الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 27، الدرس السابع والعشرين : فيه من قوله ( ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ... صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا ! ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ مسألة تفسير القرآن بالرأي والهوى ويبين مخالفتها لتفسير السلف الصالح. يشير إلى أمثلة من التفاسير الخاطئة التي تخالف اللغة العربية وتفسير السلف.
ينبه الشيخ على خطأ تخصيص الآيات بشخص معين دون دليل ويوضح أهمية تفسير القرآن وفق الضوابط العلمية الصحيحة. يشير إلى أخطاء المفسرين بسبب البدعة أو الجهل.
يناقش انتقاد ابن عطية لتفسير بعض الآيات القرآنية وميله لتفسيرات مغايرة لتفسير السلف الصالح. يبرر بعض أهل العلم ذلك باهتمامه بالجوانب اللغوية.
يفسر أهمية الاعتماد على تفسير السلف الصالح وفهم اللغة في تفسير النصوص القرآنية. يبين أن الصحابة والتابعين قاموا بتفسير القرآن وفق هذه الضوابط.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ومن يقارب هذا من بعض الوجود، ما يذكره كثير من المفسرين، بمثل قوله: ﴿الصابرين والصابرات والقانتين والقانتات﴾، عندي الصابرين والصادقين، صح، قال: مثل قوله: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنتقين والمستغفرين بالأسحار﴾، أن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنتقين عثمان، والمستغفرين علي. وبين بقوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾، قال أبو بكر: «أشداء على الكفار»، قال عمر: «رحماء بينهم»، قال عثمان: «تراهم ركعا سجدا»، قال علي: ... قالوا: أعجب من ذلك قول بعضهم: ﴿والتين والزيتون﴾، أبو بكر، والزيتون عمر، وقور سينين عثمان، وهذا البلد الأمين علي. وأمثال هذه التأويلات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص. وقوله تعالى: ﴿والذين معه﴾، أشداء على الكفار، وقوله: ﴿رحماء بينهم﴾، تراهم ركعا سجدا، كل ذلك نعت للذين معه، وهو الذي يسميه النحاة خبرا بعد خبر. قال: والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد، وهم الذين معه، ولن يجوز أن يكون كل منها مرادا بشخص واحد. وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام حصراً بشخص واحد. فقوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، أريد بها علي وحده. وقول بعضهم: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾، أريد به أبو بكر وحده. وقوله: ﴿لا يستوون منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾، أريد بها أبو بكر وحده، نحو ذلك. أراد -رحمه الله تعالى- أن ينبه في هذه الفقرة إلى معنى غريب من المعنى الذي ذكره، وذكره في الدرس السابق، وهو أن طائفة فسروا القرآن بالهوى، وفسروا لفظ القرآن بما لا يحتمله اللفظ، وخالفوا بذلك تفسير السلف، فكان قريبا من هؤلاء المتجتهدين قوم آخرون، أهل جهل بالعلم الشرعي وقواعده وضوابطه، وهو يفسرون القرآن بالرأي المجرد، فربما اللفظ لا يحتمل هذا التفسير. مثل هذه الآية التي ذكرها: ﴿والذين معه﴾، قال أبو بكر: أشداء على الكفار، إلى آخره، لأن اللفظ يدل على أن هذه صفات متتابعة لموصوف واحد، وهو الذي يسميه النحاة خبرا بعد خبر، أي أخبار لمخبر واحد. فمما لا يقتضيه أمر اللغة ولا سياق الآية أن تفسر هذه الموصوفات لموصوفين مختلفين، فيجعل الوصف الأول لأبي بكر، والثاني