون إلى النار، لا من أئمة الهدى والتقى. فالقولان الذين ذكرهما هم القولان المعروفان عن علماء المسلمين وإمة الدين. وما عرف لهم قول ثالث. فمن قال قولًا ثالثًا فحسبه أن يحكي قوله ويبين خطأه، لا يجعل قوله مقدما على أقوال السلف الماضين وإمة الدين وعلماء المسلمين. ولم يقالفهم أحد بحجة في الدين، ولا نقل قوله عن أحد من أئمة المسلمين. ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله. وقد صنف من هذا وأفضل منه مصنفًا أكبر من مصنفه. وحججهم كلها يشبه بعضها بعضًا، ليست من حجج علماء المسلمين، ولا ينقلونها، ولا يروونها عن أحد من أئمة الدين. بل هي من جنس حجج النصارى والمشركين: إما نقل عن الأنبياء وكذب عليهم، كالأحاديث التي يحتجون بها بأنه رغب في زيارة قبره، وكلها كذب، كما يحتج النصارى وأهل البدع بما يفعلونه، يلصقون الكذب على الأنبياء. وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها الكلمة عن مواضعها، ويضعونها على غير مواضعها، ويدعون المحكم المنصوص، كما تفعل النصارى وأهل البدع، يتبعون المتشابه بابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ويدعون المحكم المبين الذي هو من أم الكتاب. وأما احتجاجهم بقول من ليس قوله حجة، ولا يجب اتباعه. وإما أحوال شيطانية. وهذه حجج النصارى وأمثالهم، وأهل الضلال المخالفين للأنبياء وإمة الهدى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فلا نقل مصدق ولا بحث محقق، بل هذيان مزوق يروج على هذا وأمثاله من الجهال الذين لا يعرفون دين المسلمين في هذه المسألة وأمثالها، ولا يفرقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان، ولا بين الأنبياء والمرسلين أهل التوحيد والإيمان، وبين أهل البدع المضاهين لعبادة الصلبان. وأما قوله: فمقتضى ذلك أن يسوى بينه وبين السفر لقتل النفوس إلى آخره، فعنه أجوبة: أحدها أن هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة، كمن سافر من مصر إلى الشام ليصلي في جامع دمشق، أو سافر من الشام ليصلي في جامع مصر. فهذا السفر منهي عنه، أو غير مستحب عند الأئمة، وهو سفر معصية عند مالك وجمهور الأصحاب والأكثرين، لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث، فقد سوى بينه وبين السفر لقتل النفوس. الثاني: أن المحرمات إذا اشتركت في جنس التحريم، كان الشرك محرمًا، والنظر محرمًا، ولم يلزم من ذلك أن يسوى بين الكفر والمعاصي، ولا الكبائر بالصغائر. الثالث: أن يقال: بل قد يكون الحج إلى القبور أعظم من قتل النفوس، وقد يكون شركًا ينقل عن الملة. فإن كثيرًا من هؤلاء يعتقد أن السفر إلى قبر الشيخ أو الإمام أو النبي أفضل من الحج، ويسمونه الحج الأكبر، وينادي مناديهم: من أراد الحج الأكبر، أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض أهل البيت. ومنهم من يقول: له صاحبه: تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجه؟ فلا يفعل. ويصنف علماءهم كتبًا في مناسك حج المشاهد، كما صنف المفيد بن النعمان ومن الناس من يحج إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع من هناك لا يحج إلى البيت العتيق، ويقول: هذا هو المقصود. ومنهم من يحلف يقول: وحق النبي الذي تحج المطار إليه. ومنهم من يصلي إلى قبر شيخه، ويستقبله في الصلاة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وأنا أعرف من فعل هذا، وهذا، وهم قوم لهم عبادة وزهد ودين، لكن فيهم جاهل وظالم، كما أن رهبان النصارى وغيرهم هم من أعبد الناس وأعظمهم اجتهادًا في العبادة، لكن بجاهل وظالم. والله تعالى قد أمرنا أن نقول في صلاتنا: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وقد رأى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». قال الترمذي: حديث حسن. وهكذا قال السلف. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: لا أعلم خلافًا في هذا الحرف بين المفسرين. والمعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج، فهو كافر. ولو قتل نفسًا مع اعتقاده أن ذلك محرم، وأنه مذنب لكان ذنبًا أخف من ذنب من جعل الحج إلى الأوثان أفضل من الحج إلى بيت الرحمن. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» جليل على أن القبر قد يجعل وثنًا، وهو صلى الله عليه وسلم خاف من ذلك، فدعا الله ألا يفعله بقبره، واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضالين الذين يشبهون قبر غيره بقبره، ويريدون أن يجعلوه وثنًا يحج إليه ويدعى من دون الله. والله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. فلا يقدر أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجله الذي هو بيت الله تعالى الذي بني لعبادة الله وحده، لا يصل إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم البتة. ولو كان قصده بيت مخلوق دون بيت الخالق، فالله تعالى لا يوصل إلا إلى بيت الخالق، رحمة من الله بهذه الأمة، وإجابة لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم. فإذا فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز، فهذا يفتضح به، كما كان المشركون يشركون عند البيت. ليس هذا الضلال متعلقًا بقبره، ولا يمكن أن يفعل في نفس قبر الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور. والحمد لله رب العالمين. قال المعز رحمه الله تعالى: الفصل في الرد على هذه الفقرة التي سمعناها من كلام المعترض، والتي تضمنت مباحث من أهمها أولًا: أدب المعترض، أدب الراد، هو الشيخ رحمه الله تعالى مع المعترض، إذ لم يقابل الشتم بالشتم، وهذا أدب العلماء. ثم أبان رحمه الله تعالى أن المعترض وأمثاله سلكوا مسلك أهل الباطل في استدلالاتهم بالأحاديث الضعيفة، وكذلك الأقيسة الضعيفة، والمجملات التي يكثر الخطأ فيها. وأبان رحمه الله تعالى أن الواجب على المسلم في نفسه الإنصاف وعدم المجازفة ولو كان مع عدوه. وأن شهادة الزور من أعظم الذنوب، ولهذا أدل كثير، وإن كان ذكر حديثًا فيه ضعف، لكن معناه صحيح، وهو: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله». ثم ذكر وأشار رحمه الله تعالى أن حجج هؤلاء كحجج أهل الباطل من المشركين واليهود والنصارى وأهل البدع ونحوهم، التي تجتمع في كونها غالبًا إما كذبًا على دين الله، على الله وعلى رسله. وإما ألفاظًا مجملة متشابهة يحرف بها المحكم الواضح البين عن مواضعه بذلك المتشابه المجمل. وهذه من طريقة أهل الباطل قديمًا وحديثًا. وإما أن تكون حججًا وتعلقات بمن قوله ليس بحجة، ولا جعله الله جل وعلا محل المرجعية: إما إمام سوء وضلال، وإما كذلك أحوال شيطانية، كما يفعل النصارى واليهود، وهكذا كذلك بعض أهل البدع من الباطنية وغيرهم، ونحو ذلك. ثم بين رحمه الله تعالى أن ما زعمه أنه يحرم السفر إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه قول لم يسبق إليه، أن هذا خطأ، وزعمه أن كذلك خالف بهذا كلام أهل العلم أو العلماء، كما قال: هذا خطأ. وقد سبق أن الشيخ رحمه الله تعالى قرر أن ما نقل عن العلماء هما قولان لا ثالث لهما. ومن ادعى الثالث - وهو جواز ومشروعية السفر إلى القبر، أي تخصيص القبر بالسفر وإفراده بذلك - فليأتي به؛ فإنه لم ينقل عن أحد من العلماء المعتبرين، فضلًا عن أن ينقل عن أحد من السلف. ثم بين رحمه الله تعالى أن ما ذكره من أن مقتضى ذلك - وهذا من المجازفات - أن يسوى بين السفر بين هذا السفر وبين السفر لقتل النفوس، مع أن لازم القول ليس بلازم. ومع ذلك أجاب الشيخ رحمه الله تعالى بأوجه أبان فيها رحمه الله تعالى أن هذا أولًا مجازفة. وسبق أن كلام أهل العلم فيه ما هو أصرح من كلام الشيخ، وأشد في هذه المسألة، وهو ما نقل عن إمام مالك وجماعة. فهذا يلزم أن يقال للإمام مالك ما قيل للشيخ من أن فتواه تستلزم التسوية بين ما منع من سفر وبين السفر لقتل النفوس. فإن لم يكن كذلك فكذلك في قول الشيخ ينبغي أن لا يكون كذلك، وهذا هو مقتضى العدل. وإلا فلزم أن هذا الاعتراض يكون أولًا على من سبق قوله قول الشيخ، وهو من الأئمة الذين نقل عنهم الشيخ رحمه الله. وهكذا كذلك أبان أن الشرك - وهذا هو الذي يفعل غالبًا في هذه الزيارات والأسفار - أعظم من قتل النفوس. وأبان حقيقة هذا ووجوده في واقع المسلمين: أن يوجد من يشد الرحل لهذه القبور، ويجعلها منسكًا من المناسك، بل وربما كما قال بعضهم: لا يذهب إلى الحج، ويذهب فقط ويسافر لقبر النبي عليه الصلاة والسلام، ويجعل ذلك أعظم من الحج. وهذا من الكفر الصريح والعياذ بالله. وهذا موجود في واقع المسلمين. فصار هذا المعترض في نهاية قوله وحقيقة دفاعه مدافعًا عن أهل الشرك وأهل كذلك الزندقة من غلاة أهل البدع. وذكر أمثلة من زيارة بعض هؤلاء الضلال إلى القبور، والسجود إليها، ونحو ذلك مما يؤكد ما ذكره رحمه الله تعالى. ثم ختم رحمه الله تعالى هذا الفصل بأن الواجب على المسلم أن يجتنب طرق أهل البدع والضلال وأهل المعاصي؛ فإن هذا هو الذي يحبه إبليس. فإذا كان كذلك فينبغي قطع الذرائع المفضية إلى هذه البدع التي يحبها إبليس. وذكر كلام الثوري رحمه الله تعالى ومعنى قوله: «لأن المعصية قد يتاب منها والبدعة لا يتاب منها». يعني أن الذي يبتدع بدعة فإنه مدام يراها حسنة فإنه لا يتوب، ولا يحدث نفسه بالتوبة. وأما العاصي فهو لا يزال يحدث نفسه بالتوبة لما يعلمه في نفسه أنه مخطئ وأنه عاصي. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس: «إن الله حجب التوبة عن صاحب البدعة حتى يرجع عن بدعته». وهكذا المثال الذي ضربه رحمه الله تعالى فيما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بحق شارب الخمر الذي يحب الله ورسوله. وفي حق ذاك الرجل الذي وصف أنه يخرج من ضئضه من تحقر صلاته وصلاتكم إلى صلاته، وصيامكم إلى صيامهم، الحديث. والشاهد أن ليس كل من ادعى نصرة الدين والغرة لدين الله فإنه صاحب حق. فرب صاحب معصية يكون أقرب إلى الصواب وأوقع وأعدل في دين الله عز وجل من بعض من يدعي الغيرة والنصرة لدين الله بالغلو والبدع. وهذا حال الخوارج ومن سلك مسلك الخوارج، حتى لا يضن أن كل من رفع راية نصرة الله ورسوله فإنه صاحب حق. وأن كل من كان في حاله أو قاله بعض المخالفة أنه صاحب باطل. فرب من عنده معصية خير ممن يدعي النصرة لدين الله عز وجل بالبدع والغلو، كحال الخوارج. وهذا أقرب مثال وأظهره يمثل أو أظهر ما يمثل به.