الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يضرب الله مثلًا لامرأة نوح وامرأة لوط للتحذير من الكفر والمعاصي، ويبين أن قرب الشخص من الصالحين لا ينفعه إذا لم يكن صالحًا بنفسه.
يُستدل من قصتي امرأة نوح وامرأة لوط أن القرب من الصالحين لا ينفع إن لم يصاحبه عمل صالح، وأن حفظ الله لعبده يكون بحسب تقواه وصلاحه.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن ينجي أباه أو أمه من النار بسبب كفرهما، والاعتماد على النسب في النجاة من النار غير صحيح.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾، قال المفسر رحمه الله تعالى: ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما في الدين، إذ كفرتا، وكانت امرأة نوح، واسمها واهلة، تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط، واسمها واعلة، تدل قومه على أضيافه إذا نزلوا به ليلًا بإيقاد النار، ونهارًا بالتدخين، فلم يغني أي نوح ولوط عنهما من الله من عذابه شيئًا، وقيل لهما: أدخل النار مع الداخلين من كفار قوم نوح وقوم لوط. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في سورة التحريم التي احتوت على عدد من الأحكام والحكم، وفي هذه الآية التي يختم بها وما بعدها هذه السورة العظيمة، يضرب الله عز وجل مثلًا لأهل الكفر وأهل الإيمان، والمراد بضرب هذا المثل عظاتٌ وعبر ومواعظ وحكم يراد منها الاعتبار بقصص الأولين وأخبارهم، بما ينتفع به من بعدهم من التالين والآخرين. لما ذكر الله عز وجل الأحكام السابقة في هذه السورة سورة التحريم، وكانت أكثر هذه الأحكام واقعةٌ في الأسرة الواحدة، ومنها ما ينافي ويخالف الشرع، أتبع بهذه الآية وما بعدها ليبين سبحانه وتعالى خطورة الكفر والمعاصي وأثرها على أصحابها، وأن صاحبها لا ينبغي أن يغتر أنه من الأسرة الكبيرة أو أن صلاح قريبه ينفعه ويدفع عنه، فإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط لم تنتفعا بقربهما من هذين النبيين الصالحين، فكذلك ينبغي أن يحذر كل من وقع فيما يؤذي الله سبحانه وتعالى أن يعاجله الله عز وجل بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة. فهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا»، وهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، فليس بين الله وبين خلقه نسبًا، بل الله عز وجل كما أنه غفور رحيم فهو شديد العقاب وسريع الحساب سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن يغتر أحد بنسبه ولا بأسرته ولا بقرابته من الصالحين، فإن قربه لن ينجيه إذا لم يعمل بما أمر الله عز وجل به. فانظر إلى هذا المثل العظيم الذي ضربه الله عز وجل في امرأة نوح وامرأة لوط، والله عز وجل يضرب الأمثال، وضرب الأمثال في القرآن لعظات وعبر وحكم، ومنها الاعتبار بما ضرب به المثل حتى لا يقع ولا يتكرر على من أريد وعظه، ومن هذه العبر والعضات وضع الأقيسة، ولهذا ذكر غير واحد من أهل العلم أن الأمثال في القرآن كلها تدل على القياس ومشروعيته في دين الله عز وجل. فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، فمن كان خبيثًا ولو كان من أشرف الأنساب وأعلى الأحساب لم ينفعه نسبه ولا شرفه، بل ما دام هو بنفسه خبيثًا فيلحق بأهل الخبث، وإن كان ليس له نسب وليس له جاه ولكنه طيب فإنه يلحق بالطيبين، والله عز وجل حكم عدل، ولهذا كان أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيهم الشريف والوضيع، وفيهم الأسود والأبيض، وفيهم الحر والعبد، لا فرق بين أحد، لا عربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فلا يأتي أحد ويقول: أنا من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقسم بالله: والله ما يتركني رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار، سبحان الله تعالى على الله وعلى دينه وعلى شرعه، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنا بالحَوْض فأقول: أمتي أمتي»، وفي رواية: «من أمتي»، وفي رواية: «أصحابي أصحابي»، «فتقول له الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقًا سحقًا لمن غيّر وبدّل». ألم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه ولمن أراد من قرابته فلم يؤذن له، فثبت في الصحيح أنه قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن ينفع أمه فكيف بمثل هؤلاء السفهاء الذين تعدوا على حدود الله وخرجوا عن شريعته وكفروا بدينه، ثم يقولون: والله ما يتركنا جدنا صلى الله عليه وسلم في النار. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لذلكم الرجل: «أبي وأبوك في النار»، ما استطاع أن ينجي أباه من نار جهنم لأنه مات على الشرك والكفر، ما استطاع أن ينجي أمه من نار جهنم لأنها ماتت على الشرك والكفر، وهذا هو الصحيح، وقول المتصوفة والرافضة والخرافيين من أن الله أعاد أرواح والدي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم كذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه وعلى شرعه، فليس هناك شيء صحيح لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك. فوقوله سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ﴾، لم يقل: زوجة نوح، ولم يقل كذلك زوجة لوط، وإنما قال: امرأة، وهذا من بلاغة القرآن وعظيم الفصاحة والبيان في هذا الكتاب العظيم، ومحتواه من مواضع البيان والفصاحة في اللغة العربية، وهذا كذلك من عظيم أثر القرآن في حفظ اللغة العربية. القرآن له فضل عظيم في حفظ اللغة العربية، تغيرت واندثرت واندحلت أكثر لغات أهل الأرض، بل كلها لم يبقَ من أصلها وفصاحتها بمثل ما كان من أمر اللغة العربية، ومن أعظم ما أبقى اللغة العربية هذا القرآن العظيم الذي انتشر في الأمم فتعلمه الناس وتعلموا لغته، فحفظوه وحفظوا قواعد لغته ليستطيعوا أن يفقهوا ويتعلموا هذا القرآن. قال رحمه الله: فخانتاهما ما في الدين، إذ كفرتا، يعني ليس في العرض كما ذكر أهل التفسير، فالله عز وجل حفظ لأنبيائه ورسله أن تدنس أعراضهم عليهم الصلاة والسلام، وكانت امرأة نوح، قال: واسمها واهلة، هذا الذي ذكره رحمه الله تعالى مما ذكر في الإسرائيليات، وفي المراسيل التي ليس فيها إسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك قوله: وامرأة لوط، واسمها واعلة، ليس فيه شيء صحيح يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من الأخبار الإسرائيلية التي لا تصدق ولا تكذب، فالله أعلم بهذه الأخبار، فإنه بين نزول الوحي والآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وحصول هذا الحدث مع هؤلاء الأنبياء مفاوز، ولم ينقل فيه شيء صحيح يمكن الاعتماد عليه. وقصة امرأة نوح ظاهرة ذكر الله عز وجل معناها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، فكانت كافرة أبت إلا أن تكون مع الكافرين، حتى أنها أغوت بعض أبناء نوح فلم يرضَ أن يركب مع أبيه وأراد أن يبقى مع أمه، وهكذا امرأة لوط، وما أخبرنا الله عز وجل به حتى أخبرنا سبحانه بنجاة أهله إلا امرأته، فإن امرأة لوط ممن لم ينجُ وعدبت مع المعذبين، وهذا هو موضع العبرة أنه لا ينبغي لإنسان أن يتجاسر على حدود الله وأن يغتر بقربه من الصالحين. فقربه من الصالحين لا ينفعه إذا لم يعمل بذلك الصلاح، فلابد أن يحرس على العلم النافع والعمل الصالح الذي ينجيه، وقربه يستفيد منه إن أخذ منه العلم النافع والعمل الصالح، مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، وفيه كذلك من العظات والعبر أنه ما ضر كفر وفساد هاتين المرأتين هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. فإذا كان هذا في مثل هذا الكفر وذاك المكر الذي مكروا به مع الكافرين، أنجى الله عز وجل أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، قد مكرت كل من امرأة نوح وامرأة لوط مع قومهما ضد نبي من أنبياء الله ورسول من رسله، فما ضر ذلك الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك ما قد ينزغ به الشيطان مما يقع بين الأزواج من المكر بسبب الغيرة وغيرها، فإنه لا يضر أحدًا صالحًا التجأ إلى الله وقرَّ من ربه. وفي هذا دليل على أن مما ينجي من مكر الماكرين وفساد المفسدين صلتك بالله سبحانه وتعالى، فكلما كانت صلتك بالله عز وجل أقوى حفظك الله ونصرك وأيدك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المشهور الصحيح: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، فإذا حفظت الله عز وجل حفظك الله من كل شيء، ومن ذلك من مكر الماكرين، ولم يحفظك فقط في نفسك، حفظك في نفسك وأهلك وولدك. فإن حفظك لله يحفظ لك حتى أهلك، وانظروا إلى قصة موسى مع الخضر عليهم الصلاة والسلام، فإن الله عز وجل حفظ مال الغلامين اليتيمين بماذا؟ بصلاح الأبوين، فلما كان من الصالحين حفظ الله عز وجل لأبنائهم الأيتام ليس فقط في دينهم بل كذلك في دنياهم، وهذا قليل من كثير مما يدلك على عظيم حفظك لصلتك بربك وخالقك. فإن الله عز وجل يحفظ لك ذريتك، وسئل بعض الصالحين سافر عن أهله طويلًا فأصلح الله عز وجل له أهله وأولاده، فقالوا له: كيف استطعت أن تصلح أولادك وأنت أكثر وقتك في سفر؟ فقال: حرصت أن لا أرسل لهم إلا درهمًا حلالًا، فما أرسلت لهم شيئًا إلا قلبته ودققت فيه أن لا يكون إلا حلالًا، فصلاح الأباء وحرصهم على عظيم صلتهم بالله وتقواهم له سبب لإصلاح الأبناء. وكما قال الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم في أهل الإيمان: أن الله عز وجل يلحق بهم ذريتهم، أي في طريق الصلاح، بما كان من صلاح الآباء، ﴿وَأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: وما نقصنا من عمل الآباء من شيء، يلحق الله الأبناء بالآباء بما كان من صلاح الآباء، فإذا أردت أن تحفظ نفسك وتحفظ أسرتك وتحفظ ذريتك فاحرص على أن تحفظ الله عز وجل، يحفظ الله عز وجل لك كل شيء. فلم يغني قال: أي نوح ولوط، وهذا كما قال سبحانه: أي صلاح نوح ولوط لم يغني هاتين المرأتين عنهما من الله، أي من عذابه، أي في الدنيا وفي الآخرة، فامرأة نوح أغرقها الله مع من أغرق، وامرأة لوط عذبها الله كما عذب برفع الأرض ووضعها والحجارة التي رمي بها من النار، وهذا في الدنيا وكذلك في الآخرة، قال: شيئًا يعني: ولا شيء يسير، فما نجا منهما أو لم ينجُ أحدهما من شيء من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقيل لهما: ادخل النار مع الداخلين، قال: مع كفار قوم نوح وقوم لوط، أي كما أخبر الله عز وجل في آيات أخرى وسور أخرى. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه، صلى الله عليه وسلم.