الدرس في كتاب الصلاة 71، الدرس الحادي والسبعون:من( الحديث المائة:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... 3-أن البسملة ليست آية من الفاتحة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف العلماء في حكم البسملة في الصلاة بين الاستحباب وعدم المشروعية، واستدلوا بحديث أنس بن مالك. يرى الإمام مالك عدم مشروعيتها بينما ذهب الأئمة الثلاثة إلى استحبابها.
اختلف العلماء في الجهر بالبسملة بين الجهر والإسرار، ولكل رأي أدلته. المجتهد في مثل هذه المسائل له أجر، والترخص بالقول المرجوح في الضرورة جائز لدفع الضرر.
لم يثبت الجهر بالبسملة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم من لم يقرأها يختلف باختلاف القول في كونها آية من الفاتحة. يناقش المقطع حكم قراءتها مستندا إلى أحاديث وآراء أهل العلم.
الصلاة صحيحة رغم مخالفة السنة، والله أعلم بحقيقة الأمر. يشير المقطع إلى حكم فقهي متعلق بصحة الصلاة رغم مخالفة السنة فيها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: «قال الحجيث المئة عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». وفي رواية: «صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم». وللإمام مسلم: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام القراءة من أحاديث الأحكام في الصحيحين. وهذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري في باب ما يقول بعد التكبير. قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس، فذكر الحديث بلفظه. وقوله: «ولمسلم»، كما ذكر هذا لفظ مسلم. وقوله: «وفي رواية»، هذه الرواية كما أشار المعلق ليست في الصحيحين، بل هي رواية الإمام مالك رحمه الله والبيهقي، لكن معناها في صحيح مسلم. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: يذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أنه مع طول صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وملازمته له ولخلفائه الراشدين لم يسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، لا في أول القراءة ولا في آخرها، وإنما يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. اختلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة والشافعي وأحمد- إلى استحباب البسملة في الصلاة. وذهب الإمام مالك إلى عدم مشروعيتها. واستدل مالك ببعض الروايات في حديث أنس: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها»، ولأنها عنده ليست آية من القرآن. واستدل الأئمة الثلاثة على مشروعيتها بأحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة: «حيث صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى بلغ ولا الضالين، حتى إذا أتم الصلاة قال: إني لو أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»، رواه البخاري. ثم اختلف الأئمة في الحكم بالجهر بها. فذهب إلى مشروعية الجهر الإمام الشافعي، وذهب إلى مشروعية الإسرار أبو حنيفة وأحمد. واستدل الشافعي وأتباعه بحديث أنس: «حين سئل عن كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم بمد بسم الله وبمد الرحمن وبمد الرحيم»، رواه البخاري. وبحديث أم سلمة: «حين سئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين»، رواه أحمد وأبو داود. ولا يتم للشافعي بهذين الحديثين وأمثالهما استدلال فيما ذهب إليه، فإنهما يدلان على صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، لا على أنه يجهر بالبسملة في الصلاة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «روينا عن الدارقطني أنه قال: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بالبسملة حديث». واستدل الإمامان أبو حنيفة وأحمد بأحاديث الباب. قال ابن دقيق العيد: «والمتيقن من هذا الحديث عدم الجهر، فإن أنسا صحب النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وصحب الخلفاء الثلاث خمسا وعشرين سنة، وكان يصلي خلفهم الصلوات كلها، ويحملون نفي القراءة في بعض الروايات على عدم الجهر بها». وبهذا تجتمع الأدلة ويحصل العمل بها جميعا. فالخلاصة كما ذكر رحمه الله: ورد في الباب أحاديث فيها إثبات الجهر بالقراءة، وأحاديث فيها إثبات الإسرار بالقراءة. ولهذا وقع الخلاف. والظاهر كما فهم: أن الأحاديث التي فيها الجهر بالقراءة لم تصح. حتى ما روي