الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 10، الدرس العاشر:من( باب الدعوة إلى إلى شهادة أن لا إله إلا الله ... الثالثة عشر:مصرف الزكاة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وتكرارها حتى مع المعاندين، مع التشديد على الإخلاص في الدعوة. التوحيد هو أول واجب وأساس قبول الأعمال.
يشدد على شروط الدعوة إلى الله مثل الإخلاص والمتابعة والفقه والرفق والحلم، مع ضرورة أن يكون الداعي على بصيرة ويصبر على الإساءة. يجب البدء بالأهم فالأهم في تعليم الناس أمور دينهم.
يفسر معنى مصرف الزكاة وتوزيعها على الفقراء في نفس البلد مع جواز نقل الفائض إلى بلدان أخرى، مشيرا إلى أن هذه المسألة تدرس في كتب الفقه. تم التأكيد على استكمال الدرس لاحقا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه كتاب التوحيد، قال: باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وفي بعض النسخ: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحد الله»، وهي رواية البخاري، وأصل الحديث في الصحيحين كما سيأتي. قال: «فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». أخرجاه يعني بالصحيحين. ولهما -أي للبخاري ومسلم- عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها. فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». قال: قوله «يدوكون» أي يخوضون. قال: فيه مسائل: الأولى أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثانية التنبيه على الإخلاص لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه، الثالثة أن البصير من الفرائض، الرابعة من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيه الله تعالى عن المسبة، الخامسة أن من قبح الشرك كونه مسبة لله، السادسة وهي من أهمها إبعاد المسلم عن المشركين لألا يصير منهم ولو لم يشرك، السابعة كون التوحيد أول واجب، الثامنة أن يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة، التاسعة أن معنى أن يوحد الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله، العاشرة أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها -يعني كلمة التوحيد-. قال: الحادي عشرة التنبيه على التعليم بالتدريج، الثاني عشرة البدء بالأهم فالأهم، الثالثة عشرة مصرف الزكاة، الرابعة عشرة كشف العالم الشبه عن المتعلم، الخامسة عشرة النهي عن كرائم الأموال، السادسة عشرة اتقاء دعوة المظلوم، السابعة عشرة الإخبار بأنها لا تحجب -أي دعوة المظلوم-. قال: الثامنة عشرة من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء، التاسعة عشرة قوله «لأعطين الراية» إلى آخره علم من أعلام النبوة، العشرون تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا، الحادي والعشرون فضيلة علي رضي الله عنه، الثاني والعشرون فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح، الثالثة والعشرون الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عن من سعى، الرابعة والعشرون الأدب في قوله «على رسلك»، الخامسة والعشرون الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، السادس والعشرون أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا. قال: السابع والعشرون الدعوة بالحكمة لقول «أخبرهم بما يجب عليهم»، الثامنة والعشرون المعرفة بحق الله بالإسلام، التاسعة والعشرون تواب من اهتدى على يده رجل واحد، الثلاثون الحلف على الفتيا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لما يتعلق بمسائل التوحيد وكتابه كتاب التوحيد، فبعد أن ذكر باب الخوف من الشرك وما سبق من أمر تحقيق التوحيد، ناسب أن يذكر هاهنا رحمه الله تعالى أنه لا ينبغي لمن عرف ما سبق في الأبواب المتقدمة أن يقتصر في هذا الخير على نفسه، بل ينبغي أن يوصله إلى غيره. فلذلك قال بعد تلك الأبواب المتقدمة: باب الدعوة أو الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، كأنه يقول: لا ينبغي لمن عرف ما سبق أن يقتصر بهذا الخير على نفسه، بل ينبغي أن يوصله إلى غيره. ولم يذكر جوابا للترجمة، وجواب الترجمة في هذه الآية والأحاديث التي أشار إليها والمسائل التي أتبع ذلك. وقوله: «وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾» فيه التنبيه إلى أهمية الدعوة إلى الله، وللدعوة إلى الله شروط علمت كما ذكرها العلماء من هذه الآية وغيرها ومن أحاديث أخرى. فأول شروطها الإخلاص، فينافيه الشرك الأكبر والأصغر، لقوله ها هنا: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وكما ذكر في المسائل وسيأتي التنبيه على الإخلاص لأن الكثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه -يعني كأنه يريد أن لا يرد له قول-. وفرق بين من يريد الدعوة إلى الله وبين من يريد الدعوة إلى نفسه، أن الذي يريد الدعوة إلى الله يرضى بالمذلة لنفسه والنقصان ما دام ذلك يوصل إلى أن تكون كلمة الله العليا. وأما الذي يريد الدعوة إلى نفسه فهو لا يريد أن يكون نقصان لنفسه، ولو كان هذا النقصان فيه رفعة لكلمة الله، فعنده كونه يبقى له مقامه ومنزلته وجاهه واحترامه أعظم من أن ينصر دين الله. وهذا محك عظيم قد لا ينتبه له إلا القلة من الناس، فأول شروط الدعوة إلى الله الإخلاص، وثانيها المتابعة، «من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، وينافيه كل محدثة ومخالفة لنهجه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: «أدعو إلى الله على بصيرة»، فالدعوى دعوته وبما أوحاه الله إليه سبحانه وتعالى. وينافي المتابعة أمران: إحداث ما ينافي الاتباع من البدع عقيدة أو عبادة أو معاملة وغير ذلك، ومنها التغيير والتبديل لما علم أنه كان من دعوته. ويدل على الأول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وعلى الثاني: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ومن شروط الدعوة إلى الله الفقه قبل الأمر، قبل أن تدعو إلى الله لابد أن يكون عندك فقه وعلم، كما قال الله عز وجل في هذه الآية: «على بصيرة»، وذلك ليحسن ما يأمر به، ليحسن ما يأمر به. فإن من ليس له فقه ولا علم قد يسيء ولا يحسن، ولهذا قيل: الجاهل إفساده أكثر من إصلاحه. الجاهل قد يريد أن يصلح لكنه في الحقيقة يفسد، فلا يصلح أن يمكن من دعوة جاهل، لأن إفساده أكثر من إصلاحه، فالنية الحسنة لا تكفي، والحرص على المتابعة لا يكفي إذا كان صاحب هذا الإخلاص والحرص على المتابعة ليس عنده علم، فإنه سيفسد أكثر مما يصلح. وهكذا من شروط الدعوة إلى الله كذلك الرفق عند الدعوة وعند الأمر، فمن شروطه الفقه والعلم قبل الأمر، ومن شروطه الرفق عند الأمر والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو من شروط الدعوة إلى الله. وهذا الرفق له مراتب ثلاثة ذكرها ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه. فأحيانا يكون المدعو محب للحق باحث عنه، فهذا يدعى بالحكمة، وأحيانا وهذه المرتبة الثانية يكون المدعو منشغل بالباطل ولكنه لو عرف الحق غلب على الظن أنه يستبعه، فهذا يدعى بالموعظة بالترغيب والترهيب. والمرتبة الثالثة أن المدعو قد يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن. وتأمل هذه المراتب الثلاثة في الدعوة إلى الله كلها تحتاج إلى رفق، لكن الرفق يختلف من واحد إلى آخر. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق»، وقال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». فإن لم ينفع مع المعاند المعارض المجادل بالتي هي أحسن، قال ابن القيم رحمه الله: «فالجلاد إن أمكن» -يعني القتال إن أمكن-، وهذا في حق المحارب -يعني الحربي- ومن كان بمعناه. ومن شروط الدعوة إلى الله كذلك الحلم بعد الأمر والدعوة، لا يكفي فقه قبل الأمر ولا رفق عند الأمر، بل لابد كذلك من حلم بعد الأمر وبعد الدعوة إلى الله، لأنك قد تؤذى وقد كذلك يعتدى عليك، فكيف ينبغي أن يكون موقفك والحال هذا؟ هل تنتصر لنفسك أو تحلم وتصبر لدين الله عز وجل؟ الجواب: الثاني. فمن ليس عنده حلم لا يصلح أن يكون داعي إلى الله، الذي ليس عنده حلم -يعني ما يستطيع أن يصبر- لا يصلح أن يكون داعي إلى الله، لأنه يفسد أكثر مما يصلح، هو عنده إخلاص ما شاء الله، وعنده كذلك متابعة ما شاء الله، وعنده كذلك علم ما شاء الله، وعنده كذلك رفق، هذه الخصال الأربع كلها طيبة، لكن ما عنده حلم. انظر: تجاوز أربعة صعاب، لكن جاء عند الخامسة فأفسد، اعتدى عليه أحد أو لم يقبل عليه أحد أو جفى عليه بقول أو فعل أحد، فكانت منه ردة فعل، ماذا تنافي الحلم؟ هل هذا يصلح أن يكون داعي لله؟ الجواب: لا، لأنه في الحقيقة انتصر لنفس، انتصر لنفسه، لو كان داعي لله الدعوة إلى الله تقتضي الحلم، لا ينتصر لنفسه، ولا تكون له ردة فعل كذلك على حساب دين الله. ما دام يعلم أن الأصلح أصلح لدين الله أن يصبر، إذن يصبر ويحلم. والحلم كما تعرفون هو حجز النفس عن الانتصار لها، حجز النفس عن الانتصار لها من السفهاء والجهال، وهذا له نفع عظيم. فكم من سفيه ومعتدي يحلم به فيكون الحلم سببا لرجوعه إلى الحق بعد نفوره منه، سببا لرجوعه إلى الحق بعد نفوره منه. وهذا كثير في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله تعالى عنهم. وقوله رحمه الله تعالى: «عن ابن عباس إلى آخره» أورد هذه الأحاديث -حديث ابن عباس- ليستدل به، والشاهد في قوله: «حين أرسل معاذا إلى اليمن فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، فإن مما يجب على ولاة الأمور إذا مكن الله لهم أن يرسلوا الدعاة إلى الله في الأرض. ومن أعظم ما يدعى إليه التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله. وفي حديث سهل بن سعد كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عليا، فهو إذا من واجبات ولي الأمر، ومما يجب على المسلمين الدعوة إلى الله، وأن الدعوة إلى الله قبل القتال. لهذا قال: «فإذا حتى تنزل بساحتهم ثم دعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم». وفي هذا فائدة أخرى، وهي أن الدعوة إلى الله ودعوة الناس إلى التوحيد تكون لمن بلغه التوحيد ولمن لم يبلغه التوحيد، ولمن قامت عليه الحجة من قبل وممن لم تقم عليه الحجة من قبل. فحديث معاذ لأهل الكتاب، فغير أهل الكتاب من باب أولى لأنهم ما يعرفون التوحيد، أهل الكتاب عندهم علم بأصل كلمة التوحيد، فالوثنيون واللادينيون من باب أولى أن يدعوا إلى التوحيد، وأن يعرض عليهم أمر الدعوة إلى الله. وفي حديث سهل بن سعد وقصة علي: أنه أرسل علي إلى اليهود، وأمره أن يدعوهم إلى الله ويدعوهم إلى التوحيد، مع أن اليهود قد حصل منهم ما حصل، وعلموا بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، وحصل منهم نقض للعهد، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعادة الأمر عليهم. وفي هذا إشارة إلى أن الداعي إلى الله وإلى التوحيد على وجه الخصوص ينبغي عليه أن يعيد ويكرر دعوته، يعيد ويكرر دعوته ولو كان المدعو معرضا معاندا. وهذا هو قوله: «وجادلهم بالتي أحسن». وأما قوله: «المسألة الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسوله» واضح للآية التي ذكرها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، وقوله: «التنبيه على الإخلاص لأن كثير من الناس لو داعي للحق فهو يدعو إلى نفسه» إشارة إلى أهمية تحقيق هذا المقام، لأن ربنا جل وعلا أمر به في هذا الموضع، قال: «أدعو إلى الله» ليس إلى غير الله، فأنت لا تدعو إلى جاه ولا تدعو إلى دنيا ولا تدعو إلى نفسك حتى يكون لك منزلة بين الناس ويكون لك أمر ونهي. وهذا ما قد يدخل في بعض النفوس المريضة التي تتخذ الدعوة إلى الله سبيلا للترفع على الخلق. وقوله: «من دلائل حسن التوحيد» الرابع: «الثالثة: أن البصير من الفرائض» لأن الله عز وجل أخبر أنه سبيل نبيه عليه الصلاة والسلام، فهو فرض، وهو أحد تفاسير «ومن اتبعني» فقد فسر «ومن اتبعني» أي: أنا أدعو على بصيرة، وهكذا يجب أن يكون من اتبعني يدعو إلى بصيرة. وفسر «ومن اتبعني» أي: هم على بصيرة كما أنا على بصيرة، وهذا يصح إذا كانوا على نفس ما كان عليه عليه الصلاة والسلام، أي: أتباعه، سواء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم أولى الناس بذلك، أو من جاء بعدهم إذا وفقوا إلى طريقه عليه الصلاة والسلام، فهم كذلك على بصيرة، فيكون فيه الثناء على من