شرح الفرائد البهية  32

شرح الفرائد البهية 32

الدرس في شرح الفرائد البهية 32، القاعدة السادسة:الحدود تسقط بالشبهات. القاعدة السابعة:الحر لا يدخل تحت اليد. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القواعد الفقهية المتعلقة بالحدود والشبهات

تناول الشيخ شرح القاعدة السادسة التي تنص على أن الحدود تسقط بالشبهات، موضحًا معناها وأصلها من الحديث النبوي وأقوال الصحابة. كما ناقش شروط تطبيق هذه القاعدة وأمثلتها.

تطبيقات قاعدة إسقاط الحدود والكفارات بالشبهات

ناقش الشيخ شروط تطبيق قاعدة إسقاط الحدود والكفارات بالشبهات، مشيرًا إلى أن الشبهة يجب أن تكون قوية وليست شاذة، وأن الحدود التي بمعنى العقوبة تسقط بالشبهات بينما الحقوق والكفارات التي بمعنى الغرامة لا تسقط.

قاعدة الحر لا يدخل تحت اليد وتطبيقاتها

تناول المقطع قاعدة فقهية وهي أن الحر لا يدخل تحت اليد، واستعرض بعض التعبيرات الأخرى لهذه القاعدة مثل عدم دخوله في العقد أو عدم ضمانه باليد، مع تقديم أمثلة وتطبيقات فقهية مختلفة.

