شرح خمسون حديثا في العقيدة 42

شرح خمسون حديثا في العقيدة 42

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 42، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث البراء بن عازب وتفسير الآيات

يشرح المقطع الحديث الثاني والأربعين عن البراء بن عازب ويبين أن الآيات التي تتحدث عن من لم يحكم بما أنزل الله نزلت في الكفار. كما يفسر الآيات الخاصة بالحكم بغير ما أنزل الله ويوضح أن كفر من يفعل ذلك يعتمد على اعتقاده ونواياه.

سبب نزول الآيات الخاصة بالتحاكم إلى غير ما أنزل الله

نزلت الآيات في اليهود والمنافقين الذين كانوا يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، وتدل على كفر من يجحد حكم الله أو يعتقد أن حكم غير الله أفضل أو مثله. وتوضح أن عدم التحاكم إلى ما أنزل الله عن معصية أو شهوة دون جحود يكون كفرا دون كفر.

استدلال الخوارج والعبادية وتشابه سلوكهم

يبرز المقطع كيفية استدلال الخوارج والعبادية مع عبد الله بن عباس، ويشير إلى تشابه سلوك الخوارج في الماضي والحاضر. يوضح أهمية فهم هذا السياق لمعرفة المقصود والمناسبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثاني والأربعون. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: «هي في الكفار كلها». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة، خصوصا في هذا الزمان الذي ابتلي به المجتمع بفتنة التكفير، هذه الفتنة التي هي من أعظم الفتن التي تضر بالإسلام والمسلمين، وهي فتنة قديمة سابقة، كان لها أناس يدعون إليها، فخلفهم خلوف، ولا يزالون، كما مر معنا في حديث ابن عمر. فبهذا الحديث بيان أن هذه الآيات عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بيان أن هذه الآيات نزلت في حق الكفار جميعا. وفي هذا الحديث شيء من الانقطاع أو مظاهر الانقطاع، خصوصا في رواية الأعمش وعنعنته، وعبد الله بن مرة وعنعنته، إلا أن ذلك لا يضر. أولا: أن بعض العلماء جعل مثل هذا مما لا يضر. وثانيا: أن هذا مؤيد بحديثين: مؤيد بسبب نزول هذه الآيات بحديث البراء، كما رواه الإمام مسلم، وذكره شيخنا، رحمه الله، في «الصحيح المسند من أسباب النزول». ومؤيد كذلك بما كان كذلك سببا آخر في نزول هذه الآيات في قصة عبد الله بن عباس، ورواه الإمام أحمد وغيره، في قصة اليهود أو قبيلتي اليهود، وما كان بينهما من التنازع. والأولى قصة البراء، في قصة اليهود واليهودية الذين رجم، فنزلت فيهم هذه الآية. وقد رويا مطولا، وخرجه شيخ الألباني، رحمه الله، في «السلسلة الصحيحة» في الجزء السادس. فهذا يؤيد هذا الحديث ويشهد له ويؤكده. وهكذا الآثار الكثيرة التي رويت في هذا الباب. فإن هذه الآيات سبب نزولها أنها نزلت في اليهود، في قصتين: القصة الأولى في قصة الرجم، حين أراد اليهود أن يخفوا ذلك، فبيّن عبد الله بن سلام أنها موجودة، أي آية الرجم موجودة في التوراة، حين غطاها الرجل بيده. وهكذا كذلك نزلت هذه الآيات في حق اليهود، فيما كان من نزاع وقتال بين قبيلتين، فلما جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، أرسلوا بعض المنافقين ينظرون هل يجدون في ذلك صلحا يوافق ما يهوون. فلما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأراد بعض المنافقين أن يسألوه عن ذلك، أخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما أراد اليهود منه، فنزلت عليه هذه الآيات في سورة المائدة. وعلم بهذا أن هذه الآيات