اتبعه بحق. والثالث: فسر «ومن اتبعني» أي: أدعو إلى الله، وكذا أتباعي يدعون إلى الله. والتفسير الأول والثاني أقرب. وقوله: «الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيه تنزيه الله تعالى عن المسبة» أي: لقوله في آخر الآية: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فإن الله عز وجل ينزه عن الشرك. وقوله: «أن من قبح الشرك كونه مسبة لله» يعني لذكر التسبيح عند ذكر الشرك: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فالتنزيه بالتسبيح يدل على قبح الشرك. وقوله: «وهي من أهمها إبعاد المسلم عن المشركين» يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام: فيما أمره الله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني: لا في فعلهم ولا في قولهم ولا في طريقتهم ولا كذلك في مخالطتهم. فيكون فيه دلالة على أن المسلم ينبغي أن يبتعد عن المشرك تمام البعد حسا ومعنا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن والمشرك لا تتراءى نارهما»، يعني: لا ينبغي أن يكون بعضهم قريب من بعض. «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين»، فإذا كان العيش بين المشركين محرما، فكيف بالأخذ بشيء من أفعالهم أو التساهل بشيء من طرقهم؟ كأنه يشير رحمه الله إلى سد كل ذريعة توصل إلى الشرك. وقوله: «السابع: كون التوحيد أول واجب» لأنه أمر معاذ به: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي الرواية الأخرى للبخاري: «أن يوحدوا الله». وقوله: «أن يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة» يعني: أن التوحيد أهم من الصلاة، خلافا لمن لم يفهم ذلك من العامة الناس وأتباع بعض القبوريين. فإنهم ربما استدلوا بالصلاة على إيمان عباد القبور، مع أن الصلاة ليست أهم من التوحيد، بل هي تبطل إذا بطل التوحيد، لأن الأعمال كلها تحبط إذا كان التوحيد غير صحيح: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فتقديم النبي عليه الصلاة والسلام للتوحيد على الصلاة دل على أنه الأصل والأساس، لا تصلح الصلاة إلا بالتوحيد، وهذا ما لا يدركه الكثير من عامة الناس ممن أصابته لوثة دعاة القبور. يقول: «التاسع: أن معنى أن يوحدوا الله معنى شهادة لا إله إلا الله» يعني: تفسير كلمة التوحيد لا إله إلا الله أنها ليس قول في اللسان فقط، بل معناها توحيد الله عز وجل في العبادات كلها. وقوله: «أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب» العاشرة: «وهو لا يعرفها» أي: لا يعرف كلمة التوحيد، أو يعرفها ولا يعمل بها. لأن هذا حال أهل الكتاب، هم علموا بكلمة التوحيد، ومنهم من يقولها بلسانه ولم يعمل بها، فالأول لم ينتفع، والثاني لم ينتفع، لأن المقصود هو القول باللسان والمعرفة لمعناها والعمل بمقتضاها، فمن قصر في أحد هذه الثلاث مع اليقين بالقلب فإنه ليس ينتفع بهذه الكلمة. فليس كل من قال: لا إله إلا الله انتفع بها، لأن هذا ما يقوله عباد القبور في زمن المؤلف وإلى يومنا هذا يقولون: كيف تقولون أن هؤلاء يفعلون الشرك وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فيقال: هؤلاء أهل الكتاب، هم يقولون: لا إله إلا الله، وهم يصلون، وهم ... لكن ما نفعتهم لا إله إلا الله لأنهم لم يأتوا بشروطها. إذن العبرة بالعمل الصحيح الموافق لمقتضى هذه الكلمة، بالإتيان بالخصال الأربع: عقيدة صحيحة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، مع العلم بذلك. قوله: «الحادي عشر: التنبيه على التعليم بالتدريج» يعني: لأن النبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ بالتوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة. وقوله: «البدء بالأهم فالأهم» أي: أن التوحيد أهم، ثم الصلاة أهم من الزكاة. وقوله: «مصرف الزكاة» يعني: أن ما ذكر في الحديث هو الأصل: تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء، نفس البلد، فإن زاد جاز أن ينقل إلى غيرهم. وهذه مسألة تذكر في كتب الفقه. طيب نكتفي بهذا، والانتهاء الوقت، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.