أحكام الحبس والتعويض في الفقه

تحدث المقطع عن حكم الحبس الظالم وتعويض المتضرر، حيث يُلزَم المحبس ظلمًا بدفع تعويض يومي، بالإضافة إلى أحكام الاعتداء، معتبرًا هذا هو الرأي الصحيح في مثل هذه المسائل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة، قال: الحدود تسقط بالشبهات. قال: وباتفاق، الحدود تسقط بالشبهات، حسب ما قد ضبطوا. وأصلها من الحديث، ورد من طرق عديدة واعتمدة. لا فرق بين كونها في من فعل واردة، أو في طريق، أو محل. لكنها لا تسقط التعزير عندهم، وتسقط التكفير. وشرطها القوة فيما ذكروا جزمًا، وإلا فهي لا تؤثر. جعل رحمه الله تعالى هذه القاعدة السادسة من القواعد الكلية الجزئية، وهي عند بعض أهل العلم أشبه ما يكون أن تكون ضابطًا وليست قاعدة كلية. وإن كانت قاعدة. ويعبر عنها: الحدود تسقط بالشبهات، أو تدرأ بالشبهات، أو تندرئ بالشبهات. هذه بعض تعابير القاعدة. ويقولون: الحدود تسقط بالشبهات. ويقولون: الحدود مبناها على الإسقاط والدرأ بالشبهات. وبعضهم يزيد استثناء، فيقول: الحدود تسقط بالشبهات، بخلاف الحقوق. وبعضهم يزيد، فيقول: الحدود والكفارات مبناها على الإسقاط والدرأ بالشبهات، لا الحقوق. قولهم: الحدود تدرأ بالشبهات، أي الحدود جمع حد، وهو في اللغة - كما أشار - معناه مأخوذ من المنع، لكنه منع بمعنى خاص. لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وأما في الشرع، فهي عقوبة مقدرة رتبها الشرع على من ارتكب جريمة، وهي تختلف بحسب ما جاء في الشرع. فحد السرقة القطع، وهكذا كذلك الجروح قصاص، وغير ذلك من تفاصيل في كتاب الحدود في الفقه وشروح الحديث. ومعنى تسقط، أو تدرأ، أو تندرئ واضح. وأما الشبهات، جمع شبهة، وهو ما وقع فيه التباس واشتباه، فجهل في حكمه حلاً أو حرمة. فقولهم: والدرء بالشبهات لا الحقوق، المراد أن الحدود والكفارات هي التي يحصل فيها الدرء بالشبهات، بخلاف حقوق الآدميين. وكل حق - كما سيأتي إن شاء الله - الكلام عليه في الأمثلة. قوله: وباتفاق، الحدود تسقط بالشبهات، حسب ما قد ضبطوا، يعني باتفاق أهل العلم. وأنكر بعض الشراح على الناظم هذه العبارة، لأن العبارة هذه ليست في الأصل. وقد تقدم معنى أن الناظم إنما ينظم كلام صاحب الأصل، وهو السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر. فلذلك أنكر عليه هذا التعبير، فإن السيوطي لم يعبر به، وإن كان ما أتى به صحيح. والاتفاق ليس الإجماع، لأن الاتفاق هو قول الأكثرين. وهو كما قال، فجمهور أهل العلم. وإنما خالف في ذلك بعض من شذ على أن الحدود تسقط وتدرأ بالشبهات. فهو كما قال، لكن من باب الأمانة والانضباط بكلام صاحب الأصل، لم يعبر بلفظ الاتفاق. فصاحب النظم له وجه باعتبار أصل المسألة، ومن انتقد عليه له وجه باعتبار أن صاحب الأصل لم يعبر به. قوله: وأصلها من الحديث، ورد من طرق عديدة واعتمدة، يعني أن أصل هذه القاعدة حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة واعتمدة. وهذا الحديث رواية عن عائشة رضي الله عنها، كما أشار في التعليق. رواه الحاكم والترمذي والبيهقي مرفوعًا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إدرأوا الحدود بالشبهات عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلم مخرجًا فخذوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة». وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، لا يصح مرفوعًا. في إسناد يزيد بن زياد الدمشقي ضعيف، بل قال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وروي كذلك مرفوعًا عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواه ابن ماجة وغيره: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا». وهو كذلك ضعيف، فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي ضعيف. لكن صح هذا المعنى موقوفًا عن عدد من الصحابة، فقد صح عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، وعن ابن مسعود، ومعاذ، وابن عباس، وعقبة بن عامر. وقد أشار في التعليق إلى أثر ابن مسعود: «ادرأوا الحد والقتل عن عباد الله ما استطعتم». وأثر عمر رضي الله عنه بنحو