القول السديد في مقاصد التوحيد  42

القول السديد في مقاصد التوحيد 42

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 42، الدرس الثاني والأربعون:من( باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف ِإذا عبده ...والذين يتخذون القبور مساجد رواه أبو حاتم في صحيحه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من عبادة الله عند قبور الصالحين

يناقش التحذير من عبادة الله عند قبور الصالحين مستندًا إلى أحاديث نبوية تحرم ذلك وتعتبره من ذرائع الشرك. الإسلام نهى عن الغلو في الصالحين وعبادتهم أو عبادة الله عند قبورهم.

الغلو في الصالحين واتخاذ الصور والتحذير منه

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الغلو في الصالحين واتخاذ الصور، وهذا الفعل محرم في الإسلام ويعتبر شركًا. أهل الكتاب والمشركون وقعوا في هذا الخطأ حيث عبدوا الصالحين واتخذوا صورهم للتعبد.

تفاوت شرك الأولين والآخرين وتطوره

يشرح تفاوت شرك المتقدمين والمتأخرين، حيث كان شرك الأولين أكثر في الألوهية بينما صار شرك المتأخرين في الربوبية والألوهية معًا. المتأخرون أصبحوا يعتقدون أن الأولياء لهم دور في حفظ الكون وتدبير الأمور.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

