الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 41، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يصف حديث نبوي عقوبة أصحاب الأموال الذين لا يؤدون حق الله فيها يوم القيامة، حيث يُعذبون بحسب نوع مالهم. يُعاد تعذيبهم لمدة خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد.
تارك الزكاة لا يعتبر كافرا بل يعذب بقدر ذنبه ثم يدخل الجنة أو النار، وهذا رأي عامة أهل السنة. الأعمال الأخرى مثل الصيام والحج لا تعتبر كفرا إذا تركت.
يشرح المقطع مسائل مستفادة من حديث النبي حول منع الزكاة وعقاب مانعها، ويبين أنواع الزكاة الواجبة في مختلف الأموال مثل الإبل والبقر، ويشير إلى عدل الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الحادي والأربعون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: وحدثني سويد بن سعيد، قال: حدثنا حفص يعني ابن ميسرة الصنعاني، عن زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة سُفحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأضلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: «الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر. فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر. وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر. وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات». قيل: يا رسول الله، فالحمر؟ قال: «ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». هذا الحديث حديث عظيم، وهو من الأحاديث الجامعة، وفيه مسائل كثيرة. ومن أهم هذه المسائل مسألة هذا الفصل، وهو أن في هذا الحديث دليل على أن أهل المعاصي، وأن الفاسق المليء لا يخرج من دائرة الإسلام. ومن ذلك مانعو الزكاة، أن مانع الزكاة والزكاة ركن من أركان الإسلام، من امتنع عن أداء الزكاة فإنه يعذب بقدر ذنبه، ثم ينظر إلى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار. وفي هذا دليل على أنه ليس بكافر. فإذا كان تارك الفرض وهو الزكاة ليس بكافر، فما دونه من الذنوب والمعاصي من باب أولى. وهذا هو القول الصحيح، وهو قول عامة أهل السنة. وأما ما يروى وذكره بعض أهل العلم، ومنهم ابن رجب رحمه الله، من أنه روي عن أهل السنة وعن سلف الأمة خاصة في الزكاة والحج والصيام روايتان، في أن من هاتين الروايتين أنه كفر مخرج عن دين الإسلام، ورواية أنه معصية، فهذا القول في الحقيقة خلاف الصواب. بل الصواب الذي دلت عليه الأدلة، والذي تقضي أقوال السلف الصريحة الصحيحة أنهم لا يقولون بكفر تارك الزكاة، وكذلك تارك الصيام، وكذلك تارك الحج. ويؤيد ذلك ما جاء عن عبد الله بن شقيق، قال: «لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة». فدل ذلك على أن ما سوى الصلاة من الأعمال ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرون ذلك كفرا. والمسألة الثانية من مسائل هذا الحديث، فيه عظم جرم مانع الزكاة، وأن من عظيم جرمه أنه يعذب قبل الفصل بين الناس، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. اليوم الواحد مقداره خمسين ألف سنة من يوم الدنيا، وأنه يعذب على هذا الوصف المذكور في هذا الحديث. وفي غير هذا الحديث، فإن دل ذلك على شيء، دل على عظيم جرم منع الزكاة. ومن مسائل هذا الحديث كذلك، في أن الحق الواجب في المال ليس الزكاة المفروضة في المقادير المذكورة شرعا فقط. بل هذا أحد نوعي الزكاة الواجبة. فالزكاة الواجبة في الأموال تنقسم إلى قسمين: قسم جعل بأنصبة معلومة محدودة معروفة شرعا، وجعل نصاب الذهب عشرون دينارا، وهكذا نصاب الفضة، وجعل في ذلك ربع العشر. والنوع الثاني من نوعي الزكاة الواجبة هو أداء وإعطاء المستحقين مما يفضل من المال. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ومن حقها حلبها يوم وردها». يعني من الحق الذي يعذب عليه صاحب الإبل أنه لا يحلبها يوم وردها، ويعطي من فضل اللبن الذي في ضروعها. والمسألة الثالثة من مسائل هذا الحديث، كذلك في هذا الحديث عظيم عدل الرب جل وعلا، وأن من حكمة الله جل وعلا وعظمته سبحانه في عدله أنه لا يظلم المحسن في إحسانه شيئا، ولا يتجاوز عن المسيء من إساءته شيئا. فانظر كيف قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يُبطح في قاع قرقر أوفر ما كانت في الدنيا في الإبل». يعني أحسن وأسمن ما كانت في الدنيا، حتى يتعذب على ما كان يمنع أحسن ما كانت هذه الإبل حين كان يبخل بها. وفيه دليل على القول الراجح من أقوال أهل العلم في وجوب الزكاة في البقر، فإن بعض أهل العلم ذهب إلى عدم زكاة البقر، والصحيح أنه قد دلت الأحاديث على وجوب الزكاة فيها. ومن هذه الأحاديث هذا الحديث، فإنه ذكر فيها اسم البقر. وفيه كذلك الإشارة إلى أن الخيل ليس فيها زكاة، كما جاء في مسلم من حديث ابن عمر: «ليس على الرجل في فرسه وعبده صدقة». وفيه أن الناس مع ما يملكون مما لم يجب فيه الزكاة ثلاثة أصناف: صنف اتخذها رياء وفخرا، وصنف اتخذها سترا، وصنف اتخذها أجرا. وفي آخر هذا الحديث قاعدة عظيمة في هذا الباب، فإنه سئل عن الحمر، فقال عليه الصلاة والسلام: «لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفذة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». يعني إذا احتسب الخير في الحمر، فإنه يكتب له فيها أجر، وإن أراد بها غير ذلك، يكتب عليه فيها وزر. وبه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.