حديث عائشة، وفيه: «لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات». رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وهذا الموقوف له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، خصوصًا أنه جاء عن جمع من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف. فهو إذن مما يستدل به. ولهذا كان قول جمهور أهل العلم واتفاق الأكثرين على العمل بهذه القاعدة التي تدل عليها هذه الآثار الموقوفة والأحاديث المرفوعة. قوله: لا فرق بين كونها في من فعل واردة، أو في طريق، أو محل، يعني لا فرق في درء الحدود في كونها في من فعل ذلك، أي من يجب عليه الحد، أو في طريق، أو محل. ومثل بأمثلة على ذلك. فمن الأمثلة التي ذكرت: في من وطأ امرأة بشبهة، سواء ظنها زوجته، أو كذلك بنكاح له وجه، وهو ليس عنده علم. وعند بعض أهل العلم له وجه، فإنه يُعذر بذلك، ولا يُقام عليه حد الزنا. لكن لا يمنع ذلك من التعزير إذا حصل منه شيء من التفريط، وعلم من قضية الحال أنه حصل منه شيء من التفريط، فيعزر وإن لم يقم عليه الحد، تأديبًا وعقوبة. وكذلك المرأة، إن حصل منها تواطؤ وتفريط في مثل هذا الأمر. ومن الأمثلة: لو أن إنسانًا شرب ما يظنه نبيذًا حلالاً، لم يصل إلى مرحلة الخمر، فوصل إلى مرحلة الخمر بتأخره، أو شدة الحر، أو غير ذلك، فسكر. فهل يقام عليه حد شارب الخمر؟ الجواب: ما دام هناك شبهة، وهو كونه إنما شرب النبيذ، وكان هذا بسبب تأخره، فإنه يدرأ عنه الحد. لكن لا يمنع ذلك من التعزير إذا علم الحاكم أنه حصل منه شيء من التفريط، أو كان مظنة التلاعب والوصول إلى الشرب. قوله: لكنها لا تسقط التعزير عندهم، وتسقط التكفير، يعني كونه يسقط عنه الحد، لا يعني ذلك أنه لا يسقط عنه ماذا؟ التعزير. والتعزير يرجع إلى الإمام في كل قضية تكتضي عقوبة لتأديبه، فيما وقع منه شيء من الاعتداء. على تفاصيل معروفة في كتب الفقه في كتاب الحدود وغيره. إذن إذا سقط الحد، فلا يعني أن يسقط التعزير. وهكذا على الصحيح كذلك الحقوق، فالحقوق لا تسقط. فإنه لو اعتدى بشبهة على إنسان، فكونه لا يجب عليه الحد شيء، وكونه يجب حق هذا الإنسان من مال، أو دم، أو عرض، أو غيره شيء آخر. فالحد هو حق الشرع، والحق هو حق هذا المخلوق. فإذا أسقط الشرع الحد بالشبهات، فلا يعني سقوط الحق. فيبقى عليه الحق. مثلا إنسان أخذ مالاً بشبهة، أخذ مالاً بشبهة كون المال ليس في حرزه، لا يوجب القطع. لأن السارق تقطع يده بشروط، ومن الشروط أن يكون المشترى في حرز مثله. فإذا أخذ مالاً مثله يوجب القطع، لكنه ليس في حرز مثله. ثم أضاعه، أو أنفقه، فهو وإن يسقط عنه الحد، يبقى التعزير. مثلا إنسان وجد ذهبًا في حوش غنم، فأخذ هذا الذهب، فقبض عليه. لا تقطع يده لأخذه الذهب من هذا المكان. لأن الذهب في مثل هذا المكان يعد تفريطًا من المالك، وليس هو حرز الذهب. وفي نفس الوقت هو ملك، وحق لإنسان آخر. فهو لأجل هذه الشبهة لا يجب القطع. لكن لا يعني ذلك أنه يسقط التعزير، فيعزره الحاكم بما يكون تأديبًا مثله. وهكذا كذلك الحق، كون الحد يسقط، لا يعني أن الحق يسقط. فلو قال: ضاع، أكلته، يبقى في ذمته. ممكن يزجنه حتى يأتي به، أو يبيع من ماله، أو بما يراه الحاكم تأديبًا وتعزيرًا وردًا لحق ذوي الحقوق. قوله: وتسقط التكفير، هذه مسألة خلافية، اختلفوا: هل الحدود تسقط الكفارة؟ هل الشبهة تسقط الكفارة أم لا تسقط الكفارة؟ وهذه المسألة - كما قلنا - فيها خلاف. والصحيح في هذا أنه فيه تفصيل. بعض أهل العلم جعل من التفصيل التفريق بين الفدية وبين كفارة اليمين. فما كان من الكفارات فيه معنى الفدية تسقط. لأن الفدية فيه حق المال. وأما كفارة اليمين لا تسقط. لأن فيه معنى الغرامة. فما كان فيه معنى العقوبة، وهي الفدية، فهو يسقط. وما كان فيه معنى الغرامة، فلا يسقط. لأن ما كان فيه معنى الغرامة أشبه الحقوق. وما كان فيه معنى العقوبة أشبه الحد. فكفارة المجامع في نهار رمضان، كفارته كفارة عقوبة. ولهذا قالوا: هذا النوع من الكفارات قد تسقط بالشبهة، مثل الجهل، أو النسيان، أو الخطأ، أو حتى على الصحيح العجز. ويدل عليه ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين في المجامع في نهار رمضان. