شرح الفرائد البهية  11

شرح الفرائد البهية 11

الدرس في شرح الفرائد البهية 11، تابع : القاعدة الثانية : اليقين لا يزول بالشك . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الأصل في الحوادث والأفعال والحقوق

يناقش الأصل في الحوادث والأفعال والحقوق وهو العدم إذا لم يكن هناك دليل، ويستثنى ما له أصل أو ما دل عليه دليل شرعي. يقدم أمثلة على تطبيق هذه القاعدة في مختلف المجالات الفقهية.

تطبيقات القواعد الفقهية في الحوادث والشكوك

يتناول قاعدة أن الأصل في الحوادث أن تقدر بأقرب زمان ما لم توجد قرينة أو بينة ترده، وقاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه. يشير إلى خلاف بين العلماء حول هذه القواعد وتطبيقاتها.

الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم وتطبيقاتها

يناقش قاعدتين فقهيتين متعلقتين بالأصل في الأعيان والأبضاع، ويشرح كيفية التعامل مع الأشياء المشتبهة بين الحلال والحرام. يفصل كيفية تطبيق هذه القواعد في الحياة اليومية.

التعامل مع المحظورات والمشقة

يشرح ضرورة التحرز من المحظورات إذا كان ممكنا، وتطبيق قواعد المشقة والضرورة إذا كانت مستحيلة التحرز. يشير إلى أن المشقة قد تؤدي إلى التيسير وقد تبيح الضرورة ما هو محظور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كذلك مما قعد الأصل العدم، فاعرف فروع ما يجيء وما قدم. قال: الأصل في الحادث أن يقدر بأقرب الزمان، فيما قرر الأصل في الأشياء الإباحة، إلا إن دل للحظر دليل قبل. قال كذا: يقال الأصل في الأبضاع الحظر مطلقًا بلا دفاع. هذه مجموعة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية التي مرت معنا: اليقين لا يزول بالشك. فقال رحمه الله: كذلك مما قعد الأصل العدم، أي مما قعد العلماء ولئمه أن الأصل في الأفعال العدم، وهكذا في الحقوق. وقوله: فاعرف فروع ما يجيء وما قدم، يعني يعرف مسائل وما يدخل تحت هذه القاعدة من أمثلة، وما باحث ودليل هذه القاعدة. الأدلة العامة لنفس القاعدة الأصل: اليقين لا يزول بالشك. والفرق بين هذه القاعدة وما مضى من القاعدة الكلية أن هذه القاعدة هي بالنسبة للقاعدة الكلية أخص؛ لأنها تتعلق بالأفعال والحقوق من حيث الإلزام وعدم الإلزام. ودليل هذه القاعدة الخاص هو ما تقدم من أدلة براءة الذمة. والفرق بين هذه القاعدة وقاعدة براءة الذمة أن قاعدة براءة الذمة تتعلق بما في الذمم خاصة من عقود وألفاظ وحقوق، وأما هذه القاعدة فهي تتعلق بأصل الأشياء من حيث وجودها، فيدخل الأصل فيه الأفعال، وهكذا كذلك الحقوق باعتبار أنه فعل من الأفعال، فهذا وجه الفرق. من أمثلته في الأفعال: لو شك في فعل شيء وعدمه، فالأصل العدم. هو لم يتطهر، شك هل تطهر أو لم يتطهر، الأصل ماذا؟ العدم، عدم الطهارة. شك في الطلاق هل طلق أو لم يطلق، الأصل العدم. شك في أداء الدين، هذا فعل، الأصل العدم. وهكذا قل في كل فعل وقع فيه الشك، فالأصل فيه العدم. هذا يقيد بما إذا لم يكن له أصل، فإن كان له أصل فنرجع للقاعدة السابقة: هل أصل بقاء ما كان على ما كان؟ مثاله: شك في الطهارة وعدمها مع تيقنه من أنه قد تطهر، لكن هو شك هل استمرت الطهارة أم عرض لها ما يبطلها؟ فهنا نقول: الأصل ماذا؟ بقاء ما كان على ما كان، لا يصح تطبيق القاعدة هنا: الأصل في الأشياء العدم، لا؛ لماذا؟ لماذا؟ لأن الأصل في الأفعال أو الأشياء العدم إذا لم يكن له أصل، لابد من هذا القيد. فإن كان له أصل فنرجع لذلك الأصل. ومثاله في الحقوق: لو أن إنسانًا شك في أداء الدين، فهنا لو قلنا الأصل في الحقوق العدم، يلزم أنه ليس عليه دين، نقول: لا، هنا له أصل. إنما إذا لم يكن له أصل فالأصل العدم. شك هل على فلان دين أو ليس عليه دين، الأصل ماذا؟ العدم، والأصل براءة الذمة. لكن إذا ثبت أصل، فهذا لا يدخل في عموم هذه القاعدة، فهو يثبت الدين، لكن شك في السداد، فهنا نطبق القاعدة بمعنى آخر: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل أنه لم يسدد حتى يستيقن من السداد. ولهذا لو استلفوا، فإنه يطالب بالبينة على التسديد، يطالب بالبينة على التسديد. وكذلك لو شك في الأمانة، والأصل أنه أمين، فلا يجوز له أن يتهمه، بل الأصل بقاء ما كان على ما كان. وهكذا كذلك لو شك في حصول الربح وعدمه بالنسبة للمضارب، فالأصل العدم، الأصل العدم. مثلا المضارب: المضاربة عقد يجري بين اثنين، أحدهم بماله والآخر بجهده، فإذا قال المضارب: أنا لم أربح هذه السنة، فهنا ما دام أنه أمين يقبل قوله، والأصل العدم. وإذا قال صاحب المال: بل أنت ربحت، يطالب بالبينة، فقال له: هات البينة على ذلك؛ لأن الأصل العدم، وأنه أمين مصدق، وأنت لم ترضى بمضاربته إلا لأنه أمين. وهكذا كذلك ما مثل في بعض تعليقات الشراح فيمن نفى الوط، فهذا كذلك لو كان محل أمانة، فإنه يصدق؛ لأن الأصل في الأفعال العدم، إلا إذا وجد أصل كما تقدم: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو وجد ما يمانع ويعارض الدليل الشرعي. مثل من أرخى الستر وحصلت الخلوة ثم حصل النزاع، فالأصل أن الخلوة يثبت بها حكم الوط. وهكذا، فإذا القاعدة لها استثناءات، من أهم استثناءاتها أن لا يكون هذا فيما له أصل، وثانيًا أن لا يعارض ما دل عليه الدليل. وقوله رحمه الله: الأصل في الحادث أن يقدر بأقرب الزمان فيما قرر، معناه: الأصل في حوادث الأفعال أن تنسب إلى أقرب زمان، أن تنسب إلى أقرب زمان. وأدلة هذه القاعدة الأدلة العامة المتقدمة، وله دليل خاص وهو ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المرأتين. قضى النبي صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمه، يعني أن تعطي لهذه المرأة لأجل جنايتها عبدًا. قالوا: معنى الغرة أبيض أو أمه بيضاء، وقيل: قيمة عبد أبيض أو أمه بيضاء، وهو يختلف قيمته من زمان إلى زمان، قدر في زمن الصحابة رضي الله عنهم بنصف عشر دية، يعني قيمة خمس من الإبل، وهو يختلف من زمان إلى آخر. وفي البخاري وغيره من حديث المغيرة، قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الإملاص، والإملاص الإسقاط بفعل فاعل، حتى ولو كانت المرأة مع نفسها، لو أسقطت المرأة حملها عمدًا، فإنها يكون عليها هذا الحكم لورثة هذا الميت المسقط، قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الإملاص غرة عبد أو أمه. وهذا وما كان بمعناه يدل على هذه القاعدة: الأصل في الحادث أن يقدر بأقرب الزمان في مقرر. فمن أمثلته: لو أن رجلًا نام بعد الفجر وصلى الفجر، ونام بعد الظهر وصلى العصر بعدما صلى الظهر، فلما كان في صلاة المغرب انتبه أن في ثوبه أثر ماء، يعني أنه أنزل واحتل ماء، فلم يدري هل هذا الاختلام من النوم الأول أو النوم الثاني؟ فهنا يقال: الأصل أن يرد إلى ماذا؟ إلى أقرب زمان، أقرب زمان النوم الثاني، إذن يعيد فقط صلاة ماذا؟ العصر، يعيد فقط صلاة العصر. ودليل هذه القاعدة: الأصل في الحادث أن يردد أقرب زمان، الأصل في الحادث أن يقدر بأقرب الزمان فيما قرر. وهكذا كذلك مثال آخر: لو أن إنسانًا شك في ما عليه من دين وسداده، فشك في ذلك هل كان السداد في هذا الوقت أو الوقت الآخر؟ مثلا أعطى هو يذكر أنه أعطى، ولكن شك هل أعطى في هذا الوقت أو في هذا الوقت؟ وينبني على هذا أنه مثلا يختلف العطاء، فهو لا يدري هل العطاء الكثير كان في آخر وقت أو في أول وقت؟ وهنا يقال: الأصل يقدر إلى أقرب وقت، الأصل يقدر إلى أقرب وقت، إلا أن تأتي قرينة أو بينة ترده إلى غيره، أو يأتي بينة أو قرينة من الآخر ترده إلى غيره. وهكذا له أمثلة كثيرة تدخل في هذا المعنى. وهذا كذلك يستثنى إذا لم يعارضه ما يمنع منه، فالأصل في الحادث أن يقدر بأقرب الزمان فيما قرر، بشرط أن لا يعارضه ما يمنع منه. فمما يمنع منه وجود البينة أو غلبة الظن التي يكون بها إخراج هذا الحادث أن يرد إلى أقرب حدث. مثاله في المثال الأول: انتبه بعد صلاة العصر أن عليه أثر احتلام في ثيابه، أثر احتلام، لكنه رأى أن هذا الأثر جاف جدًا بما يغلب على ظنه أنه لا يمكن أن يكون من نوم الظهر، فهنا يعمل بماذا؟ بهذه القاعدة أم يعمل بغلبة الظن؟ الجواب الثاني: يعمل بغلبة الظن؛ لأن القاعدة إنما يعمل بها عند الشك، هي من قواعد الشك. أما إذا خرج عن الشك إلى اليقين وما هو قريب منه من الظن الراجح وهو غلبة الظن، فينتقل إلى غلبة الظن. مثل ما قلنا: أن الذمة في قاعدة العدد يستثنى من قاعدة العدد إذا كانت الذمة مشغولة بالعدد الأكثر؛ لماذا؟ لأن هذا يقين، وقاعدة العمل بالأقل إنما هو عند الشك. قال رحمه الله تعالى: الأصل في الأشياء الإباحة إلا إن دل للحصر دليل قبل. عندي: للحصر، والله صوابه: للحظر. معنى هذه القاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على عدم ذلك. وهذه القاعدة بهذا اللفظ فيها خلاف، ولهذا عبر المحققون من أهل العلم بتعبير آخر، كما ذكر ابن رجب في قواعده، وهكذا قبله عدد من الأئمة، ومن نظم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: الأصل في عاداتنا الإباحة، ولم يقل: في الأشياء؛ لماذا؟ لأن الأشياء أعم، فالأصل في العادات الإباحة صحيح، ومفهومه: الأصل في العبادات التوقف صحيح كذلك؛ لأن الدليل دل على ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو، فهو رد». حديث عائشة في مسلم، ورواه البخاري معلقًا. وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». حديث عائشة في الصحيحين، وغيرها من الأحاديث التي تدل على أن الأصل في العبادات التوقف. وهذا الأصل في العادات الإباحة؛ وذلك لما روي، وأشار إليه بعض الشراح، في الحديث الذي بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن: «ما سكت عنه أو ما ترك فهو عفو، فاقبل من الله عافيته». وجاء بألفاظ وروايات كثيرة. فإن قال قائل: لماذا لا تدخل الأشياء في هذا المعنى؟ الجواب: لأنه عارضها الدليل، فالأشياء والأعيان دل الدليل على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: قسم منها هذا طبعًا ما سكت عنه، أما ما لم يسكت عنه فدليله بما ذكر بدليله. إنما الكلام الآن على المسكوت عنه، المسكوت عنه بعمومات الأدلة علم أنه ثلاثة أقسام: قسم طيب أحله الله، وقسم خبيث حرمه الله، وقسم لا يعلم خبثه من طيبه. وهذا ينظر إلى أي الأمرين يغلب، فإن علم أنه يرجع إلى أحد الأمرين فحكمه بما يلحق به، وإن لم يعلم فهل الأصل فيه الحل؟ فيه خلاف بين أهل العلم. قال ربنا سبحانه وتعالى في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. والفرق بين هذا التفصيل والقاعدة التي ذكرها المؤلف وما جرى عليه قول أكثر الشافعية ومن وافقهم: أنه يستلزم كل ما لم يذكر حكمه فالأصل فيه ماذا؟ الحل، فإذن الحشيشة باعتبار أن حكمها غير موجود سيكون الأصل فيها ماذا؟ الحل، وكذلك غيرها من الأشياء التي لم ينص الشرع على تحريمها أو على تحليلها، فعندهم الأصل في ذلك الحل. ولهذا حصل الخطأ بسبب هذا الخطأ في هذه القاعدة في فتاوى كثيرة لعدد من أهل العلم؛ بسبب عدم التحقيق في هذه القاعدة. سئلوا عن أشياء رأوا بأعينهم ضررها، فقالوا: الأصل الحل، ومن تركه تركه تنزهًا، وهذا خطأ، القاعدة بهذا الإطلاق خطأ، بل الواجب النظر إلى الأعيان بهذا الظابط: ما كان طيبًا يلحق بالطيب، وما كان خبيثًا يلحق بالخبيث. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وبهذا يزول الإشكال في أشياء كثيرة. وما لم يعلم طيبه من خبثه أو شككنا فيه، نظرنا هل يغلب أن يلحق بالطيب أم يغلب أن يلحق بالخبيث؟ فما غلب فحكمه له، ما غلب فحكمه له. وهل إذا لم يغلب يتوقف فيه أم الأصل الحل؟ قال بعض أهل العلم: بالتوقف، وقال بعض أهل العلم: بالحل. قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبينًا هذا المعنى حين ذكر قصة آدم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، هذه الآية يستدلون بها كثيرًا في قضية الإباحة. قالوا: «لَكُمْ» تدل على التملك الذي يدل على الحلية. وهذا الاستدلال غير صحيح، هذا الاستدلال غير صحيح؛ فقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يفهم بقوله سبحانه: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، ويفهم كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». فلو وجد عين من الأعيان شككنا هل يلحق بالحرام أو يلحق بالحلال؟ لتنازع مضرته من نفعه، فهنا نقول: هو مشتبه، والورع وسلامة الدين يقتضي اجتناب ذلك الشيء. مع التنبه أن المقصود بالمضرة ما تلحق المضرة الحقيقية، إما في الدين وإما في الدنيا. أما المضرة اليسيرة التي قد لا يسلم منها شيء، فهذا معفو عنه، يغتفر فيه ويتسامح فيه. فمثلا لو قال قائل: شجرة القات حلال أم حرام؟ نقول: على هذه القاعدة تستطيع أن تعرف الحكم، هل يلحق بالطيبات أم بالخبيث؟ لو قلنا: ننصف أقوال القائلين، لقلنا: أن من قال بأنه يلحق بالخبيث من العارفين في جميع أنواع العلوم والمعارف قولهم أكثر، إذن هو خبيث. لا نقول فقط قول العلماء الشرع، بل حتى الطب، وحتى جوانب الحياة الأخرى، فإذن يلحق بالخبيث، ومن باب أولى الدخان، ومن باب أولى الحشيشة والمخدرات وغيرها من المعاني الأخرى. وفي المقابل لو قال قائل: إذن على هذا البسباس أو ما يسمى بتعبير آخر الفلفل الحار يضر، فإذن هو حرام؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». فيقال: هذا الإطلاق غير صحيح؛ لماذا؟ لأن ضرره ليس بأكثر من منافعه، وهو كذلك ليس لكل الناس، ولم يتفق لا أهل العلم الشرعي ولا غيره من أهل العلوم الأخرى أنه يلحق بالخبيث، فهو ليس بخبيث، وضرره غير متحقق، وإن وقع ضرر فضرره قد يكون لبعض الناس، وقد يكون بنوع من التعدي، بنوع من التعدي. فممكن أن يقال في حق من يضره: «لا ضرر ولا ضرر»، لكن لا يقال حكم عام لكل الناس، لا يقال حكم عام لكل الناس. كما أن الماء الحلال الطيب الذي لا نشك أنه حلال، في حق المريض الذي يضره الماء ضررًا، ولا يجوز أن يستعمله، ولو استعمله لكان آثمًا، أم لا؟ لكان آثمًا مع أنه ماء. لو قال: كيف تحرمون علي الماء؟ فنقول: ما حرمنا عليك الماء لذاته، وإنما حرمنا عليك الماء لتبع ما يلحقك من ضرر، ويتبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا؛ فلأجل ما يلحقك من ضرر وأنت على هذا الوصف صار بالنسبة لك حرام، وبالنسبة لغيرك واجب. انظر سبحان الله! هذا يجب عليه أن يتوضأ بالماء، وهذا حرام عليه أن يتوضأ بالماء؛ لماذا؟ ليس لأجل أنه ماء، كما قال: كيف تحرمون علي شيئًا حلالًا؟ ولكن لأجل الضرر. وهكذا يقال في مثل ما ذكر: الفلفل مثلا، فإنه يقال: لو منع لمنع لا لأجل ذاته، وإنما بما يقول إليه. وبهذا يزول الإشكال في الكثير من الأمثلة التي قد يستشكلها من لا يعرف ما ذكره العلماء في مثل هذه القاعدة. قال رحمه الله تعالى: كذا: يقال الأصل في الأبضاع الحظر مطلقًا بلا دفاع. ومعنى هذه القاعدة: أن الأصل في الفروج الحرمة؛ للأدلة العامة والأدلة الخاصة في هذا الباب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، شهركم هذا». الحديث. وهكذا كذلك لعمومات الأدلة في تحريم دخول الرجل على الأجنبية، فضلًا أن يباضعها. فالأصل في هذا الباب الحرمة، بل النكاح يدل على هذا الأصل؛ فبالنكاح يستحل ما كان عليه حرامًا، يستحل ما كان عليه حرامًا. فللأدلة الكثير الوارد في هذا الباب، نص العلماء على هذه القاعدة. وفائدة ذكر هذه القاعدة: الاستفادة منها عند الشك، الاستفادة منها عند الشك. فمثلا لو شك في أخت له من الرضاع من بين أخواتها، فهذا يقتضي تحريم الكل. مثلا قالت له أمه: أنا متأكدة أني أرضعت بنت من بناتي فلانة، لكني نشيت هل هي الأولى أم الثانية أم الثالثة؟ وعندها ثلاث بنات. فهو يعلم أن أحد هؤلاء الثلاث أخته من الرضاع، لكن ما يعلم أي هذه الثلاث؟ وليس عنده ما يرجح، لا يعلم أي هذه الثلاث هي التي تحرم عليه، فهنا وقع الاشتباه، فوجب عليه اجتناب الثلاث جميعًا لهذه القاعدة؛ لأن القاعدة المقصود منها الاستفادة منها عند الاشتباه، بأن يجتنب الجميع، يجتنب الجميع. وهل يقال مثل هذا إذا حصل اللبس في شيء أوسع من هذا؟ الجواب: اختلف أهل العلم في ذلك، فمن أهل العلم من جعل معنى القاعدة مضطرد، من جعل معنى القاعدة مضطرد، حتى قالوا: لو حصل الالتباس بامرأة في البلد، حرم عليه نساء البلد كلهم ممن هم مظنة ماذا؟ الرضاع. ويزداد الأمر تعقيدًا إذا كان لا يمكن ضبط السنة، ولا يمكن ضبط البلد. بالغ بعض الفقهاء فقالوا: يحرم عليه النكاح مطلقًا، وهذا لا شك أنه تكلف، والصواب في هذا: أنه ما أمكن فيه التحرز فهو المطلوب، وما لم يمكن فنرجع إلى قاعدة أخرى، وهي قول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وهذا من الحرج، وهذا من الحرج. بل قد يصل الأمر إلى الضرورة، قد يصل الأمر إلى الضرورة. وهذا هو الصواب، فإن كان الأمر مما يمكن التحرز منه، فإنه يتحرز، وإن كان الأمر مما لا يمكن التحرز منه، فهنا من المشقة التي تجلب التيسير، بل قد يكون من الضرورة التي تبيح المحذورة. طيب نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.