شرح خمسون حديثا في العقيدة 43

شرح خمسون حديثا في العقيدة 43

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 43، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في قاعدة درء المفاسد

استدل العلماء بحديث عائشة على قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور جائزة إذا أدت إلى مفاسد أكبر. هذه القاعدة لها شواهد من الكتاب والسنة وتُستخدم في مسائل مختلفة.

تطبيق القاعدة في مسائل الشريعة

يشرح المقطع قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكعبة وكيف لم يغيرها خشية الفتنة، ويستخلص درسا حول مراعاة المصالح والمفاسد عند تطبيق أحكام الشريعة. كما يتطرق إلى أهمية مراعاة المفسدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تفاصيل تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد

يتحدث عن أهمية فهم تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد وفق ضوابط شرعية، ويشير إلى أن الحق يكمن في الوسط بين الإفراط والتفريط. كما يلخص الدروس المستفادة من حديث معين ويشكر الله على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثالث والأربعون. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني أبو الطاهر، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت نافعًا مولى بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية -أو قال: بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث أورده الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الحج، أو في سياق ذكره لحديث كتاب الحج. واستدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة فقهية عظيمة، وهي: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ووجه ذكر هذا الحديث في هذا الموضع هو أنه لما ذكرت مسائل الكفر، وكذلك أحكام ولاة الأمر وما عليه فتنة أهل التكفير، ناسب أن يذكر هذا الحديث؛ لما فيه من التنبيه للقاعدة الفقهية العظيمة التي هي أصل من الأصول العلمية المهمة التي لا يستغني عنها المسلم، فضلًا عن طالب العلم. فليس كل شيء جاز في الشرع فإنه ينفذ ويطبق، فبعض الجائز يؤخر، بل يجب تأخيره لهذه القاعدة الفقهية. ولهذا شواهد من الكتاب ومن السنة. فمن شواهد ذلك ودلته من كتاب الله قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. سبوا آلهة المشركين مما يكون فيه قربة ونصرة لدين الله عز وجل، وكذلك من الجهاد القولي مع الكافرين والمشركين. ومع ذلك نهى ربنا جل وعلا عن ذلك إذا كان سيؤدي إلى مفسدة أعظم، وهو سب الله جل وعلا. ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم، وهذا كذلك في السنة حديث كثيرة منها هذا الحديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قد هممته في أمر الجماعة -أي صلاة الجماعة- أن أمر رجلًا فيقيم الصلاة وأمر رجلًا فيصلي بالناس، وأتخلف إلى أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم». وما هو الذي منع النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك؟ هو ما في تلك البيوت من النساء والأطفال ومن لم تجب عليه هذه الصلاة. وهذه قاعدة عظيمة لها أمثلة وشواهد كثيرة في الشرع. وكذلك في مسألتنا هذه، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -كما مر معنا- حرم على المسلمين الخروج على ولي الأمر إلا أن يروا كفرًا بواحًا. ومع ذلك إذا رؤي الكفر البواح لا يلزم منه الخروج؛ لهذا الحديث وأمثاله، ولهذه القاعدة: فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وهذا الذي أوقع بعض المسلمين في مفاسد عظيمة بسبب عدم فهمهم لمثل هذه المسألة. وهذا كذلك ليس كل من ثبت عليه حكم الكفر فإنه يعلن بحكم الكفر عليه؛ إذ درء المفاسد أولى من جلب المصالح. لهذا الذي فهمناه من هذا الحديث، وهذا غيره كثير. فننتبه بهذا الحديث لهذه القاعدة. ومعنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يعمل ثلاثة خصال في الكعبة، ولكن الذي منعه منه هو كون أهل مكة -أي الذين يسكنون في مكة- حديثا عهد بجاهلية؛ لأنهم أسلموا في عام الفتح. متى كان عام الفتح؟ سنة ثمانية. ومتى توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ في السنة العاشرة. فإذا كان كذلك، فإذا ما مضى زمن كثير لأهل مكة حتى يثبت الإيمان في قلوبهم، فهذا الذي منع النبي عليه الصلاة والسلام من فعل ذلك. وهذه الخصال الثلاث هي: أن ينفق كنزها في سبيل الله. كان للكعبة كنز، وقيل: إنه لا يزال موجودًا إلى اليوم. والذي منعه، أراد أن ينفقه في سبيل الله، يعطيه للمستحقين أولى من إبقائه في البيت. وهكذا أراد أن ينزل الباب إلى الأرض، وأن يجعل بابًا آخر من الخلف يدخل منه الناس ويخرجوا. وأراد كذلك ثالثًا أن يعيد بناء البيت على أساس إبراهيم. وكان أساس إبراهيم أن منتهى البيت وعند الحجر -الذي اليوم عليه بناء مثل شكل القوس- كان منتهى البيت إلى الحجر. وأساس إبراهيم ما زال موجودًا تحت الحجر. وإنما فعل ذلك أهل مكة؛ لأن البيت لما انهدم عليهم قصرت بهم النفقة، فعزموا على أنفسهم أن لا يعيدوا البيت إلا من خالص أموالهم، فجمعوا ما عندهم من مال فلم يكفي لإعادة البيت على أساسه، فجعلوه على هذا البناء الذي هو عليه اليوم. فكان لازما عليهم أن ينبهوا على منتهى البيت، فجعلوا هذا الحجر -أي إشارة منهم- إلى أن منتهى البيت وأساسه إلى هذا المكان، فصار الحجر وما بداخله من البيت. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيد البيت على أساس إبراهيم، لكن الذي منعه هو هذا: فتنة قريش. فإن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى ذلك في روايات أخرى ذكرها الإمام مسلم رحمه الله؛ فإنه خشي فتنتهم أن يفتتنوا، فأن يقولوا: غير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل شيء، حتى البيت فيكم ذلك فتنة أن يردوا شيئًا من حكم من حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ربما كان ذلك سببًا لردة بعضهم، فخشي النبي عليه الصلاة والسلام عليهم ذلك، فما فعل شيئًا من ذلك خشية لهذه الفتنة. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم راعى مثل ذلك، وهو رسول الله يوحى إليه الوحي من السماء، ويؤيده الله جل وعلا، فمن دونه من باب أولى أن يراعي مثل هذه المسائل، فينظر إلى المصالح والمفاسد. والناس في المصالح والمفاسد على قسمين: قوم لا يبالون بذلك -يعني قسمين فاسدين- ووسط بينهما وهو الثالث. قوم لا يبالون بذلك فيكونوا بذلك مرتكبين للمفاسد غير مبالين لعواقب ذلك، وهؤلاء على خطأ. وقوم آخرون يغلون في باب المصالح والمفاسد، فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر على هذا المعنى، وهذا ليس بصحيح. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعية، وإقامة دين الله جل وعلا من الواجبات الشرعية. وليس شيء من دين الله عز وجل يقوم إلا ومعه شيء من المفسدة، لكن الفقه أن تراعي هذه المفسدة: هل المفسدة تكون مساوية أو أعلى؟ ولهذا نبه العلماء أن الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر له مع أمره ونهيه ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يكون إنكار المنكر أو الأمر بالمعروف يصاحبه شيء من المفسدة هي دون هذه المصلحة التي فيها الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، فهنا يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعفى ويتغافل ويتعافى عن هذه المفسدة اليسيرة التي تندرج وتنعفي داخل هذه المصلحة العظيمة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المراد إقامته. والقسم الثاني أو الحالة الثانية: أن تكون المفسدة المعارضة لإقامة هذا المعروف والنهي عن ذلك المنكر أعظم من المصلحة المترتبة من هذا المعروف المراد إقامته أو المنكر المراد إنهائه، فهنا لا شك أنه يتأخر في هذا الذي يراد إقامته من معروف أو نهيه من منكر. مثل هذا الحديث الذي عندنا الآن. ومثال الأول: الجهاد في سبيل الله. الجهاد في سبيل الله لا شك أن فيه شيء من المفسدة، ففيه إضاعة لبعض المال، وفيه إزهاق لبعض الأنفس، وفيه كذلك عرضة لبعض الأخطار. لكن بعد الإعداد الصحيح الحسي والمادي، فإن هذه المفاسد ليست بشيء أمام المصالح العظيمة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾. وفي السورة الأخرى: ﴿كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. الفتنة هي الكفر، فكون الدين كله يكون لله أعظم مما يكون من مفسدة في إضاعة بعض المال أو إزهاق بعض الأنفس أو التعرض لبعض الأخطار. وقسم ثالث: أن تتساوى المصلحة والمفسدة. فإن تساوى المصلحة والمفسدة، فهنا صاحب هذا الأمر وهذا الشأن بالخيار في النظر إلى القرائن الأخرى في ترجيح المصلحة على المفسدة أو المفسدة على المصلحة. فمثلًا وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن وجد أقوامًا من المغول يشربون الخمر ويفعلون بعض المنكر، فتركهم هم يفعلون منكرًا -منهم على إسلام ومنهم على كفر ومنهم على نفاق- ولم ينه عن هذا المنكر؛ لأنه ظن أو غلب على ظنه بقرينة أخرى أن هؤلاء لو استفاقوا من هذا المنكر ربما أعانوا لمنكر أعظم منه، وهو قتل المسلمين وسفك دمائهم، ويعاونوا البغاة الذين يغزون المسلمين، فرأى تركهم فلم يأمر بالمعروف. فهنا جاءت عنده قرائن رجحت أحد الأمرين على الآخر. وهكذا كذلك بعض الناس إذا واجهوا شيء من ذلك، فينبغي أن ينظر إلى مثل هذا. إذا رأى أن بعض المنكر الذي يتركه سيكون فيه مفسدة ليست كالمفسدة المترتبة من هذا النهي الذي سينهى به -مثل الداعي إلى الله عز وجل- أحيانًا يتردد في بعض الأشياء، يجد بعض المنكرات لكنها معانة من بعض أهل السوء ممن ينتسب إلى السلطات، فهو ينظر أيهم أعظم: ترك هذا المنكر في هذا الرجل أو إنهاؤه مع توقع مفسدة في دعوته وفي كذلك استمراره في الخير الذي هو فيه. فإن وجد قرائن ترجح أن مفسدة إنهاء هذا المنكر أخف من المفسدة المتوقعة في الإعراض به -كداعي إلى الله- فهنا يرجح هذا. وإن رجح العكس توقف. وإن تردد، فهنا الأولى في حقه أن يتجنب المخاطرة -أن يتجنب المخاطرة- يعني يتوقف. إذا تساوت المصلحة والمفسدة فإنه يتوقف ولا يخاطر بدعوته وبالخير الذي معه. وهكذا ينبغي أن نفقه، وبهذا نعرف أن تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد في الحقيقة لها ضوابط وقواعد شرعية لا يلتبس أمرها. والحق وسط بين المفرطين والمفرطين. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي. والحمد لله رب العالمين.