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة، فقال: لا أستطيع. أمره أن يصوم شهرين متتابعين، فقال: هل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام؟ يعني كيف أصوم شهرين متتابعين؟ فأمره بإطعام ستين مسكينًا، فقال: والله ما بين لا بيتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بثمر وسقاء، فأعطاه إياه، وأمره أن يفرقه، فقال: يا رسول الله، على أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وضحك، وقال: «أطعمه أهلك». واختلف أهل العلم في هذا الحديث: هل معنى هذا يبقى في ذمته؟ قال بهذا جماعة من أهل العلم. أو أنه يسقط؟ قال به جماعة من أهل العلم، وهو الصحيح. لأنه لو بقي في ذمته، لأخبره به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخبره. فدل على أنه يسقط عن العاجز. أنه يسقط عن العاجز. وهكذا قال العلماء: الكفارات تسقط عند وجود الشبهات كالحدود، ولكن ما كان فيها معنى العقوبة. وأما ما كان ليس بمعنى العقوبة، وإنما معنى الغرامة، فإنه بمثابة الحقوق، لا يسقط كالحقوق لا تسقط. ومنه كفارة اليمين، فكفارة اليمين لا تسقط، تبقى في ذمة الإنسان إلى أن يستطيع، وهو مخير في ذلك. فإن استطاع وجب عليه، ولو بعد حين. قوله: وشرطها القوة فيما ذكروا جزمًا، وإلا فهي لا تؤثر. وشرطها أي العمل بهذه القاعدة، سواء قلنا في الحدود، أو الكفارات، أنها تدرأ وتسقط بالشبهات، لا الحقوق، ولا الكفارات التي بمعنى الحقوق. عرفنا الآن بعد هذا تعبير القاعدة: نقول: الحدود والكفارات مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، إلا الحقوق، وما كان بمعناها من الكفارات. طيب، لكن ذكرها هنا شرطًا، قال: وشرطها القوة فيما ذكروا جزمًا، وإلا فهي لا تؤثر. فمثلاً لا يجوز أن يعتمد الإنسان على الخلاف الشاذ، فيجعلها شبهة لإسقاط الحدود. فالخلاف الشاذ لا يسقط الحدود. ونص العلماء في مثل إباحة عطاء إباحة الجوار للوطء مسألة شاذة، شذ بها عطاء رحمه الله رحمة واسعة. فقال: كما جاز تأجير الجارية - أي الأمة - في العمل، كذلك يجوز وهي ملك أن تؤجر للوطء. وهي زلة عالم كبيرة، أخطأ فيها. وشنع العلماء في الإنكار عليه. فمثل هذا القول الشاذ - على الصحيح - لا يدرأ به الحد. فمن فعل مثل هذا، يقام عليه الحد بحسبه، حرًا أو عبدًا، بكرًا أو ثيبًا. حتى لا يتلاعب بهذا الباب. ومثله - على الصحيح - نكاح المتعة، وإن كان بعض أهل العلم جعل نكاح المتعة أنه مما تدرأ به الحدود. لكن لبعض مشائخنا تفصيل، فيقول: في موطن تكثر فيه الفتوى به، مع قلة العلم والجهل، قد يدرأ به الحد. وفي موطن يظهر علم الناس بحرمته، مع ندرة وقلة وقوعه، فإنه لا يعتبر به. ويؤيد هذا ما صح عن عمر رضي الله عنه من عدم إقامة الحدود في عام الرمادة، لشدة الفقر والفاقة وما بلي به الناس. فإنه لم يقم الحد لأجل ما وقع في الناس من شدة. فإذن يراعى الزمان والمكان في بعض القضايا التي قد تكون محل شبهة أو إشكال لبعض الناس. وبمثل هذا التفصيل - على الصحيح - النكاح بغير ولي، فإنه قول شاذ للحنفية. وإن كان القول الصحيح الذي دلت عليه النصوص الشرعية هو هذا. مع التنبه من التفصيل المشهور عند الحنفية، وحتى عند الرافضة في نكاح المتعة. فللعلماء تفصيل دقيق يذكرونه، هو مما يفصل به هؤلاء. فالرافضة في نكاح المتعة يفرقون بين البكر والثيب، فيجعلون الثيب تملك تزويج نفسها، والبكر لا تملك ذلك، بل لابد عبر وليها. فإذا بين المسألتين فرق. فمن علم منه أنه فعل الشيء، وليس له أدنى متمسك من شبهة، فإنه يقام عليه الحد. ويزداد هذا إذا كان في موضع علم حرمته ومذمته. يقال في مسألة النكاح بغير ولي: فإن الحنفية يفرقون بين البكر والثيب. فإذا وقع من بكر، أو في بكر، فإنه يشدد فيه ما لا يشدد في الثيب، خصوصًا إذا عمت به البلواء. ففي بعض البلاد ربما تكون فتوى الحنفية هي السائدة، مع قلة العلم، وتفشي هذا المذهب، وانفلات الناس، وانفتاح المجتمع. قال رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة: الحر لا يدخل تحت اليد. قال: والحر غير داخل تحت اليد