الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 58، الدرس الثامن والخمسون:من( باب ما جاء في التطير ... لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش مفهوم التطير والتشاؤم في الإسلام ويبين أنه يتنافى مع التوحيد ويمكن أن يكون ذريعة للشرك. الإسلام حرم التطير وسد الذرائع المؤدية إليه.
يتناول مفهوم التطير والتشاؤم في الجاهلية ورد الإسلام عليها، حيث ينفي وجود الطيرة والعدوى ويبين أن المصائب تحدث بسبب الذنوب والمعاصي.
يشرح كيف يجمع الإسلام بين نفي العدوى وإثباتها، ويوضح الفرق بين موقف الموحد وغيره في التعامل مع الأسباب ومسبب الأسباب، ويبين شروط التوكل الصحيح.
يوضح أن الفأل الحسن لا يتعارض مع التوكل على الله، ويبين أن اعتقاد أن المخلوقات تسبب الخير أو الشر بذاتها يعد اعتقادا خاطئا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه كتاب التوحيد، باب ما جاء في التطير، وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، أخرجاه، زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول». ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل»، قال: «وما الفأل؟» قال: «الكلمة الطيبة». قال: «وليه -أي أبي داود- بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحسنها الفأل»، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». وله من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل»، رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. ولأحمد من حديث ابن عمر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، قالوا: «فما كفارة ذلك؟» قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». قال: «وله من حديث الفضل بن عباس: إنما الطيرة ما أنضاك أو ردك». أورد رحمه الله تعالى هذه هي الأحاديث والآثار في هذا الباب، باب ما جاء في التطير، وهو باب آخر من أبواب سبعة، هذا أحدها، في ذكر بعض الأعمال الشيطانية التي يتعامل بها شياطين الجن والإنس، ويكون بها إضلال الخلق، ويكثر تداولها عند عباد القبور، وهي مما تنافي التوحيد وتضر به، وهي من الذرائع إلى الشرك. فحماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشرك حرم التطير في دين الإسلام، والتطير هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، المسموع مثل أصوات بعض الحيوانات، والمرئي مثل بعض المرئيات من أوصاف بني آدم، يتشاؤم بعض الناس من الأصوات، صوت الكلب أو صوت البوم، وهكذا يتشاؤم بعض الناس من رؤية الأعمى في أول النهار أو الأعرج أو رؤية الكلب أو الحمار أو غير ذلك مما يتشاؤمون منه. وهكذا المعلوم، التشاؤم من المعلومات من أيام أو شهور أو ألوان أو أرقام، فبعض الناس يتشاؤم من يوم الأربعاء، وبعضهم يتشاؤم من شهر صفر، ولهذا جاء في بعض الروايات: «ولا صفر ولا نوء ولا غول»، وفسر صفر أي شهر صفر، وفسر داء الصفار. وهكذا كذلك بعض الناس يتشاؤم من بعض الأرقام مثل رقم ثلاثة عشر عند بعض الأعاجم، وغير ذلك مما يتشاؤم منه بعض الناس من المعلومات، فكل ذلك يدخل في معنى الطيرة، ولا ينحصر معنى الطيرة بظن حصول الشر من هذه المسموعات والمرئيات والمعلومات، بل حتى من جعلها أسبابًا للخير فهو معنى آخر من معاني الطيرة المذموم. فقد كان للعربي تعلق بحركة الطير، فيذهبون إلى من يقال له العائف، وهو من يزعمون أنه له خبرة بحركة الطيور، فيحرك الطير، فإن سارت يمنة قال: سفرة مباركة، وإن ذهبت شمالًا قال: سفرة مشؤومة، فجعل حركة الطير سببًا لذلك، أو كذلك منازل النجوم يجعلونها إذا كانت في منزل كذا فمعناه كذا، أو في منزل كذا فمعناه كذا، وكل هذا من عقائد أهل الجاهلية الباطلة، وجاء الإسلام لنفيها. ثم أورد رحمه الله هاتين الآيتين والأحاديث والآثار في هذا الباب، أما الآية الأولى ففي قصة فرعون وقومه مع موسى عليه الصلاة والسلام، فإنهم زعموا أن ما أصابهم هو بسبب موسى -يعني من ابتلاء ابتلوا به في بعض ما في أيديهم من الدنيا- فردوا ذلك إلى موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه. فقال الله عز وجل لهم: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، جاء عن ابن عباس ومجاهد وجماعة أن طائرهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وهذا يشبه قول بعض العامة إذا منعوا من المطر أو تأخر قالوا: هذا بسبب المطاوعة، وإذا وقعت مصيبة أو شيء قالوا: هذا بسبب المطاوعة، وهذا من جنس ما قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام ومن معه، فنسبوا ما ابتلوا به من ضراء إلى أهل الخير والصلاح، وهذا لجهلهم وسوء ظنهم. وهكذا كذلك لغرورهم بأنفسهم، وإلا لو فتشوا وعلموا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ لعلموا أن سبب ذلك الذنوب والمعاصي، سواء منهم أو من غيرهم، فينظرون ويتتبعون من هو الذي عنده سبب هذا البلاء، فعليه أن يتوب وينيب، فإنه لا يقع بلاء إلا بسبب ذنب. وهكذا الآية الثانية فيها خبر بعض رسل الله حين جاءوا إلى أممهم فتطيروا منهم، فقالوا: «إنا طيرنا بكم»، تطيروا أي تشاءموا أن يصيبهم شيء، فأخبروهم أن طائرهم معهم، أي بسبب أعمالهم، إن أحسنوا أحسن إليهم، وإن أساؤوا عوملوا بعدل الله عز وجل، فهو مثل الآية الأولى: طائركم معكم. ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الحديث فيه نفي وجود العدوى والطيرة والهامة والصفر أو وصفر، وفي رواية مسلم: «ولا نوء ولا غول»، وكما قال ابن القيم رحمه الله: النفي أبلغ من النهي، يعني لو جاء الحديث: «أنه نهى عن العدوى وعن الطيرة» لم يكن في الفصاحة والبيان والبلاغ مثل النفي؛ لأن النفي يتضمن النهي وزيادة. ووجه ذلك أنه إذا قيل لمن له تعلق بالطيرة والعدوى: «لا وجود أصلًا للعدوى والطيرة»، لا وجود لها، فكأنه يقال له: «إذن لماذا أنت تتعلق بها؟ فأنت تتعلق بشيء غير موجود»، فصار فيه ماذا؟ فيه أولًا نفي وجود هذا الشيء، وفيه ثانيًا أن تعلقه تعلق بوهم وخيال، فتضمن ذلك نهي عن ذلك مع التعليل به: أنه تعلق بشيء ليس له وجود، إنما هي أوهام وخيالات. ولهذا جاء في صحيح مسلم في حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصد»، ومعناه أن هذا التطير إنما هي أوهام نفسية، أوهام وخيالات لا وجود لها في الواقع، وهذا هو. وأما العدوى المذكورة هاهنا ومن فيهن لا تنافي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، ولا ينافي ما جاء كذلك في الصحيح، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «لا يوردن ممرض على مصح»، فهنا فيه إثبات عدوى، وهنا فيه نفي عدوى، والجمع بينهما بأن المنفي هو العدوى على ما كان يظنه أهل الجاهلية: أن الشيء يعدي بأصله، فإذا اقترب السبب يرون أنه لا بد أن يقع. ومثله اعتقاد أهل الجاهلية في عصرنا هذا، فهم يظنون أن العدوى لا بد منها أن تقع، وأما أهل الإسلام فهم في هذا وسط بين من نفاها بالمرة فأخطأ، وبين من تعلق بها بالمرة فكذلك أخطأ، ولكن الصواب أن الإسلام أثبت أن هناك أسبابًا للعدوى، وأن العدوى قد تقع وهي السبب، ولكنها لا تقع إلا بمشيئة الله عز وجل وإرادته. ولذلك فالمسلم لا يتعلق بالأسباب، بل يتعلق بمسبب الأسباب، فلا يمنعه السبب من واجب، ولا يوقعه في محرم؛ لأنه يتعلق بمسبب الأسباب، مثاله: الجاهل الجاهلي قديمًا وحديثًا إذا ابتلي بهذا السبب، فهو لشدة خوفه منه وكثرة حبه للدنيا ربما عظم أمره على حساب الواجب أو الوقوع في المحرم. أما المسلم فلا؛ لأنه لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، إذا ابتلي بها لأنه متعلق بالله عز وجل مسبب الأسباب، فمثلًا إذا ابتلي الجاهلي بمرض معدي في أحد أقربائه، هو مستعد أن يتخلى عن هذا القريب لأجل هذا المرض، ولشدة خوفه من العدوى، أما الموحد الذي يعرف أن عليه حقًا مع هذا القريب، وإذا وقع هذا الداء الذي قد وصف أنه قد يقع بالعدوى، يعرف أنه قد ابتلي بهذا، فهو يحاول جاهدًا أن يدفع أسباب العدوى، وفي نفس الوقت لا يمكن أن يتخلى عن الواجب الذي عليه مع هذا القريب. أما الجاهل لا ربما يدفن قريبه حيًا، يدفنه حيًا من أجل ماذا؟ الخوف من العدوى، حتى في زماننا المعاصر ربما تجد بعض الكفار والفجار يرمي بقريبه في الملاجئ ويتخلى عن الواجب الذي يجب عليه معه، ما أن صاحب الملجأ ماذا سيفعل؟ أليس هو بشر كما أنه بشر؟ أليس سيتخذ حمية؟ وأنت كذلك اتخذ حمية، لكن لا تترك الواجب الذي عليك، تتخذ الحمية وتقوم بما يجب عليك مع هذا القريب. ففي هذه المواضع يتبين الفرق بين موقف الموحد وبين غيره ممن تعلق قلبه بالأسباب أعظم من تعلقه بمسبب الأسباب، وهذه مسألة دقيقة من مسائل العقيدة والتوحيد، قل من ينتبه ويلتفت لها، وقد نبه عليها العلماء لعظم أمرها، وهي تدخل في معنى التوكل وحقيقته. فلا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، معرفة علمية وعملية توجب له كمال التعظيم لربه سبحانه وتعالى والتعلق به، والثاني العمل بالأسباب التي أمر بها، فلا يتم التوكل حتى يعمل بالأسباب، فعدم العمل بالأسباب يقدح في الشرع والعقل، والتعلق بالأسباب يقدح كذلك في الشرع والعقيدة. والثالث هو أن يعتمد على مسبب الأسباب لا على الأسباب، فلا يتم توكل المسلم إلا بهذه الخصال والشروط الثلاثة، وهكذا نفي الطيرة، قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا طيرة»، أي لا وجود لهذه الطيرة، وقد أشكل على بعض الناس كذلك هذا مع الفأل، وبين النبي صلى الله عليه وسلم في مسيئة -إن شاء الله- أن الفأل المقصود منه المعنى الحسن الذي لا ينافي التوكل على الله وكمال ربوبيته سبحانه. فليس معنى الفأل الحسن اعتقاد أن بعض المخلوقات أسباب لحصول الخير والشر، والله لم يجعلها أسبابًا لذلك، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه في الدرس اللاحق، ونقف لهنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.