كتاب الزكاة 5

كتاب الزكاة 5

الدرس في كتاب الزكاة 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

زكاة العملة الورقية ونصابها

تجب الزكاة في العملة الورقية بنفس علة الذهب والفضة، ونصابها هو نصاب الذهب وهو حوالي 85 جرامًا. هذا القول هو الأحوط لأرباب الأموال.

زكاة عروض التجارة وأدلتها

يجب زكاة عروض التجارة إذا كانت معروضة للبيع، مستدلين بأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. هذا القول هو الصحيح لعموم الأدلة وخصوصيتها.

تفاصيل زكاة عروض التجارة والمستغلات

تجب زكاة عروض التجارة إذا بلغت نصاب الذهب وحال عليها الحول، وتجمع مع النقدين. المستغلات ليس فيها زكاة في أصل المال، ولكن تجب الزكاة في غلتها إذا بلغت النصاب.

حكم جمع الذهب والعملة في زكاة واحدة

هناك خلاف بين أهل العلم حول جواز الجمع بين الذهب والعملة الورقية في زكاة واحدة، والأحوط هو الجمع بينهما باعتبار أن زكاة الذهب وزكاة المال شيء واحد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بعموماتها من أدلة الكتاب والسنة، وهكذا كذلك فهي العملة التي يتعامل بها، فصار مال الناس هو بهذه العملة الورقية، فالغنى به. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرهم أن الله اقترض عليهم زكاة، تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. وهكذا كذلك لأن أصل هذه العملة الورقية هو الذهب والفضة، وإن كان مؤخرًا صار اعتمادها على اقتصاد كل دولة، لكن ما رده بالأصل إلى الذهب والفضة. ثم هنا تأتي مسألة وهي محل خلاف بين بعض أهل العلم، هل يلحق؟ هل تلحق العملة الورقية بالذهب أم تلحق بالفضة؟ فزكاتها زكاة الذهب أم زكاتها زكاة الفضة؟ جمهور أهل العلم من المعاصرين يرون أنها تلحق بالذهب، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تلحق بالفضة، ولكل طائفة اعتبار ونظر كان لأجله هذا الإلحاق. والصواب، الله تعالى أعلم، هو قول من قال إنه يلحق بالذهب، وذلك لأوجه. الأمر الأول أن أصل هذه العملة الورقية كان ذهبًا، ولا يعلم أنه كان في الضحب، بل الذي علم أنه كان ذهبًا، فكان من الذهب. وهكذا كذلك أمر آخر، هو أن الأصل في حق ما للمسلم الحرمة، فلا نوجب عليه الزكاة ما لم يوجبه الله أو رسوله عليه الصلاة والسلام. فإذا ترددنا بين أمرين، بين إيجاب الزكاة وعدم الزكاة، فالأصل عدم الزكاة. وإذا ترددنا بين أمرين، بين إيجاب الزكاة بالأكثر أو الأقل، فالأصل هو الأقل؛ حتى لا ندخل في حق مال المسلم بغير إذن، وهذا هو الأصل، وهذا متقرر عند أهل العلم، أن الأصل هو عدم القول بالزكاة في الأموال إلا ما دل الدليل على وجوب الزكاة فيه. فإذا كان كذلك، فالقول بأن نصاب الزكاة في العملة الورقية بالذهب هو الأحوط بأرباب الأموال. وهذا الموضع لا ينظر إلى ما ينتفع به المنتفعون ممن يستحقون الزكاة، فيقال الأحوط للفقراء والمساكين أن يكون النصاب في نصاب الفضة، فيقال نعم، هذا أحوط، لكن أين الدليل على أن الأحوط هو المطلوب شرعًا في إيجاب الزكاة؟ لا دليل على هذا، بل الدليل على العكس، على أن الأصل هو الحرمة في إيجاب الزكاة إلا ما دل الدليل. فإذا كان كذلك، كان الأحوط لا شك القول بأن نصاب الذهب هو النصاب الذي تكون به الزكاة. فلو قدر أن النصاب نصاب الفضة، فنصاب الفضة اليوم 595 جرامًا من الفضة تقريبًا، بما لا يزيد عن عشرين ألفًا. ولو قدر أن النصاب بنصاب الذهب، أي 85 جرامًا من الذهب، فهو مبلغ قريب من أربعمائة ألف تقريبًا. هكذا، كم جرام؟ أنا ما أعرف كم جرام الذهب في هذه الأيام. إن قلنا أربعة آلاف وخمسمائة، قبل فترة كان بأربعة آلاف أو خمسمائة. قولوا خمسة آلاف، خمسة آلاف بثمانين، بكم؟ خمسة بثمانية بأربعمائة، أربعمائة ألف. والخمسة جرامات يعني تقريبًا أربعمائة وعشرين، وخمسة وعشرين. طيب، فأربعمائة وخمسة وعشرين كانت بخمسة آلاف. إن كان الجرام بخمسة آلاف، فمثل هذا هو الأحوط في حق أرباب الأموال، وهو الذي كذلك كما سبق له أصل؛ إذ أن أصل العملة الورقية ذهب كما سبق. فإذا علمنا ذلك، فنرجع فنقول إن العملة الورقية الصحيح أن فيها الزكاة بجامع علة الثمنية. وثانيًا أن نصابها نصاب الذهب على القول الصحيح، وهو الأحوط. وليس الأحوط أن يجعل نصابها نصاب الفضة؛ لأن الأحوط في هذا المقام ليس ما هو أحظى للفقراء والمساكين، ولكن ما هو أبعد للدماء من أن يوجب على الناس شيئًا لم يوجبه الله عليهم ولم يوجبه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: وأموال التجارة يقول: إن أموال التجارة ليس فيها زكاة، وهذا خلاف الصواب. بل الصواب أن المال المعروض للتجارة فيه الزكاة. وقد نقل غير واحد من أهل العلم أن هذا قول أكثر أهل العلم، بل بعضهم نقل الإجماع، ولكن الصحيح أنه ليس هناك إجماع؛ فقد خالف بعض الظاهرية، وروي عن بعض أهل العلم الخلاف في المسألة. لكن الصحيح أنه قول أكثر أهل العلم. وذكر ابن المندر رحمه الله تعالى أنه روي القول بزكاة عروض التجارة عن عمر وعن ابنه عبد الله بن عمر وعن ابن عباس. وهكذا روي كذلك عن عمر بن العاص، وقال به البخاء السبعة، وروي عن الحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق. وهكذا أصحاب الرأي، وروي عن جماعة كثر من أهل العلم. ولهم أدلة عامة وخاصة. فمن الأدلة العامة التي استدلوا بها على وجوب الزكاة في عروض التجارة عموم ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في وجوب الزكاة على الأغنياء، وهم من الأغنياء. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال وأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة، تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإنه لا يعرف اليوم أغنياء مثل أغنياء عروض التجارة؛ أكثر الناس أموالهم عروض تجارة، هذا عنده عقار، وهذا عنده سلع، وهذا عنده معدات، وغير ذلك مما هو عروض تجارة. وهكذا أدلة خاصة، منها ما هو تفسير عن بعض السلف. فروي عن مجاهد رحمه الله تعالى في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أنه عروض التجارة. وهكذا من الأدلة الخاصة ما روي وسبق معنا بحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة». استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على وجوب الزكاة فيما هو معروض للتجارة من العبيد والخيل. لماذا؟ لأمرين: الأمر الأول قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه ليس على الرجل في عبده وفرسه صدقة»، يدل على أنه بالمفهوم هناك وجه آخر يكون فيه صدقة وزكاة. فأين هذا الموضع؟ فالخيل ليست من بهيمة الأنعام التي دلت أدلة الشرع أن فيها زكاة البهائم وزكاة الأنعام، فلم يبق إلا أنها تزكى زكاة عروض التجارة. وهكذا كذلك العبيد، لا يعرف أن فيهم زكاة أو صدقة في أي موضع من المواضع، إلا أن يبقى أنهم فيهم زكاة إذا كانوا عروض تجارة. وهذا هو القول الصحيح. والوجه الثاني أن الاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم. فإذا وقع الاستثناء دل ذلك على أن هناك معنى عام استثني منه ذلك، وأن هؤلاء فيهم الزكاة، فلم يبق إلا زكاة عروض التجارة. وهذا استدلال صحيح لمن تأمله وتدبره. وقد استدل به جماعة من أهل العلم على وجوب الزكاة في عروض التجارة. وأما قول من يقول بأنه لا زكاة؛ لأن الأصل هو البراءة، فهذا صحيح إذا لم يرد الدليل. فكيف وقد ورد الدليل العام والدليل الخاص بالمفهوم؟ وهكذا كذلك فهم جماعة من السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ما يخرج المسلم عن هذا الأصل. ولا شك أنه إذا جاء الدليل المخرج عن الأصل وجب الالتفات إليه والانتقال إليه. وهذا ظاهر لمن تأمله. فكان القول الصحيح وهو الأحوط وجوب الزكاة بما هو معروض للتجارة، ونصابه نصاب النقدين. نصابه نصاب النقدين بإجماع أهل العلم، فينظر فيه إلى أكثر النقدين تعاملًا، وهو الذهب أو الفضة. ولما كانت العملة الورقية تقوم مقام الذهب، صار نصابها اليوم بنصاب الذهب. نصابها بنصاب الذهب. فمن كان عنده شيء معروض للتجارة، فإنه تجب فيه الزكاة بزكاة الذهب إذا بلغ النصاب، حال عليه الحول. كل ما هو معروض للتجارة معه، مثلًا غنم لم تبلغ النصاب، ومعه سيارة، ومعه أراضي، يجمع الجميع. وإذا حال عليها الحول وهي بلا شك بلغت النصاب، فإنه يخرج من الجميع الزكاة ربع العشر إذا بلغت النصاب كما قلنا نصاب الذهب. واشترط العلماء لزكاة عروض التجارة اشترطوا شرطين: الشرط الأول أن يكون ذلك في الملك، فليس ما هو معروض للتجارة ولم يدخل في الملك مما يدخل في وجوب الزكاة؛ لأننا نعرف أن بعض البيوع تكون بيوع لم يحصل بها التمليك، إما لأن فيها شرط، كأن يكون تم العقد ولم يستكمل المبلغ، أو كذلك لم يتم التسليم، بل ما زالت في يد البائع، أو غير ذلك من صور البيع. فلا تجب بالزكاة حتى يدخل في الملك، لا تجب بالزكاة حتى يدخل في الملك. والشرط الثاني أن يكون هذا المال فيه نية التجارة. فإن لم تكن فيه نية التجارة، وإنما نية الانتفاع الخاص، فليس فيه زكاة. مثل الرجل عنده قطعة أرض أرادها للانتفاع الخاص، هذا الأصل نيته للانتفاع الخاص، لكن قد يبيعها إذا احتاج. وفي نيتي هذا أنه قد يبيعها إذا احتاج، لكن الأصل نيته أن هذه القطعة ليست للبيع، وإنما له شخصيًا يريد أن يبني بها. وهكذا كذلك من عنده بيت للإيجار، ليست للبيع، لكنه قد يبيعها إذا احتاج، فليست هذه أو مثلها مما فيه عروض التجارة أو يدخل بعروض التجارة، وليس فيه زكاة العروض. وهكذا كذلك أخيرًا، قوله رحمه الله تعالى: والمستغلات، ومراده ما يدر من غلة بالإيجار، سواء عقار أو كذلك دواب، أو بما هو في زماننا اليوم مصانع أو سيارات أو نحو ذلك. فكل ما هو مستأجر، فليس في أصل المال زكاة، ولكن فيما يجمع من هذا المال زكاة. وهذا هو الصحيح، خلافًا لما يدل عليه كلام المؤلف رحمه الله تعالى. فالمال المجتمع من الدور أو غيرها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، فهو مال كسائر الأموال فيه الزكاة. وأما ما يجمع في الحال، فليس فيه زكاة. مثلًا شهريًا يجتمع له خمسمائة ألف من إيجار بعض الدور التي يملكها، الخمسمائة ألف فيها زكاة، وليس فيها زكاة؛ فيها زكاة، لكنها ما يدور عليها الحول، تأتي فينفقها، يستخدمها لنفسه أو لغيره، فما يأتي نهاية العام إلا وهو ليس عنده هذا المال، مع أنه كل شهر يجتمع له مثل هذا المال، ولكنه يخرجه. فإذا كان لم يدر عليه الحول، فلا شيء فيه. وأما إذا اجتمع خمسمائة وزادت فيها أشياء أخرى، وجاء نهاية العام وهي مثلًا خمسمائة فقط، ففيها الزكاة؛ لأنها ابتدأت ببلوغ النصاب، ولو دخل وخرج، ما دخل وما خرج، لا يلتفت إليه كما مر معنا فيما تقدم. وهذا هو القول الصحيح بهذه المسألة؛ لأنه مال كسائر الأموال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ففيه الزكاة. طيب، فيه شيء في هذا؟ طيب، هذا سائل يقول: رجل معه ذهب وعملة ورقية، فإذا اجتمع بلغ النصاب، فهل عليه زكاة؟ إذا قلنا إن العملة الورقية زكاة، وزكاة الذهب، فتجمع، وهذا هو الأحوط. وعلى القول بالخلاف، ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجمع بينها، بل الذهب لحاله والعملة الورقية لحالها. والأحوط ما سمعت، ما دام أن زكاة الذهب وزكاة المال شيء واحد، فيجمع بعضه إلى بعض، وهذا هو الأحوط، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، وإلى هنا والله تعالى أعلم.