عن أبي هريرة، فالصحيح أنه موقوف عليه. وأما الأحاديث الواردة في الإسرار فهي أصح. ورواية مسلم التي فيها: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم»، ولو قال بعض أهل العلم بأنها شاذة، إلا أنها معناها صحيح. فمعنى: «يستفتحون بالحمد لله رب العالمين»، أي لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وليس معناه لا يقرؤون. وفرق بين أن نقول: لا يجهر، وبين أن نقول: لا يقرأ. فهم يسرون بالبسملة، لكن ليس معناه أنهم لا يقرؤونها. وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في الباب، كما ذكر ابن دقيق العيد وشيخ الإسلام وغيرهم من الأئمة من قبل ومن بعد. وهو الصواب والله أعلم. ومع ذلك إذا جهر الإنسان بالبسملة ليس معناه أن صلاته باطلة، ولا أنه على الصحيح فعلى بدعة، خصوصا إذا كان متأولا وظن أن هذا له وجه، فهو مجتهد. وكما يقول: لكل مجتهد نصيب. فرق بين أن نقول: كل مجتهد مصيب، ونقول: لكل مجتهد ماذا نصيب؟ يعني نصيب من الأجر. هو اجتهد بظنه أن هذا الصواب، فله أجر إن شاء الله. والمجتهد إذا اجتهد فهو بين الأجر والأجرين. وترد هنا مسألة: فيما إذا ابتلي إمام مسجد بأعيان يلزمونه بالجهر بالبسملة، فربما يكون مصير المسجد على هذه المسألة. فماذا يصنع إذا وجد غيره وهو مثلا كان لا يرى الجهر بالبسملة؟ إن وجد غيره ممن يرى الجهر يجعله، والذي يصلي ما دام المسجد سيبقى بيد أهل السنة. فإن كان لا يوجد غيره وهو الوحيد الذي عنده الكفاءة، وإذا أبى ذهب المسجد، لا شك أنه يجهر حتى لا يذهب المسجد ويصير مصيره مع أهل الأهواء. وهذا على قاعدة ارتكاب أخف الضررين لدفع أشدهما ضررا. فالمسائل المختلف فيها والخلاف فيها محل اجتهاد، يترخص بها عند الضرورة. وهذه ضرورة. فما دامت قولا لبعض أهل السنة، لا شك أن الترخص بها في مثل هذا الموضع هو الصواب. وهذه قاعدة ذكرها وأشار إليها بعض أهل العلم: أن المسائل المجتهد فيها -يعني التي محل اجتهاد وخلاف بين أهل السنة- ولو كان قولك أحد القولين، لكن دفعا للضرورة ترخصت بأحد القولين المرجوحين، فلا بأس في ذلك. وإنما الأعمال بالنيات. فرق بين من يترخص يريد تتبع الرخص، وبين من يترخص يريد أن يدفع الضرر. قال رحمه الله: ما يأخذ من الأحكام: أولا: مشروعية قراءة بسم الله الرحمن الرحيم بعد الاستفتاح والتعود قبل الفاتحة. وهذه المشروعية فهمت من الأحاديث السابقة، لكن ليس معناه أن يجهر بها. الصواب أنه يستفتح بالحمد لله رب العالمين والبسملة تسر. ثانيا: أن تكون قراءتها سرا ولو في الصلاة الجهرية. وهذا الذي فهم من حديث أنس المتقدم. وأما ما جاء من حديث أخرى، فهي كما قال رحمه الله الشارح: تحمل على أنها ليست في الصلاة، فهي وصف للقراءة لا للصلاة. وفي ذلك دليل على أن البسملة من القرآن، لكن هل هي آية من كل سورة أو آية فصلت بين السور؟ سواء الأول أو الثاني، في كل الأحوال هي من القرآن. ثالثا: أن البسملة ليست آية من الفاتحة، لأنها سبع مثاني من دون البسملة. وبه علم مع غيره من الأدلة الأخرى: أن البسملة آية يستفتح بها السور. وفي هذا خلاف. وهذا هو الصواب والله أعلم. كما أن في الحديث من المسائل: الاعتبار بسنة الخلفاء الراشدين. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وهذا كما دلت عليه السنة الصريحة، فعليه عمل سلف الأمة. وفيه كذلك من المسائل: حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على السنة والاقتداء بالخلفاء الراشدين. فقد كان هذا هو معيار الصواب. وهكذا ينبغي أن يكون إلى يومنا هذا. فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. وهذا هو معنى قول من قال من السلف: «عليكم بالعتيق»، أي الأمر الأول. ولو أن الناس أخذوا بهذا الأصل العظيم لسلم لهم دينهم ولقلت الخلافات ولصار الناس أمة واحدة. ولكن وقع الشقاق والخلاف بسبب الخروج عن هذا الأصل العظيم. تنبيه: بالنسبة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أشار إليه الشارح: «صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى بلغ ولا الضالين»، هذه الزيادة ليست في البخاري. كما أشار إليه بقوله: «رواه البخاري». وإنما الذي في البخاري آخر الحديث: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»، بعد أن ذكر شيئا من صفة الصلاة في التكبير في الرفع والخفض ونحو ذلك. أما ذكر البسملة فإنه لم يذكرها أهل الصحيح لا