لعمر، والثالث لعثمان، والرابع لعلي، فهذا خطأ وهو التكلف. ومع ذلك فهو مما فيه من المخالفة أنه لا يوافقه اللغة، وأنه قول بالرأي والهوى، وأنه خالف تفسير السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين. فهذا يعلم أن هذا التفسير تفسير غير صحيح. وأحيانا يكون المعنى يدل عليه، لكن ليس يدل عليه بنفس اللفظ، ولكن يدل عليه بألفاظ أخرى ونصوص أخرى، فحصره بمعنى واحد من دون تنبيه خطأ، وهو نوع كذلك من تحميل اللغة ما لا يحتمله. ومنه المعاني الأخرى، ومنه ما ذكره -رحمه الله- إنه: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، أنها أريد بها علي وحده، وعلي واحد من أولياء الله، ليس هو وحده المقصود بهذه الآية، ودخول بهذه الآية ليس بنص الآية، لا دليل يدل على أنه قصد بهذه الآية. لكن عمومات كثيرة تدل على أن عليا كسائر الصحابة الآخرين، الذين فيهم مثل هذه العمومات ممن يصلح أن يدل معنى الآية عليه، لكن تخصيص الآية عليه خطأ لا يحتمله اللفظ، فلا يدل للفظ ولا من قريب ولا من بعيد، ولا بالصريح ولا بغير الصريح أن المراد بها علي -رضي الله عنه- أرضاه. بل يصلح أن يدخل في الآية بعمومات أخرى، بأدلة أخرى. وهكذا كذلك الآية التي بعدها: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾، ذكر بعض المفسرين أن المراد بها أبو بكر، وهذا كذلك من تحميل اللفظ ما لا يحتمله. وإن كانت هناك عمومات فقد تدل على أن أبا بكر أولى الناس بهذا الوصف، لكن ليست الآية نزلت فيه، لا دليل على ذلك، لا من قريب ولا من بعيد، ولا بالصريح ولا بغير الصريح. وهكذا كذلك هو مما لم يرد فيه تفسير السلف. فالحاصل يريد أن ينبه -رحمه الله- أن الناس متفاوتون في الخطأ في تفسير القرآن، فمنهم من يفسر القرآن ويفتي بذلك بسبب بتأويل كما مر معنا من قول المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وطائفة منهم التصوف والقرامطة والفلاسفة. وهذا كذلك طائفة أخرى من أهل الجهل الذين لم ينضبطوا بالضوابط العلمية الصحيحة، ففسر القرآن بغير ما يجب أن يفسر به. هذا مراده -رحمه الله تعالى-، فإذا حصر اللفظ العام المطلق في شخص واحد بدون دليل، هذا يعد من التفسير المنحرف. وهو قوله: وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرا بشخص واحد، هذا ليس من طريقة أهل السنة في تفسير القرآن، وليس من الطريقة العلمية الصحيحة في تفسير القرآن. فلو قال قائل: هذه الآية جاءت في علي، نقول: ما هو الدليل؟ ما هو الدليل أنها نزلت في علي؟ وهكذا قال -رحمه الله تعالى-: وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري. وانتهى إلى مدح هذه العبارات من أهل العلم المحققين المدققين. فقوله: أسلم، ليس معناه سالم، لا، لكن بالنسبة لتفسير الزمخشري هو أحسن من تفسير الزمخشري، لكنه ليس أحسن التفسير، ولا أسلم التفسير، بل فيه خطأ، وبه زلل. لكنه يسير بالنسبة لزلل غيره من التفاسير التي سارت على طائفة أهل البدعة. ولهذا قال -رحمه الله تعالى- في الفتاوى: وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلا وبحثا، وأبعد عن البدعة، وإن اجتلب على بعضها. فصرح في الفتاوى إلى أنه اجتلب على بعض هذه البدعة، فهو ليس سالم من البدعة، وإنما أسلم من البدعة، معناه أن فيه بعض البدعة. وضرب مثالا -رحمه الله- عاما مجملا في بيان بعض هذه البدعة الموجودة في تفسير ابن عطية، وذلك أن ابن عطية أغرم بالمباحث اللغوية، وهذه فتنة