تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية عسى ربه إن طلقكن وأسباب نزولها

يتناول تفسير آية عسى ربه إن طلقكن من سورة التحريم ويشرح معاني الكلمات ويروي قصة نزول الآية. يبرز أهمية فهم الآيات القرآنية وتفسيرها بشكل صحيح.

أحكام وفضائل متعلقة بأزواج النبي

يتناول تفسير آية تشير إلى إمكانية استبدال الله أزواج النبي بغيرهن ويستخلص أحكاما تتعلق بتحذير الأزواج من إيذاء بعضهم البعض. يبرز فضل أمهات المؤمنين وصفاتهن الحميدة.

شرح معاني التوبة والعبادة في حق أمهات المؤمنين

يشرح معاني التوبة والعبادة والسائحات في حق أمهات المؤمنين. يبين أن التوبة تشمل العودة إلى الله والعبادة تشمل كل ما يحبه الله.

ختام بالدعاء والشكر لله

يتضمن دعاء لله بطلب الإكرام والهداية ويعبر عن الشكر لله رب العالمين. يظهر التوجه الديني والاعتماد على الله في كل الأمور.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا. قال المفسر رحمه الله في قوله تعالى: عسى ربه إن طلقكم، أي طلق النبي أزواجه، أن يبدله بالتشديد والتخفيف أزواجا خيرا منكم، خبر عسى والجملة جواب الشرط، ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط، مسلمات: مقرات بالإسلام، مؤمنات: مخلصات، قانتات: مطيعات، تائبات، عابدات، سائحات: صائمات أو مهاجرات، ثيبات وأبكارا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة سورة التحريم، وآياتها التي احتوت على عدد من الأحكام والحكم. وفي هذه الآية يخبر الله عز وجل، والخبر فيه تعليم للمؤمنين عما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع نسائه. وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عند البخاري وغيره، من حديث أنس عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عليه في الغيرة حتى تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتزل نساءه وامتنع منهن حتى ظن... والحديث جاء بروايات وقصة طويلة حتى ظن الكثير من المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، وصاروا يتحدثون بذلك. فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه، فجاء مسرعا إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الحجاب، ومر عليهن واحدة واحدة يسألهن ويعظهن ويذكرهن عما كان من أذيتهن للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتزل بمشربة له. وكان عند باب المشربة غلام فاستأذنه، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مغضب، فسأله: أطلقت نساءك يا رسول الله؟ فقال: لا. فكبر عمر رضي الله عنه، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس، وأخبره أن الناس يتحدثون أنه طلق نساءه، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم. فأخرج رأسه من المشربة إلى جهة المسجد وأخبر الناس، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزل به حتى كشر الغضب عن وجهه وتبسم صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من مشربته. وكان قد حرم على نفسه ومنع نفسه من قرب نسائه شهرا، فخرج عن تسعة وعشرين يوما، فأخبره عمر أنه لم يكمل الشهر، فقال: الشهر تسعة وعشرون، أي يكمل بتسعة وعشرين وثلاثين. الحديث وفيه نزلت هذه الآيات التي كان من وعظ عمر رضي الله عنه أن وعظ نساءه، فقال: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن» الآية، فنزلت الآية موافقة لقول عمر رضي الله عنه أرضاه، وهي أحد المواضع الثلاثة التي وافق فيها القرآن عمر رضي الله عنه أرضاه. فأنزل الله عز وجل قرآنا بما تلفظ به عمر رضي الله عنه أرضاه، وكان عمر ملهما موفقا رضي الله عنه أرضاه. وقد وافق القرآن في ثلاثة مواضع، وهذا واحد منها. ونزل في هذه القصة كذلك قول الله عز وجل في سورة