كتاب الصلاة  16

كتاب الصلاة 16

الدرس في كتاب الصلاة 16، الدرس السادس عشر:من( الحديث الخامس والخمسون:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... أما المعذور فقد دلت النصوص على أن أجره تام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل صلاة الجماعة وأهميتها

يُبين فضل صلاة الجماعة وأهميتها في تحقيق الوحدة الإسلامية وتزكية النفوس وتقوية الإيمان، حيث تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. يُوضح أن صلاة الجماعة تعتبر مؤتمرًا إسلاميًا صغيرًا يجمع المسلمين ويحقق مصالح عظيمة.

وجوب صلاة الجماعة في المساجد ودليلها

يُوضح وجوب صلاة الجماعة في المساجد مستدلاً بالقرآن والسنة النبوية، ويبين فضلها في تحسين العلاقات الاجتماعية وتقوية الأجساد. يُشدد على أن صلاة الجماعة واجبة حتى على المسافر في جماعة المسافرين.

تفسير كلام شيخ الإسلام حول الجماعة

يُوضح أن شيخ الإسلام أراد أن الجماعة واجبة حتى على المسافر في جماعة المسافرين، وليس شرطًا لصحة الصلاة. يُبين أن الجماعة ليست شرطًا لا تسقط الصلاة بفواتها.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها. قال: الحديث الخامس والخمسون، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الباب والحديث في سياق ذكره لأحكام الصلاة. وأقرب الألفاظ للحديث المذكور هو لفظ الإمام مسلم، فذكره بنفس لفظه. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في حديث 249/650: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث بلفظه. فرواه البخاري مثله، غير أنه قال: «تفضل من صلاة الفذ»، ولم يقل: «أفضل». وإنما لفظ «أفضل» هو لفظ مسلم فقط. قال الشارح رحمه الله تعالى: من سمات هذه الشريعة أنها تشرع في كثير من عباداتها الاجتماعات التي عبارة عن مؤتمرات إسلامية، يجتمع فيها المسلمون ليتواصلوا ويتعارفوا ويتشاوروا في أمورهم ويتعاونوا على حل مشاكلها وتداول الرأي فيها. وهذه الاجتماعات فيها من المنافع العظيمة والفوائد الجسيمة ما يفوت الحصر، من تعليم الجاهل، ومساعدة العاجز، وتليين القلوب، وإظهار عز الإسلام والقيام بشعائره. وأول هذه المؤتمرات صلاة الجماعة في المسجد، فهو مؤتمر صغير بين أهل المحلة الواحدة، يجتمعون كل يوم وليلة خمس مرات في مسجدهم، فيتواصلون ويتعارفون ويحققون نواة الوحدة الإسلامية الكبرى. التعبير بقوله «المؤتمر» وهكذا، كذلك ما ذكره من اجتماعات ونحوها، مراده رحمه الله تقريب المعنى. مراده تقريب المعنى، فكما أن لفظ المؤتمر له معاني في واقعنا المعاصر، يريد أن يقول: من معانيه السامية ومقاصده النافعة ما يمكن تحصيله وإيجاده في مثل هذه الاجتماعات التي هي في هذه الفرائض. وإلا فهي لم تسمى في الشرع، لا في الكتاب ولا في السنة، إنها مؤتمر، ولكن المقاصد الحسنة التي تذكر من وراء هذه المؤتمرات والاجتماعات هي موجودة في مثل هذه الفرائض والواجبات التي فرضها الله عز وجل. فهي صلاة جماعة فيها مصالح عظيمة، بعضها ما ذكره المؤلف رحمه الله، وبعضها غير ذلك مما ذكر في الأحاديث الكثيرة. فمن فضائلها كذلك أنها سبب لتزكية النفوس وتطهيرها، وأنها سبب كذلك لاستمرار صلة العبد بربه، وأنها سبب لتكفير الذنوب والخطايا، وأنها سبب كذلك لتقوية الإيمان، وأنها سبب كذلك لإتقان أعظم فريضة عملية وأعظم ركن من الأركان العملية. فإن المرأة إذا صلى الصلاة منفردا وحدها، ليس مثل أن يصليها في جماعة. ومن فضائلها كذلك إعانة الآخرين على الطاعات، ومن فضائلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن فضائلها إظهار شعائر الإسلام. ومن فضائلها كذلك، والفضائل كثيرة، الدينية للفرد وللمجتمع. وهكذا هناك فضائل أخرى، حتى للفرد في جسده وفي دنياه، فلها فضائل في تقوية الأجساد، ففي الذهاب والإياب قوة الأجساد وصحتها، بخلاف من لا يعرف المساجد، والذهاب إليها يستقل ذلك، يصير كسولا خمولا. وهكذا سبب لتحسين العلاقات الاجتماعية، المسلم الذي يعرف المساجد تكون علاقاته الاجتماعية أوسع -يعني بالناس في مجتمعه- أوسع من الذي لا يعرف المساجد، فإنه مغلق، ربما ما يعرف حتى جيرانه يمينا ويسارا. لو قيل: من جارك هنا؟ لقال: لا أدري. لكن الذي يذهب إلى المسجد يعرف هذا بيته هنا، وهذا بيته هنا، وهذا اسمه فلان، وهذا اسمه فلان، وهذا من القبيلة الفلانية، وهذا من القبيلة الأخرى، وهذا يعمل في المكان الفلاني، وهذا يعمل هنا، بذهابه وإيابه وتعرفه على الناس، وغير ذلك من المصالح الأخرى الكثيرة. وأشار المؤلف إلى بعضها رحمه الله، وبعضهم ذكر في فضل صلاة الجماعة أكثر من مئة فضل ومصلحة. قال رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قال: «الفذ» بالفاء والذال المعجمة: الفرد. قال: وقوله «درجة»، قال ابن الأثير: لم يقل جزءا ولا نصيبا ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فالدرجات إلى جهة فوق. ولأن الحسنة واحدة، لكن الدرجات ليست واحدة، الدرجات ليست واحدة، فالناس متفاوتون في هذه الدرجات بقدر صدقهم وإخلاصهم وإتقانهم لهذه العبادة. قال: المعنى الإجمالي: يشير هذا الحديث إلى بيان فضل الصلاة مع الجماعة على صلاة المنفرد، بأن الجماعة لما فيها من الفوائد العظيمة والمصالح الجسيمة تفضل وتزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة من الثواب، لما بين العملين من التفاوت الكبير في القيام بالمقصود وتحقيق المصالح. ولا شك أن من ضيع هذا الربح الكبير محروم، وأي محروم. ولا يعني ذلك أنها سنة لكون فيها زيادة فضل أنها سنة، لا، بل الصحيح أن صلاة الجماعة من الواجبات. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على وجوبها. من أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. قال ابن كثير رحمه الله: استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة. ومن السنة والأدلة كثيرة قول النبي عليه الصلاة والسلام للأعمى الذي يسمع النداء: «أنه لا يجد له رخصة». وقوله في أقوام يتخلفون عن الصلاة: «أنه هم أن يحرق عليهم بيوتهم». ولا يحرق بيوتهم على مستحب، بل على واجب. وقول ابن مسعود: «ولقد رأيتنا ما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». وكلها أحاديث إما في الصحيحين أو في أحدهما. قال: ما يأخذ من الحديث: في فضل الصلاة مع الجماعة -يعني في هذا الحديث- فضل الصلاة مع الجماعة؛ لأنه يزيد على صلاة المنفرد ب27 درجة. قال: وفيه قلة ثواب صلاة المنفرد بالنسبة لصلاة الجماعة، وهذا ظاهر؛ لأن المنفرد ليس في هذه الدرجات. قال: الثالث: الفرق الكبير في الثواب بين صلاة الجماعة والإنفراد؛ لأنه قال: «تفضل ب27 درجة». ولا ينافي ما جاء في بعض أحاديث أخرى: أنه 25 درجة -كحديث أبي هريرة، وسيأتي- أو بضع وعشرين درجة غير مسمى. قال بعض أهل العلم: وهذا التفاوت بتفاوت أعمال هذا المصلي، فبعضهم يستكمل الأعمال فيصل إلى 27 درجة، وبعضهم قد يقصر في بعضها فيكون له 25 درجة، وبعضهم بين ذلك يكون له بضع وعشرين درجة. والبضع من الواحد إلى التسعة. قال: الرابع: صحة صلاة المنفرد وإجزاؤها عنه؛ لأن لفظ «أفضل» في الحديث يدل على أن كل الصلاتين فيه فضل، ولكن تزيد إحداهما على الأخرى. وهذا في حق غير المعدور. أما المعدور، فقد دلت النصوص على أن أجره تام. أما غير المعدور، قوله رحمه الله: أنه له أجر نعم، أجر الواجب، ولكن عليه إثم مع ذهاب هذا الأجر الكثير. الصحيح أن عليه إثم. وبالغ بعضهم فقال: إن الصلاة لا تصح إلا في جماعة، فجعل الجماعة شرطا لصحة الصلاة، كما ذهب بعض الظاهرية. والصحيح أنها ليست شرطا لصحة الصلاة، ولكنها واجب من واجبات الصلاة. وبعضهم استدل بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيه معنى الشرطية. وليس كذلك، بل يريد رحمه الله تعالى أن يبين أنه من الواجبات التي لا تترك سفرا ولا حضرا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يترك صلاة الجماعة حتى في السفر، صلى جماعة، لكن مع جماعة المسافرين. فالمسافر لا ينبغي له أن يتساهل في الجماعة، إذ أنه مسافر، فيصلي جماعة ولو في جماعة المسافرين. يعني مثلا: أنت سافرت إلى بلدة أخرى، فإن كنت تسمع النداء في المسجد، أجب النداء إلى المسجد. تجد نفسك متعبا، جئت من سفر، والمسجد بعيد، تصلي جماعة مع من معك، جماعة مسافرين. وهكذا في سيرك وتنقلك تصلي جماعة، جماعة مسافرين. بعض الناس إذا صار مسافرا لا يصلي جماعة، هذا من لوحده، وهذا لوحده، هذا في غرفته، وهذا في غرفته. لا ينبغي أن يحرص على الجماعة وأنها واجبة حتى على المسافر. انظر فرق بين أن تقول: المسافر تسقط عنه صلاة الجماعة في المسجد مع المقيمين، وبين أن نقول: أن المسافر تسقط عنه الجماعة مطلقا. أما الجماعة مطلقا فلا، ما دامت الجماعة موجودة يجب عليه أن يصلي مع الجماعة، ولو جماعة المسافرين. وهذا الذي قصده شيخ الإسلام، فظن بعضهم أنه يريد أنها شرط لا تسقط بكل حال، وليس أراد ذلك رحمه الله، وإنما أراد أنها واجب حتى على المسافر، لكن ولو في جماعة المسافرين. وليس فيها شرط لا تصح الصلاة إلا بها، كما ذكر الشارح ها هنا.