نزلت أولا في حق الكفار. وإن قال قائل: وقد وقع ذلك لأبي مجلز، رحمه الله تعالى، كما روى ذلك ابن جرير بإسناد صحيح: أن جماعة من الأباضية، وهم فرقة من فرق الخوارج، جاءوا يناظرونه في بعض الأمراء، فذكروا له هذه الآيات الثلاث، فذكر لهم أنها في الكفار وأنها في اليهود والنصارى. فبينوا أو طلبوا أن يأخذوا بعموم اللفظ، ثم قالوا له: إن هؤلاء الأمراء لم يحكموا بما أنزل الله، وقال الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: «هؤلاء لهم دينهم -يعني الأمراء- ما داموا مسلمين، فهو كفر دون كفر، ومعصية دون معصية». فقالوا له: «أما إنك تفرق -يعني تخاف- أنت ما قلت هذه الفتوى إلا أنك خائف». فرد عليهم، رحمه الله، بما رد، من أن الخوف ليس منهم، ولكن منهم هم الذين يخافون أن يظهر الحق للناس، فيكون بذلك انكشاف بدعتهم. فهذه الآيات نزلت في حق الكفار، وهي كذلك في كل من كان على مثل حال الكفار الذين يجحدون حكم الله. وأما من لم يحكم بما أنزل الله عن معصية وعن شهوة، لم يجحدها، بأن يعتقد أن حكم غير الله أفضل، أو أن حكم غير الله مثل حكم الله، فإن ذلك هو الكفر الذي يخرج من الدين، ويكون عدم التحكيم على هذا المعنى كفرا أكبر. وأما إذا كان هو يعتقد أن حكم الله هو الأفضل، وهو الأحسن، وأنه لا يساوي شيء من الأحكام، ولكن لضعف دينه، ولغلبة شهوته، ولخوفه وضعفه، حكم بغير ما أنزل الله، فهو عاصي، وكفره كفر دون كفر. وقد جاءت بهذا الآثار الكثيرة. فمن ذلك ما رواه ابن جرير بأسانيد كثيرة صحيحة، عن عبد الله بن عباس، بأنه «كفر دون كفر». قال: «ليس الكفر الذي تذهبون إليه -يعني الخوارج- ولكنه كفر دون كفر». وهكذا جاء عنه في رواية: أنه من جحد ذلك كان كفرا أكبر، ومن لم يجحد، فإنما هو كفر دون كفر. وهكذا جاء هذا المعنى عن عطاء بن أبي رباح، وهو أحد أئمة التابعين: «أنه كفر دون كفر في حق المؤمن، وكفر أكبر في حق الكافر». وجاء كذلك عن طاووس، وجاء كذلك عن أبي مجلز، بأسانيد صحيحة، ذكرها ابن جرير، رحمه الله، بتفسير هذه الآيات، وأشار إلى صحتها كذلك الشيخ الألباني، رحمه الله، في الحديث الفين وخمسمائة واثنين وخمسين، حديث عبد الله بن عباس في سبب نزول هذه الآيات. وبين ابن جرير، رحمه الله، بعد أن ذكر أقوال أهل العلم بمعنى هذه الآيات: أن القول الصواب والحق هو هذا الذي يروى عن عبد الله بن عباس، وعن هؤلاء التابعين الأئمة، وهو قول أهل السنة جميعا، من لدن الإمام أحمد، ومن قبله، ومن بعده، إلى يومنا هذا: أن هذه الآيات هي كفر دون كفر في حق المسلم، وهي في غير المسلم الكفار كفر أكبر. وكذلك من سلك مسلك الكفار من العلمانيين، ومن كان على طريقتهم ممن يجحد حكم الله، فيقول مثلا: قطع يد السارق بشاعة وشناعة، لا يليق في هذا العصر، وهو مما ينبغي أن ينزه عنه الإسلام. فهذا كفر؛ لأنه جحد هذا الحكم. ونحو ذلك مما يكون فيه تشبه بالكفار في الجحد، فيكون كذلك كفرا أكبر. وأما ما سوى ذلك، فهو كفر دون كفر. هذا هو فهم أهل السنة لهذا. وبهذا نعلم خطأ كل من استدل بهذه الآيات الثلاث، خصوصا الآية الثانية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإنها في الحقيقة كما فهمنا. وإنما هذا هو مسلك الخوارج قديما وحديثا. فانظروا كيف استدل العبادية، وقبل ذلك الخوارج، مع عبد الله بن عباس. وهكذا كذلك الخوارج في هذا الزمان. وبه نفهم المقصود، ونعرف المناسبة. وبهذا نكتفي، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.