النساء: «وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به» الآية، «ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين استنبطونه منهم». فقال عمر: أنا من الذين استنبطوه، أو كما قال رضي الله عنه أرضاه، إذ خاض الناس وتعجلوا وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، والأمر ليس كذلك. وفي هذه الآية عددا من الحكم والأحكام، منها قوله سبحانه: «عسى ربه إن طلقكن» أي طلق أزواجه عليه الصلاة والسلام «أن يبدله أزواجا خيرا منكن». وفيه التحذير من أذية الأزواج، سواء أكان المرأة تؤذي زوجها أو الزوج يؤذي زوجته، فإن كان بغير حق فإنه يتعجل أو تتعجل على نفسها أو على نفسه حرمان الخير، فيبدل الله عز وجل الزوج إن كانت الزوجة تؤذيه لزوجة خير منها، أو العكس إن كانت الزوجة تؤذى من قبل زوجها. ولم يحمد الله على ما أنعم الله عز وجل عليه من امرأة صالحة، فيشكر الرب العظيم الرحيم الكريم الحكيم أن يبدل هذه المرأة زوجا خيرا من هذا الذي يؤذيها. والآية عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله سبحانه: «يبدله» بالتشديد والتخفيف قراءتان سبعيتان، كما أشار رحمه الله تعالى. قرئ بالتشديد «يبدله» وقرئ بالتخفيف «يبدله». وقراءة التجديد كما أشار في التعليق قراءة نافع وأبي عمرو وكذلك أبي جعفر، وقرأ الباقون من السبعة بالتخفيف. وفيه ما تقدم من أن الله الرحيم الحكيم العليم قادر على أن يبدل الأزواج بالخير إن وقع تعدي وأذية من أحد الطرفين، وهو على كل شيء قدير. وقوله: «أزواجا خيرا منكن» قال المفسر: خبر عسى يعني عسى ربه أن يبدله، والجملة جواب الشرط. قال: ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط، يعني أنهن تبين مما وقع منهن، فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، واختار الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إبقاء نسائه. وفي هذا دليل على فضل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن. وقد استدل الرافضة بهذه الآية وما قبلها في الطعن في عائشة رضي الله عنها أرضاها وحفصة ابنتا أمير المؤمنين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أرضاهم جميعا. والآيات في الحقيقة فيها مدح أكثر من القدح، لأن فيها أن الله عز وجل تقبل توبتهم ورضي سبحانه وتعالى بقاءهن لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون أزواجه في الدنيا وفي الآخرة. وهذه تزكية عظيمة من الله سبحانه وتعالى لأمهات المؤمنين، وفيه دليل على أن الصفات المذكورات في التبديل يستحقها أمهات المؤمنين، لأن الله عز وجل قال: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا». وهذه الصفات صفات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، فلم يبدله الله عز وجل لثبوت هذه الصفات فيهن، وهذا هو الموضع للتزكية لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن. وقوله: «مسلمات» أي مقرات بالإسلام، «مؤمنات» قال: مخلصات. والصحيح أن الإيمان يتناول ما هو فوق الإخلاص، فالإسلام العمل الظاهر، والإيمان الأعمال القلبية التي تبرهن الإسلام، فترتق به إلى درجة أعلى من درجة الإسلام، فمراتب الدين ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وقوله سبحانه وتعالى: «قانتات» قال: مطيعات. والصحيح على قاعدة اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، أن قانتات فيه معنى الطاعة وزيادة، إذ فيه الميل عما سوى الطاعة إلى الطاعة، أي عندهن توجه خالص وإقبال صادق بطاعة الله عز وجل. كما وصف الله عز وجل نبيه إبراهيم أنه كان قانتا، أي مائلا عن الشرك والبدعة والمعصية، مقبلا على الله عز وجل بالتوحيد والاتباع والطاعة. وهكذا كذلك ها هنا «قانتات» أي موحدات متبعات طائعات، فهو