تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية التوبة بعد مخالفة الأحكام

يأمر الله عز وجل بالتوبة الصادقة بعد مخالفة الأحكام، والتوبة النصوح تكفر السيئات وتؤدي إلى دخول الجنة. يُشجع على المبادرة إلى التوبة لتجنب المعصية وطاعة الله.

شروط التوبة الصادقة وأثرها على المؤمنين

شروط التوبة الصادقة هي الإقلاع عن الذنب والندم والعزم على عدم العود، والتوبة تجب ما قبلها من الذنوب وتؤدي إلى دخول الجنة. العمل الصالح بعد التوبة دليل على صحتها.

تفسير الآيات الخاصة بيوم القيامة ومصير المؤمنين والمنافقين

الآيات القرآنية تتحدث عن يوم القيامة ونور المؤمنين ومصير المنافقين والكفار، والله يكرم النبي والمؤمنين بنور يهديهم إلى الجنة بينما يطفأ نور المنافقين.

القراءات المتعددة للقرآن الكريم وأثرها

توجد قراءات مختلفة لكلمة في القرآن، حيث قرأ ورش والسوسي "وبِئْس" بينما قرأ حمزة "وبِئْس" مع الوقف ثم أكمل "وبئس المصير".

التفريغ النصي الكامل

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ بفتح النون وضمها، صادقة بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يراد العود إليه، ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ ترجية تقع أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ - بساتين - تجري من تحتها الأنهار، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ﴾ بإدخال النار النبي والذين آمنوا معه، ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم، ويكون بأيمانهم، ﴿يَقُولُونَ﴾ مستأنف: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ إلى الجنة، والمنافقين يطفأ نورهم، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ وَالْحُجَّةِ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بِالِانْتِهَارِ وَالْمَقْتِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، لازلنا في هذه الآيات العظيمات بهذه السورة التي احتوت عدداً من الأحكام والحكم. ومن هذه الأحكام والحكم ما أمر الله عز وجل بالتوبة بعد أن ذكر عدداً من الأحكام التي مرت معنا، والتي يوقع فيها والمخالفة في أمر الله عز وجل وحدوده فيها معصية الله سبحانه وتعالى وحظ النفس وهواها، وكذلك وسوسة وإغواء الشيطان. فلذلك أمر الله عز وجل بعد هذه الأحكام بالتحذير من المعصية والأمر بالطاعة والمبادرة إلى التوبة الصادقة الناصحة. فيقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وقرأ «نصوحاً» بقراءتين سبعيتين مشهورتين، فقرأ بالفتح وقرأ بالضم «نصوحاً». «نصوحاً» بالفتح: فقية السبعة، أي بمعنى ناصحة صافية. فمن النصيحة والصفاء، وكل القراءتين قراءة سبعية ثابتة وتفيد زيادة المعنى باختلاف المبنى. المقصود أن الله عز وجل يأمر أهل الإيمان - وكما مر معنا بكلام ابن سعود وغيره غير مرة - أننا إذا سمعنا «يا أيها الذين آمنوا» فلنعلم أن ما بعده من لوازم الإيمان، فلنصغي إلى ذلك ولنمتثل؛ لأن عدم العمل به ينقص إيماننا، وربما يذهبه بحسب المأمور به. فأمر الله عز وجل بالتوبة التي بها يصلح الإنسان ما خدش من إيمانه بسبب ذنوبه ومعاصيه، فالتوبة ترد المؤمن إلى حياض الإيمان الصافي النقي. والتوبة تجب ما قبلها، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بشرط أن تكون بشروطها المعروفة المعهودة. شروط التوبة: الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم العود. ثلاثة مرتبات مدرجات، كل واحدة يؤكد التي قبلها. الإقلاع عن الذنب لا يصلح توبة لمن لم يقلع عن الذنب الذي يتوب منه؛ لأن هذا منافي للتوبة. الثاني: بعد الإقلاع الندم، أن يورث هذه التوبة الصادقة صاحبها ندماً يورث ويظهر فيه انكساراً وإقبالاً على الله. الثالث: العزم على عدم العودة. من تاب في رمضان وعزم على أن يعود للذنب في شوال، هل هذا صادق في توبته؟ ليس بصادق في توبته. وقوله سبحانه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ يعني ترجية، كما ذكر رحمه الله، إذا صدق الإنسان «عسى» الله عز وجل أن يكفر عنه. وهذا من آثار التوبة الصادقة ما مضى من السيئات، ويدخله جنته سبحانه وتعالى بفضله. وقوله «عسى» كما قال بعض أهل العلم: يشير إلى أن التوبة وحدها لا تكفي، فلابد من أمور أخرى تعين لتوصل إلى مرضات الله ورحمته وفضله. فمن ذلك أن التوبة يتبعها عمل صالح؛ لأن العمل الصالح برهان أن التوبة كانت صحيحة. ولهذا يقول العلماء: من علامات التوبة الصحيحة أن يكون عمل العامل بعدها أحسن من عمله قبلها. وقوله: ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ﴾، قال: «بساتين». والأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالجنات: البساتين المليئة المكتظة بالخيرات حتى يغطي بعضها بعضاً. فإن أصل الجيم والنون تدل على معنى الكثافة والتغطية. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، قال: «بإدخال النار» معناه لا يخزيهم بإدخال النار. والصحيح أن هذا من التفسير ببعض المعنى. لا يخزي الله أي لا يجعل منقصة ومعنى لعدم الرفعة والكمال والكرامة، بل الله عز وجل يكرم النبي وأهل الإيمان. وفيه إشارة إلى أن مما يعين على التوبة الصادقة الصحيحة أن يسير التائب بسير النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به والصالحين من المؤمنين. وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، قال: «بأيمانهم يقولون» قال: «مستأنف». «ربنا أتمم لنا نورنا» قال: «إلى الجنة». والمعنى أن الرب العظيم الكريم يكرم النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه بإحسان من صالح المؤمنين بأن يجعل لهم نوراً يضيء لهم ويضيء لغيرهم، يسير بهم إلى جنة الله سبحانه وتعالى. والمنافقون يطفأ نورهم، كما مر معنا في سورة الحديد. فإن الرب العظيم الحكيم يبقي نور أهل الإيمان ويطفئ نور أهل النفاق. وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فالمرد كله إلى الله سبحانه وتعالى. فمن افتقر إلى الله أغناه، ومن استعان به كفاه سبحانه وتعالى. والآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. مناسبة ذكر هذه الآية بعد أن ذكر أهل النفاق والكفر الكفر؛ فإنه ناسب أن يأمر بهذا سبحانه وتعالى. وقوله: «بالسيف» هذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا في الآية عامة. المقصود مجاهدة الكفار بالسيف والسنان في مكانه وبشروطه، وبالحجة والبرهان في مكانه وبضوابطه وشروطه. والمنافقين كذلك. وقوله: «واغلظ عليهم» قال: «بالانتهار والمقت». يعني في حال حاجة ذلك بحسب مصلحته وشروطه وضوابطه. وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك تألف أهل النفاق وحرص على أن يوصل إليهم من الإحسان ما قد يعينهم إلى التوبة لو وفقهم الله. ومأواهم جهنم وبئس المصير، هذا حال الكافرين والمنافقين، والمنافقون أشد عذاباً. وكذلك عقوبة من الكافرين. ولهذا جاء هذا الإخبار منه سبحانه وتعالى في هذا الموضع. وبئس المصير قرأ بقراءتين سبعيتين مشهورتين. القراءة الأولى «وبئس» والقراءة الثانية «وبِئْس» وهي قراءة ورش والسوسي. وقرأ حمزة «وبِئْس» مع الوقف و«وبئس المصير» وقف ثم أكمل.