البخاري ولا مسلم. بل الصحيح أنه انفرد بها ابن حبان وابن خزيمة والحاكم. وقد تفرد بهذه الزيادة نعيم المجمر. ولهذا حكم جماعة من أهل العلم بضعف هذه الزيادة. فهي لم تصح مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ضعف هذه الزيادة رحمه الله في نصب الراية، وهو يجيب على من استدل بهذا الحديث. بأنه يجاب عليه بأجوبة: منها أن هذه الزيادة تفرد بها نعيم. ومنها أن أصل الحديث في الصحيحين، ولم يذكراها في الصحيح. أي أهل الصحيحين. وهذا يدل أنه ما تركاها لأجل ضعفها. وثالثا: أنه اختلف فيه على نعيم. يعني منهم من رواها عن نعيم كذلك بدون هذه الزيادة. ولهذا رجح الكثير من الحفاظ أن رواية من رواها عن نعيم بغير هذه الزيادة هي الأصح. وموافقة نعيم لهذا الحديث بعدم الزيادة لسائر الرواة بعدم هذه الزيادة هو الأصح. وأجاب رابعا: بأنه لو قدر أن الزيادة صحت، لم يكن فيها دليل على الجهر بها في الصلاة. بل ربما يحمل على أنه كان يسر بها ثم يجهر بالقراءة بعد ذلك. وقد ذكر غير الزيلعي: ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان إذا صلى استفتح -يعني ذكر دعاء الاستفتاح- ثم تعوذ وبسمل ثم جهر بقراءته. واستدل من استدل على ذلك: بأنه في هذه الرواية بنفسها قال نعيم: «فقرأ باسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم الكتاب». فقالوا: قوله «ثم قرأ» تفيد التفريق بين البسملة وقراءة الفاتحة. فلو كان قراءته للبسملة سردا مع الفاتحة، لم يحتاج الراوي أن يقول: «قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم الكتاب». لكفى أن يقول: «ثم قرأ بأم الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الآخرة». فهذا التفريق استدل به على أنه لم يكن جهرا بالقراءة. حتى الموقوف. فبعضهم صححوا موقوفا على أبي هريرة. فقالوا: الموقوف على أبي هريرة ليس فيه دليل على ذلك -أي على الجهر- أي على الجهر بالبسملة مع الفاتحة. بل يكون أسر بالفاتحة -بأم الكتاب- أي الحمد لله رب العالمين. وأجاب خامسا: بأن قول أبي هريرة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو «لأشبهكم»، أو «لأشبهكم»، كلها يجوز. والمقصود الدلالة أن فعله يريد به توضيح السنة. أن هذه اللفظة لا تفيد المشابهة المطلقة في كل شيء. بل الصحيح أن هذه المشابهة مشابهة نسبية. مشابهة نسبية. وقد ثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه صنع شيئا في وضوئه. وهذه زيادة لم يذكرها الزيلعي، وإنما هذا من باب التوضيح. ثبت أنه كان يصنع شيئا في وضوئه لم يكن يصنعه النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك المبالغة في غسل ساقه ويده في الوضوء، تأولا منه لحديث: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». وأشار العلامة الألباني رحمه الله إلى ضعف هذه الزيادة في مواضع من كتبه، ومنها الإرواء. وبين أن مدارها في رواية نعيم على سعيد بن أبي هلال. فإذا ضعفها سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر. وأما ما أورد من حديث أم سلمة وقبله حديث أنس، فكما تقدم فيه إثبات القراءة، وليس فيه إثبات الجهر بها في الصلاة. وهناك فرق بين القراءة والصلاة. وقد مر معنا توجيه شيخ الإسلام، وما ذكره الشارح رحمه الله. ومن باب إتمام الفائدة: بعض أهل العلم ذكر حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وغيره: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم». وهذا الحديث الصحيح أنه ضعيف. فهو من طريق إسماعيل بن حمد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس. وأبو خالد هذا يقال له الوالبي، واسمه هرمز، لا يعرف. وقد أشار الترمذي رحمه الله إلى هذا المعنى. بل قال العقيلي: «حديث إسماعيل بن حمد ضعيف»، يعني في البسملة يرويه عن مجهول. فالحفاظ ضعفوا هذا الحديث. وكما تقدم من كلام شيخ الإسلام عن الدارقطني -وهو أحد إمامة العلل- لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بالبسملة شيء، يعني مرفوعا. وهذا سائل يسأل يقول: ما حكم من لم يقرأ البسملة ولو بالإسرار؟ على القول أنها آية من كل سورة، تكون صلاته باطلة لأنه لم يقرأ البسملة، والبسملة آية من الفاتحة، فهي ناقصة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وعلى القول الثاني -وهو الصواب- تكون صلاته صحيحة، لكن خلاف السنة. صلاته صحيحة، لكن خلاف السنة. والله أعلم.