الدرس في شرح الفرائد البهية 16، تابع: القاعدة الثالثة:المشقة تجلب التيسير. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ أقسام رخص الشرع، موضحًا أنها خمسة أقسام بحسب الأحكام الشرعية. واستشهد بمثال الأكل للمضطر كرخصة واجبة، مع توضيح الخلاف بين أهل العلم في تفاصيلها.
يتناول المقطع شرحًا لأقسام الرخص وأحكامها، حيث يبين أن الرخصة قد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة أو مكروهة. ويقدم أمثلة على كل قسم منها، مثل القصر في السفر والفطر والصيام في السفر.
يشرح المقطع قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، ويبين أنها تعني المشقة تجلب التيسير. ويقدم أمثلة على ذلك مثل العفو عن النجاسات اليسيرة، كما يوضح أن هذه القاعدة قد تنعكس في بعض الحالات.
إذا صلى إمام بالناس نافلة وأراد المأمومون أن يصلوا خلفه، فينبغي أن يصلي بهم إمامهم ويجعلها نافلة، ثم يصلي كل منهم الفريضة منفردا. هذا التصرف يمنع الفتنة ويتوافق مع الشريعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ورخص الشرع على أقسام، ورخص الشرع على أقسام قد وردت بحسب الأحكام واجبة كالأكل المضطر، وسنة كالقصر ثم الفطر بشرطه، وما يباح كالسلم، وما يكون تركه هو الأتم، قال: كالجمع، أو مكروهة كالقصر في دون ثلاث مراحل. تفي تختيم الأمر إذا ضاقت تسع، كما يقول الشافعي المتبع. وربما تنعكس هذه القاعدة لديهم، فهي أيضًا واردة. وقد يقال: ما طغى عن حده فإنه منعكس بضده. ختم رحمه الله ما يتعلق بأبيات هذه القاعدة من القواعد الكلية الخمس، وهي القاعدة الثالثة: «المشقة تجلب التيسير». ختم بذكر هذين المبحثين. أولًا: في ذكر رخص الشرع التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، فإنها باستقراء العلماء تنقسم إلى خمسة أقسام، هي على أقسام الأحكام الشرعية. وهذا هو قول رحمه الله: «ورخص الشرع على أقسام قد وردت بحسب الأحكام»، يعني قد وردت بحسب الأحكام الشرعية، فهي خمسة، فكذلك رخص الشرع خمسة. وهذا علم بالاستقراء والتتبع لنصوص الشرع ومسائل الأحكام الشرعية. أولها: الواجب، وهو قوله: «واجبة كالأكل للمضطر». وثانيها: السنة، وهو قوله: «وسنة كالقصر ثم الفطر». وقد ذكر الشراح لهذه المنظومة، وهكذا أيضًا من علق على هذه القاعدة عددًا من المسائل، بعضها محل خلاف بين أهل العلم، وبعضها محل اتفاق. فبالنسبة للقاعدة والأصل ثابت، بالنسبة للأمثلة فهي تحتاج لتأمل ونظر. فمنها ما ينطبق ويوافق الصواب، ومنها ما ليس كذلك، ومنها ما يكون محل اختلاف ووجهات نظر بحسب ما يراه المجتهد من قوة الدليل في ذلك أو عدمه. فمثلًا قوله: «واجبة كالأكل للمضطر»، يعني من أمثلة الرخص في الشرع، وهي رخصة، ولكنها على وجه الوجوب، الأكل من الميتة للمضطر. وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح فيه التفصيل. إن أريد بالأكل الأكل الذي يدفع الضرر الذي يتحقق معه هلاك النفس، فهنا يقال: نعم، هذا واجب. وأما ما زاد عن ذلك، فهو ليس بواجب، بل قد يكون محل إباحة أو إثم. ولهذا فسر قول الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ عن ابن عباس وعمر، معناه: ألا يتجاوز المأذون فيه إلى غير المأذون، فيأكل أكثر مما يحتاج، فيأكل بما يدفع عن نفسه الضرورة. ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن ضابط الواجب، أو من ضابط الواجب في الرخص، ما تحقق معه الضرر على الدين أو النفس أو العرض أو العقل أو المال، وهي ما تسمى بالضرورات الخمس. ما تحقق معه الضرر على الدين أو النفس أو العرض أو العقل أو المال، هذا ضابط. وضابط ثاني: وهو ما تعلق به حكم التوقيف الشرعي، فهو من الرخصة التي تقتضي الوجوب، رخصة تقتضي الوجوب. مثال الأول: أكل المضطر من الميتة، رخصة، لكن بما يدفع به هلاك نفسه، واجب. هذا رخصة على وجه الوجوب. مثال الثاني: ما كان على وجه توقيف الشرع، على الصحيح من أقوال أهل العلم، كالقصر في السفر، لأن الصحيح أن القصر في السفر رخصة على وجه الوجوب، لحديث عائشة رضي الله عنها: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، وأوقرت في السفر». وهذا معناه أنه لا يجوز الزيادة عليها في السفر، لأنها على أصل الإقرار. وقوله: «وسنة كالقصر ثم الفطر»، يعني مما ذكره الفقهاء، وهذا قول جمهور أهل العلم، أن القصر في الصلاة في السفر، والفطر في السفر، سنة، رخصة على وجه الاستحباب. والصحيح أنه بالنسبة للقصر واجب، وبالنسبة للفطر فسنة صحيحة، إلا إن كان فيه مضرة، فقد يكون واجبًا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر»، قال ذلك لما رأى الضرر لحق صائمًا في السفر. ولهذا كان قول من قال من أهل العلم: أن الفطر والصيام في السفر تلحقه الأحكام الخمسة، فقد يكون في بعض المواضع سنة، وهو الأفضل من قبول رخصة الله سبحانه وتعالى. وقد يكون في بعض المواضع واجبًا، أي الفطر، إذا كان في ذلك دفع الضرر عن نفسه. وقوله رحمه الله: «بشرطه ما يباح كالسلم»، وما يكون تركه هو الأتم، يعني من قسم المباح السلم، لأنه رخصة، السلم رخصة جعلت لدفع المضرة والمشقة والعسر، فأصل السلم هو تقديم المال وتأخير استلام الثمرة، بشروطه المعروفة في كتب الفقه وشروح الحديث. وقوله: «وما يكون تركه هو الأتم كالجمع»، هذا هو القسم الرابع من أقسام الرخص، ما يكون تركه هو الأتم، ترك الرخصة هو الأتم. فعندنا الآن مباح جائز بشروطه، وهو باب السلم، وعندنا كذلك ما قد يكون بمعنى الإباحة، لكن تركه أفضل، فيكون هذا بمعنى المكروه، بما يؤول إليه الأمر. وقوله: «كالجمع»، يعني بين الصلاتين، وهناك شيء محذوف، تقديره: لمن يفوته شيء أفضل منه، أي كصلاة الجماعة، وهو يستطيع ذلك، فهي رخصة خلاف الأفضل. مثاله: المسافر يجوز له أن يجمع بين الصلاتين، على ما تقدم وسبقت الإشارة إليه، لكن إذا علم أنه سيدرك وقت الجماعة، فجمعه هاهنا خلاف الأفضل، لأن صلاته مع الناس جماعة، مع علمه أنه سيدرك وقت الجماعة، هو الأفضل. وقوله: «أو مكروهة كالقصر في دون ثلاث مراحل»، ومعناه: أن من أنواع الرخص ما يكون مكروهًا، كالقصر دون ثلاث مراحل، والمراد بذلك القصر في دون ما هو محل الاتفاق، لأنهم اختلفوا في مسافة القصر. وقوله: «تفي تختيم الأمر إذا ضاقت تسع»، لم يذكرها هنا القسم الخامس، وانتقل إلى المسألة أو المبحث الثاني الذي هي خاتمة هذه الأبيات. وقد يفهم منه معنى ذلك فيما إذا كان على وجه فيه المنع، فمثلًا نضرب مثالًا أو مثالًا لرخصة هي على وجه محرم، ما إذا كانت الرخصة بوجه مرجوح، وعلى هذا قول العلماء فيمن تتبع الرخص: «تزندق»، لأنه يتتبع ما يكون به ذهاب دينه. وقوله رحمه الله: «تختيم الأمر إذا ضاق اتسع كما يقول الشافعي المتبع»، يعني من معاني تعبير هذه القاعدة «المشقة تجلب التيسير»، قولهم: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وهو بمعنى المشقة تجلب التيسير، وهو بمعنى: إن مع العسر يسرًا. ولكن هذه القاعدة هي عبارة عن توضيح لبعض الأمثلة التي تذكر، وبعض هذه الأمثلة محل اتفاق، وبعضها محل اختلاف ووجهات نظر متباعدة مفترقة. فإذا ضاق الأمر اتسع، مثلوا له بأمثلة، مثل ما لا يمكن التحرز منه، كالنجاسات اليسيرة المنتقلة بمعض الحشرات. وقولنا: أن وجود مثل هذه الحشرات وتنقلها بين النجس والطاهر سبب لتنجيس الطاهر، هذا غير صحيح، بل هذا مما يعفى عنه. وقوله رحمه الله: «وربما تنعكس هذه القاعدة لديهم، فهي أيضًا واردة»، يعني وربما تنعكس هذه القاعدة، فيقولون: إذا اتسع الأمر ضاق، هنا أولًا الأمر إذا ضاق اتسع، وهكذا العكس قد تنعكس القاعدة إذا اتسع الأمر فإنه قد يضيق. وهذا ليس على إطلاقه، ولكن قد يصح في بعض المسائل أو في مسائل محصورة وما كان بمعناها، فمثلوا له بأمثلة، من أشهر هذه الأمثلة قالوا: كالعمل القليل في الصلاة، لما كان يشق اجتنابه تسامح فيه. يعني الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يخرج عن كونه مصليًا ما دام في الصلاة، لكن الحركة اليسيرة القليلة التي قد يحتاج إليها ولا يتحرز منها يعفى عنها. وقوله رحمه الله: «وقد يقال: ما طغى عن حده فإنه منعكس بضده»، وهذا معنى ثالث، وبعضهم يجعله قاعدة أو ضابط، ما طغى عن حده فإنه منعكس بضده، ومعنى إذا تجاوز الأمر حده فإنه يمنع، فإنه يمنع. وهذا كذلك دلت عليه أدلة كثيرة، وهو كذلك منضبط بما دل عليه دليل الشرع، فليس على الإطلاق. مثال ما طغى عن حده، ومثلوا له بأمثلة، من أشهر الأمثلة التي مثلوا بها خروج الإنسان من المباح إلى المنهي عنه المحرم، سواء في الأكل أو الشرب أو اللباس. فمثلًا هناك الإسراف الذي هو التوسع في المباح في المأكل والمشرب والملبس، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، فتعدي هذا الإنسان لحده جعله ممنوعًا ومحرمًا، مع أن الأصل فيه الإباحة، الأكل والشرب واللباس، لكن لما تعدى ذلك الحد المأذون فيه صار محرمًا. وبهذا يكون قد أشار إلى معاني لطيفة يختم بها هذه القاعدة، هي بمعنى ما ذكر في هذه القاعدة. نعم، لإمامه إذا قدم لإمامة صلاة العشاء في مسجد فيه عوام، فهل يصلي قصرا فتحصل فتنة أو ماذا يفعل؟ الأولى في مثل هذه الحالة أن يجعل إمامهم يصلي بهم، فإن أحرج واضطر إلى ذلك فيصلي بهم أربعًا، لكن ينويها نافلة، ثم بعد ذلك يصلي بنفسه الفريضة، يصلي بنفسه الفريضة، حتى لا يوقع الفتنة ولا يخرج عن المأذون به شرعًا. نعم، والله تعالى أعلم.