في قول كل عالم معتمد. هذه قاعدة جعلها رحمه الله من القواعد الكلية الجزئية. ويجعلها غير من أهل العلم: ليست قاعدة كلية، بل بعضهم يجعلها أشبه ما تكون بالضابط. ومعنى هذه القاعدة: أي الإنسان الذي ليس بعبد، ولا رقيق، وهو المسمى بالحر، غير داخل تحت اليد. والمراد باليد: أي التمليك. فليس هو ممن يمتلك. فلا يعامل معاملة المملوك. فلا يباع، ولا يشترى، ولا يوهب، ولا يتصرف فيه تصرف المملوك. لأنه حر. ومنه كذلك مسألة الضمان، فلا يضمن كما تضمن المملوكات. لأنه ليس بمملوك. هذا معنى القاعدة. ويعبر عن هذه القاعدة بتعبيرات أخرى هي بمعنها. من هذه التعبيرات: يقولون: الحر لا يدخل تحت اليد والاستيلاء. يزيدون: والاستيلاء، لتأتي مسائل - كما سيأتي إن شاء الله - التنبيه عليها. ويعبر عن القاعدة كذلك بقولهم: الحر لا يدخل في العقد. ويريدون بالعقد: أي ما يكون في معنى المملوك. وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. ويعبر عن القاعدة كذلك بقولهم: الحر لا يضمن باليد، يعني ليس هو كالمال فيكون فيه محل الضمان. ويعبر عن القاعدة كذلك بقولهم: الأصل في الناس الحرية. هذه مجموعة من القواعد تدور حول معنى القاعدة التي أشار إليها رحمه الله تعالى. قوله: في قول كل عالم معتمد، يعني أن هذه القاعدة قال بها كل عالم معتمد. وفي هذا إشارة: أنه لم يخالف فيها إلا من شد. لم يخالف فيها إلا من شد. والصحيح في هذه القاعدة التفصيل في معنى عموم هذه القاعدة. فيفرق بين ما كان فيه معنى التملك، وما لم يكن فيه معنى التملك - كما سيأتي إن شاء الله - بالأمثلة. ولهذا حصلت في بعض المسائل شيء من الخلاف. وأشار في التعليق إلى أن من ادعى الإجماع فهو غير صحيح. بل القاعدة من القواعد الأغلبية، والمسألة فيها خلاف. ومن أمثلة هذه القاعدة: لو أن رجلاً استأجر حرًا، استأجر إنسان رجلاً حرًا، فلا يجوز تأجيره لغيره إلا بإذنه. لأنه ليس بمملوك. المملوك ممكن تحوله يعمل هنا، يعمل هنا كما تشاء. لكن المستأجر لا، لا يجوز تحويله لغيره إلا بإذنه. لأنه ليس بمملوك. الحر غير داخل تحت اليد في قول كل عالم معتمد. وأدلة ذلك عمومات الأدلة في التفريق بين الحر والعبد. وتحت هذا ما لا يحصى من المسائل مما يدخل تحت هذا المعنى. ومنه ما أشار إليه في التعليق في مسألة الضمان. فلو حبس إنسان شخصًا، فمنع منه الطعام والشراب بالخطأ، فمات هذا الإنسان. هل عليه الدية أم ليس عليه الدية؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم النظر إلى هذه القاعدة، فقالوا: هذا ليس بمال، فإذا كان كذلك ففيه الدية. فهو إنسان مسلم حر، فيه الدية. قتله خطأ، ففيه الدية. ومن نظر إلى حبسه بحق، كون حبسه بحق، وكونه أخطأ في كيفية الحبس، فهنا قالوا: لا شيء عليه. ومنهم من خالف في هذه القاعدة، فنزله - ما دام أنه حبسه بحق - تنزيل المال المملوك. فقالوا: يضمن ما يكون به قيمة مثله. وهذا الأخير لا شك أنه شاذ، ليس بصحيح. والصحيح في هذه المسألة: أن عليه الدية إذا تحقق الخطأ، لعموم الأدلة في هذا الباب. ومن أمثلته كذلك: لو حبس إنسان شخصًا، ففاتت منفعة على هذا الشخص. فهل عليه الضمان أم ليس عليه الضمان؟ وهذا كذلك الصحيح فيه التفصيل. فلو كان حبسه بحق لاعتدائه، فليس عليه الضمان. ولو كان بغير حق، فعليه الضمان تبعًا للأصل. فمثلاً حبسه فتعطلت منافع عليه، فينظر: لماذا حبسه؟ إن حبسه لأنه معتدي، أراد بذلك دفع هذا الاعتداء، وهو ينتظر إتيان أهله لينظروا في قضيته، ولم يأتي أحد، فهو ليس بمعتدي. والضمان بالخراج، وليس لعرق ظالم حق - كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم - فليس لعرق ظالم شيء في هذا. وهذا عام، وهذا منه. وأما إذا كان هو المعتدي بحبسه، فيلزم - بعد أداء حق هذا المعتدي - هذا المعتدَى عليه أن ينظر في المصالح التي فاتت عليه. فمثلاً قال: أنا كانت عندي سيارة أعمل فيها، تدخل لي في كل يوم خمسة آلاف. فيلزمه في كل يوم حبس ظلمًا عند هذا الرجل أن يدفع له خمسة آلاف، غير ما يكون من حكم عليه لأجل الاعتداء في هذا الحبس. وهذا هو الصحيح في مثل هذه المسائل. والله تعالى أعلم. إلى هنا انتهت المادة.