دخلت عليه. فيأتي أحيانا إلى تفسير بعض الآيات، وينقل ما ذكره ابن جرير من تفسير السلف وكلام أهل العلم من أهل السنة، وبعد أن يحكيه كما قال: ثم يدع ما نقله ابن جرير عن السلف، لا يحكيه بحاله، وينقل ما يزعم أنه قول المحققين، وما هو قول المحققين، قول المحققين عنده ما تقتضيه أحيانا بعض المعاني المغوية. بل ينتصر له بشدة، ويكون هذا القول هو قول أهل البدعة، هذا القول هو قول أهل البدعة. قال: وينقل ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قرر به المعتزلة أصولهم، يعني وافق بذلك قول المعتزلة. فإذن هو قد وافق قول الزمخشري، وهو لا يشعر، أو ربما يشعر، لكنه لا يستطيع أن يتجرأ بالتصريح به، فيذكره تلميحا. ومثال ذلك ما ذكره في قول الله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، ذكر ابن عطية بتفسير هذه الآية ما ذكره ابن الجرير من كلام أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو قول جمهور أهل السنة أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله جل وعلا، وهذا هو تفسير أهل السنة مما نقل عن الصحابة والتابعين وأئمة وعليه جمهور أهل السنة والجماعة. فبعد أن ذكر ذلك، قال -رحمه الله-: «وقالت فرقة: الحسنى الحسنة، والزيادة مضاعفة الحسنات». انظر بعد أن ذكر هذا القول: «وقالت فرقة»، يأتي ويقول: أن هذا القول هو أقرب إلى التحقيق، وأن هذا القول هو الصواب الذي ينبغي أن يكون عليه تفسير الآية، ويعرض بالقدح بالقول الأول، مع أن القول الأول قول من قول أهل السنة، والقول الثاني قول من قول الزمخشري وأمثاله من المعتزلة. فإذن وافق ابن عطية -رحمه الله- ببعض تفسير الآيات قول المعتزلة، وانتصر له. وقال بعض أهل العلم: دخل عليه ذلك لكونه مغرما في المباحث اللغوية، فينظر إلى ساعة اللغة، وساعة اللغة، فيفسر به ما يظن أنه يقتضيه اللغة، والأمر ليس كذلك. لأن تفسير القرآن كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب، وسيأتي إن شاء الله، ينبغي أن يضبط بتفسير السلف الصالح -رحمه الله تعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، يعني أمثال ابن عطية أقرب إلى السنة من المعتزلة، لا شك. لأنه بالجملة ينقل كلام أهل السنة، وينصر أهل السنة، لكنه بمواضع تزل به قلمه، ويزل به كلامه. ولكن كما قال -رحمه الله-: أن المسألة مسألة إنصاف، يعني لا بأس من ذلك التبيين، قال: لا يكن ينبغي أن يرقى كل ذي حق حقه، هذا هو الواجب أن يرقى كل ذي حق حقه. فمن كان عنده إحسان ووضع فيه إساءة، فالواجب الشرعي يقتضي التنبيه من تلك الإساءة، وذلك من خطأ، قال: أن يرقى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب. فإن الصحابة والتابعين والأئمة إلى آخر كلامه. وبراد على المذهب، أي الذي يذهب إليه الأشخاص والفرق والجماعة، ليس الذي عليه قول الصحابة والتابعين وأئمة، فبه يعرف الصواب من الخطأ. فليس الأمر كما قلنا بأولئك هذا الكتاب دائما يؤخذ على عمومه، القضية اللغة من اللغة، فإن الشيء قد يكون واسعا، لكن يكون المقصود به ضيقا. وإن الشيء قد يكون ضيقا، ولكن قد يكون المقصود به واسعا، ونعرف ذلك بتفسير السلف الصالح. ولا مانع إذا لم يعارض النصوص الشرعية أن يفسر ما لم يرد فيه تفسير للسلف بما تقتضيه اللغة، وهذا شيء كما مر معنا فعله الصحابة والتابعون من بعدهم، وهكذا أئمة الدين. نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في دروس لاحقة.