تم اختتام الدرس عند هذا الحد مع الإشارة إلى أن هناك المزيد سيتم تناوله في درس لاحق. الله تعالى أعلم بما سيتم شرحه لاحقًا.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «كتاب التوحيد»، باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ قال في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». قال: «فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل». قال: ولهما عنها، قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذروا ما صنعوا». ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجاه. ولمسلم عن جندب بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -يعني خمس ليال- وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». قال: فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن المسجد، وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدًا»، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». قال: ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا -رضي الله عنه أرضاه-: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». قال: ورواه أبو حاتم في صحيحه. أورد المصنف -رحمه الله تعالى، صاحب المتن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى- هذا الباب في سياق ذكره لأبواب ومسائل هذا الكتاب العظيم المسمى بـ«كتاب التوحيد». ومر معنا أنه -رحمه الله- تدرج في أبواب هذا الكتاب حتى شرع في المقصود من المسائل التي أراد التنبيه عليها مما ينافي التوحيد. والمناسبة في إيراد هذا الباب بعد الباب الذي قبله في بيان سبب كفر بني آدم وتركهم لدين أنبيائهم: أنه الغلو في الصالحين، ثم ذكر هنا التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ليبين أن من مظاهر الغلو، ومن ثمار وآثار الغلو في الصالحين: عبادة الصالحين، أو عبادة الله عند قبور الصالحين، ليس فقط عبادة الصالحين، بل حتى عبادة الله عند قبور الصالحين، هذا من آثار الغلو، وكله لا يجوز، لأنه بين الشرك الأكبر والأصغر، وجاء الإسلام لسد كل ذريعة موصلة ومفضية إلى الشرك. ثم ذكر هذه الأحاديث التي فيها دلالة ظاهرة على ما بوب به -رحمه الله-، فقوله: «باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح»، إشارة منه إلى أن الإسلام نهى عن عبادة الله عند قبور الصالحين، فكيف بعبادة هؤلاء الصالحين؟ إذا كان أمر عبادة الله عند قبور الصالحين محرمًا؛ لما فيها من ذرائع الشرك، فكيف بعبادة قبر هذا الرجل الصالح؟ وأعظم من ذلك: كيف إذا لم نجزم أن هذا من الصالحين؟ ثم أورد هذه الأحاديث التي فيها الدلالة على هذا المعنى، أولها حديث عائشة في قصة أم سلمة، وجاء في رواية عنها وعن أم حبيبة -رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم- في قصة الكنيسة التي رأتها، وفي رواية: هي وأم حبيبة رأتاها بأرض الحبشة، وجاء في بعض الروايات: أن اسم هذه الكنيسة «مارية» -أي: باسم مريم أم عيسى نبي الله عليه الصلاة والسلام-. والشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من أسباب ضلال من ضل من أهل الكتاب: غلو أهل الكتاب في أنبيائهم وصالحيهم، ولهذا قال: «الرجل الصالح أو العبد الصالح»، فـ«العبد الصالح» هو النبي، و«الرجل الصالح» هو من يصفه الناس بالولي. ومعنى أن فعل ذلك هو من صور ضلال أهل الكتاب: فلا يجوز أن يبنى على قبر نبي ولا غيره مسجدًا؛ لأنه قال في الحديث: «بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور»، كما لا يجوز اتخاذ الصور لا للأنبياء ولا لأحد من أتباع الأنبياء. فما يفعله النصارى من اتخاذ الصور في الكنائس: صورة عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه، وغير ذلك، فكل هذا مما أنكر على أهل الكتاب. ومثله ما يفعله بعض الناس اليوم، ما الفرق بين التعبد -تعبد النصارى- بتعليق صور عيسى عليه الصلاة والسلام -وهو نبي من أنبياء الله- وما يفعله بعض الناس اليوم من التعبد بصور بعض الصالحين؟ تجد مع بعض المتصوفة في محفظته صور بعض من يظن أنه من الصالحين أو الأولياء، حتى ربما إذا أراد أن يسافر في السفر فتح هذه الصورة وقبلها، ووضعها على عينه اليمنى، ثم على عينه اليسرى، ثم مسح بها على صدره، وربما على ظهره ورأسه، وربما مسح بالصورة على أولاده واحدًا واحدًا. وقد رأيت مثل هذا عند بعض الأعاجم يفعلون نحو هذا بصورة بعض أمثال هؤلاء الذين يعبدون من دون الله، وهذا كثير، حتى صار بعضهم إذا أراد أن يركب الطيارة -الناس يذكرون ذكر السفر وذكر الركوب- وهو أول ما يبتهل، بدل أن يبتهل ويلتجئ إلى الله يلتجئ إلى هذه الصورة، يفتح المحفظة وينظر إلى الصورة ويبدأ بتقبيلها ومسحها على جسده، وإذا معه مرافق مسحها على مرافقه. هذا عين ما وقع فيه النصارى، وأشد وأشد مما وقع فيه النصارى، ولأجل هذا وغيره حرم اتخاذ التصاوير. وهكذا كذلك ما يصنعه بعض الناس حتى في بلادنا هذه، وربما الكثير منكم رأى من هذه المظاهر الوثنية والشركية عند بعض الناس: يركب في التاكسي -سيارة الأجرة- كل قليل يخرج المحفظة وينظر في الصورة يتأمل، تنظر ماذا ينظر؟ صورة من هذه؟ هل صورة زوجته؟ صورة أمه؟ صورة أبيه؟ لا، صورة بعض الصالحين، يبقى متأمنًا لها ويدخلها ثم يخرج المحفظة وينظر فيها في هذه الصورة، وهكذا. هذه من صور العبادة لغير الله عز وجل، بل فعل هؤلاء أشد من فعل النصارى؛ إذا كان النصارى بين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام من شركهم وقوعهم في الغلو في باب التصوير، والغلو في الصور. وهكذا قوم نوح عليه الصلاة والسلام قبلهم، فإن هؤلاء المتصوفة وقعوا في أشد من ذلك، وذلك كما ذكر العلماء من ثلاثة أوجه. نعم، من يذكر لنا هذه الأوجه الثلاثة؟ هتيا أبا محمد، السؤال، السؤال. غلو هؤلاء في التصاوير هو نوع من الشرك أعظم من شرك النصارى في التصاوير، وقوم نوح من ثلاثة أوجه، ما هي هذه الأوجه الثلاثة؟ نعم. الأول: كما ذكر أخونا أبو محمد: أن قوم نوح لم يعبدوهم من أول الأمر، وإنما اتخذوا تلك التصاوير لينشطوا على العبادة، وفي آخر الأمر عبدوا من دون الله، فهذا وجه، وفي هذا كذلك رد على هؤلاء المتأخرين الذين قد يقولوا: نحن ما نعبدهم، وإنما ننظر إليهم لننشط في العبادة، كما نشطهم في العبادة، فيقال: هذا عين ما وقع فيه قوم نوح، وهو الذي حذرنا منه. والثاني: وهو الذي ذكر ذكره أهل العلم: أن أولئك عبدوا أنبياء وصالحين، وأكثر المتأخرين عبدوا من ليس كذلك، منهم من لا يصلي، ومنهم من هو معروف بالسحر والشعوذة وغير ذلك. وهذا هو الوجه الأول، وما ذكر هذا يقرب كذلك المعنى الثاني: أن هؤلاء كانت عبادتهم في الربوبية وفي الألوهية، حتى ظن بعض المتأخرين أن بعض أصحاب هذه الصور يحفظ الكون، وأنه قطب من الأقطاب، وأن بيده تدبير أمور الدنيا، وهذا لم يعتقده الكثير من المشركين في الزمان الأول، بل كان أكثر شركهم في باب الألوهية، وليس في الربوبية، ولهذا قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، أما اليوم يوجد من الناس من يقول: من خلق السماوات والأرض؟ يقول لك: الولي الفلاني، وهذا موجود. فقد ذكر الخطيب البغدادي في «الكفاية» -رحمه الله- قصة عن بعض غلات الرافضة، وكان في مجلس حديث، وكان لا يفتتح مجلس الحديث حتى يسأل الطلاب: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: علي، من شق الأنهار والبحار؟ فيقولون: علي، حتى حضر في مجلسه -كما يقولون- بعض أهل الحديث، وكان سنيًا، فأراد أن يغيظه، فلما سأل في أول الدرس: من خلق السماوات والأرض؟ قال له: معاوية، طبعًا ليس معاوية خلق السماوات والأرض، لكن فقط أراد أن يغيظه، أراد أن يغيظ هذا الرافضي، وهذه القصة ذكرها الخطيب البغدادي في «الكفاية»، هذا قبل كم؟ قبل مئات السنين. واليوم يوجد كذلك من أمثال هؤلاء من عنده مثل هذه العقيدة الفاسدة، وهكذا كذلك في سائر مسائل الربوبية، يوجد اليوم من يعتقد في بعض هؤلاء -من يسمونهم أولياء- من الأحياء والأموات: من يظن أنه يدبر أمر السماوات والأرض، حتى يجعله شريكًا لله في الربوبية. وهذا هو السر الذي لأجله ترى أمثال هؤلاء يضعون الصور في ماذا؟ في مخباتهم، لأجل أن صاحب الصورة يحفظهم، وهذا الشرك في الربوبية، أم في الألوهية؟ ها، في الربوبية، الحافظ والله وحده، الله وحده هو الحافظ. فهؤلاء وإن زعموا أنهم ما يسجدون لغير الله، ولا يصلون لغير الله، يكفي بشركهم كفرًا وشركًا أن يعتقدوا أن غير الله يحفظ مع الله، أو حفظه أعظم من حفظ الله، هذا من كبير الشرك والكفر. وقد رأيت بعيني أحد هؤلاء، أول ما صعد الطائرة وجلس على الطائرة أخرج صورة الولي المزعوم، وجعل ينظر إليه ويقبل ويمسح على عينه والعين الأخرى، وعلى جسده ومن فوق ومن تحت، وإذا طلعت الطائرة وبدأت تسير بقوة وتصعد يمسح بقوة، يعني يرى أن صاحب الصورة يحفظ أعظم من حفظ الله، حتى تعلق قلبه بصاحب الصورة إلى هذا الحد، أليس هذا عين الشرك الذي وقع فيه أولئك وأشد؟ وهكذا ثانيًا أو ثالثًا: أن الشرك المشركين الأولين كان أكثره في ماذا؟ في الرخاء، أما في الشدة فهم يلجأون إلى الله، كما أخبر الله عز وجل عنهم: أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، علموا أنه لا ينفع لا ولي ولا غير ولي. لكن هؤلاء المساكين شركهم أشد من شرك المشركين الأولين، صاروا يتعلقون بغير الله في الشدة وفي الرخاء، بل تعلقهم بغير الله في الشدة أعظم من تعلقهم بغير الله في الرخاء، يعني صار شركهم أشد من شرك المشركين، وصار بعض أولئك رؤساء وزعماء وعلماء الضلال وعلماء السوء وعباد القبور يبثون في الناس هذه العقيدة السيئة حتى في بعض الكتب المعاصرة لهؤلاء، بل وفي منظوماتهم: أن أقطابهم وأولياءهم ينجون الناس في وقت الشدائد، ومن ذلك إذا كانوا في أوساط البحار، حتى جعل بعضهم قصيدة لنفسه من المعاصرين: أنه أنجى سفينة كادت أن تغرق، وهذه كرامة يزعم ويدعي أنها له، وهذا شرك في الربوبية، وتعليم للناس للشرك في الشدة فضلاً عن الرخاء. فلهذا ولغيره قال العلماء: أن شرك المتأخرين أشد من شرك المتقدمين من ثلاثة أوجه، وهي هذه الأوجه الثلاثة. طيب، لهنا ونكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.