يتناول كل معنى الإقبال على دين الله عز وجل من التوحيد والاتباع والطاعة. وقوله سبحانه: «تائبات عابدات»، التوبة يوصف بها العبد وصفين: التوبة بعد الذنب تجب الذنب، فإن من تاب تاب الله عز وجل عليه إن صدق في توبته. بشروط التوبة المعروفة المعهودة. والمعنى الثاني: التائب الذي داوم على الطاعة وجددها وأقبل على الله عز وجل وعاد إليه طاعة بعد طاعة، فهو مثل «لبيك» إقبال على الله طاعة بعد طاعة. لأن معنى التوبة هو العود والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا ذكر العلماء كالإمام ابن القيم رحمه الله وغيره، أن التوبة لا تكون فقط من المعصية، بل تكون كذلك مما هو بمعنى المعصية مما هو أعظم كالبدع والشرك والكفر والنفاق، ومما هو دون ذلك كالغفلة. وكذلك تجديد الطاعة والإخلاص فيها والاجتهاد فيها وغير ذلك، فهناك ما هو أعلى وهناك ما هو أدنى، والتوبة تشمل ذلك كله، فهو الإقبال على الله عز وجل والعودة إليه بقلب محب خاضع ذليل صادق مجتهد مستمر. وكلا الأمرين مطلوب ومقصود. «عابدات» أي مقبلات على العبادة التي من معانيها أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، المحتوية على كمال القعود والذل والمحبة لعبادة الله سبحانه وتعالى. «سائحات» قال: صائمات أو مهاجرات. فسر بالتفسيرين المذكورين، وأكثر الصحابة والتابعين فسروها بمعنى صائمات. والصحيح أن السائحات هن من تناول هذين المعنيين وأكثر، فالسائح هو الذي انقطع عن كل ما سوى الله وأقبل على الله. ولهذا يقال لمن خرج عن أرضه وسار في الأرض أنه سائح. وهكذا كذلك هاهنا «السائحات» المنقطعات عن كل ما سوى الله وأقبلت على الله. ولهذا أتبعت «سائحات» بعد «عابدات»، يعني من كمال عبادتهم أنهن منقطعات عما سوى الله من علائق الدنيا، وهن عابدات غاية في العبادة. ومن كمال العبادة وجود الصوم والهجرة، الهجرة الحسية والمعنوية، الهجرة الحسية بما يكون من الخروج من بلاد الكفر إلى الإيمان، والبدع إلى السنة، والمعصية إلى الطاعة. وكذلك أفعالها أن يهجر كل ما يبغض الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فهذا هو المهاجر، إذن من معاني الهجرة هجر الشرك والكفر والنفاق، وهجر البدع والمعاصي، وهجر كذلك المكروهات والتوسع في المباحات، وكل ما يشغل عن طاعة الله عز وجل. فالسائحات المقبلات على الله في عبادته المنقطعات عما سوى الله مما يشغل عن عبادة الله وطاعته. «ثيبات» أي قد تزوجن من قبل، «وأبكارا» لم يتزوجن من قبل. وكل هذا كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمهات المؤمنين. وفيه دليل على أن تزوج الثيبات ليس فيه قدح، ولا يقل كذلك أفضلية عن تزوج الأبكار. لكن متى إذا كانت عندها الصفات السابقات، إذا كانت الثيب فيها هذه الصفات مسلمة مؤمنة قانتة تائبة عابدة سائحة، فهي على العكس ستكون خير لهذا الزوج، لأنها ستستفيد من حياتها الزوجية السابقة وما كان فيها من أخطاء ونقص أن تكملها مع من؟ مع الزوج الجديد، فتكون أكثر برا وإكراما، وكذلك تأدبا من البكر، لأن البكر ليس عندها خبرة في الحياة الزوجية. فلن تكون في الوفاء وفي العطاء كالثيب، لماذا؟ لأنها ليس لها خبرة سابقة. ولهذا في الغالب إن نظر الإنسان إلى الزوجة في غير معنى هذا الوصف، فإنه سيجد الصفات الأكمل في البكر أو الثيب. في الثيب سيجد هذه الصفات في الثيب والبكر قل أن يوجد فيها الكمال في هذه الصفات، قل أن يوجد فيها الكمال هذه الصفات. وإن وجدت فإنها ستحتاج إلى وقت حتى تصل إلى مرتبة الثيب بهذا الوصف، ولكن هذا قليل. وكما قال سبحانه وتعالى: «وقليل من عبادي الشكور». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا بواسع فضله وعطائه، وأن يردنا إلى دينه وشرعه، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين.