الدرس في كتاب الزكاة 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُناقش المقطع أحكام زكاة الفطر ومصارفها، حيث ذهب المؤلف إلى أن مصرفها هو نفس مصرف الزكاة، لكن الراجح أن مصرفها هو الفقراء والمساكين خاصة.
يُشدد على أهمية إخراج زكاة الفطر طعامًا وليس نقدًا، حيث أن إخراجها نقدًا يعتبر مخالفًا للنصوص الشرعية وقد يؤدي إلى إضاعة المعنى والمقصود منها.
يُبين حديث قبيصة الهلالي ثلاث حالات تحل فيها المسألة، كما أشار إلى جواز السؤال لذي سلطان إذا كان مستحقًا.
يشير المقطع إلى عدم وجود أدلة صحيحة وصريحة في الباب المذكور، حيث أن الأدلة إما ضعيفة أو تعتمد على أقيسة بعيدة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال: ومصرفها مصرف الزكاة». ختم المؤلف رحمه الله هذا الباب بهذا المبحث، وهو أن مصرف صدقة الفطر هو مصرف الزكاة، أي: كما أن الزكاة -كما سبق- مصرفها ثمانية أصناف، فكذلك مصرف زكاة الفطر. على هذا المعنى، والصحيح خلاف ذلك. وهو استدل رحمه الله تعالى بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة»، يعني: كونه سماها زكاة دل ذلك على أن عموم أصناف أصحاب الزكاة يستحقون الأخذ منها. وهذا الاستدلال -كما ترون- له وجه، لكنه مفهوم، وليس منطوقًا صريحًا؛ لأننا لا نختلف أن زكاة الفطر هي زكاة من الزكوات، لكن الخلاف وقع بين أهل العلم: هل أصناف من يصرف لهم الزكاة في زكاة الفطر هم من تصرف لهم الزكاة في الأصناف الأخرى؟ هذا هو محل الخلاف. فاستدل من خالف قول المؤلف بما سبق من حديث عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طعمة للمساكين»، أن هذه الزكاة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. فلغض المساكين يدخل ما هو موافق لهذا اللغض وما هو أولى منه، ولا يدخل من هو أعلى منه. فإن أصناف من تجب عليهم الزكاة عمومًا في غير هذه المسألة: الفقراء، وهم أشد فاقة، ثم المساكين، ثم من فوقهم بقية الأصناف الثمانية. ولهذا كان الأحوط إخراج هذه الزكاة -زكاة الفطر- على ظاهر النص الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث ابن عباس: للمساكين وللفقراء؛ المساكين والفقراء؛ لأنهم من باب أولى أشد حالًا وفاقة وحاجة من المساكين. فهذا هو الأحوط. فإن استكفى هؤلاء، فلا بأس بعد ذلك أن ينتقل إلى غيرهم من الأصناف الثمانية، لكن الأصل أن يبدأ بالمساكين والفقراء من باب أولى، هذا هو الأصل. وبه نعرف خطأ -وهذا ظاهر الخطأ- ما يفعله الكثير من العامّة؛ إذ يخرج كل منهم صدقته لجاره صدقة الفطر، هذا يرسل بكيس إلى جاره، وجاره يرسل له بكيس، وهكذا يفعل أكثر الناس. وهذا خطأ أولًا؛ لأن بعضهم ربما لا يستحق هذه الصدقة، وثانيًا؛ لأن الأحوج ربما يكون ليس الجار. وأنت مأمور أن تعطيها للأحوج الذي تكون له طعمة بصدق وحق. فإذا اجتهد وتعنى في البحث عن هذا الذي يحتاج ويستحق هذه الصدقة؛ حتى لا يقع التفريط في هذا الباب، وضيق التنبيه على مسألة المسألة؛ لأن المؤلف رحمه الله ألمح إليها، فنحسب أن تذكر في كتاب الزكاة. فقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتحذير من المسألة، فهي مما تحرم إلا من استثنى الشرع له بذلك. وحتى الشرع حث أهل الإسلام على التعفف وعلى التكسب والاعتماد على النفس، وعدم سؤال الناس ما في أيديهم؛ لا بلسان الحال ولا بلسان المقال. فلا يمد يده إلى الناس، ولا كذلك يسألهم بلسانه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من ذلك بأحاديث كثيرة. وقد أفرد لها شيخنا رحمه الله تعالى رسالة نافعة مفيدة، وهي «ذم المسألة». شيخنا المحدث الإمام مقبل من هذا الوجه رحمه الله تعالى، وهي رسالة نافعة عظيمة مفيدة على صغر حجمها؛ حيث علّق علما كثيرا ومسائل شتى، وكذلك أدلّة كثيرة في هذه المسألة. وأما من يستثنى ممن تجوز له المسألة، وهذا الذي أشار إليه وألمح إليه المؤلف رحمه الله في شرحه، فأولًا: ما جاء ذكرهم من جاء ذكرهم في حديث قبيصة الهلالي رضي الله تعالى عنه أرضاه، وهم ثلاثة. فإنه جاء أنه تحمل حمالة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله معونة في هذه الحمالة؛ فإنه أصلح بين طائفتين، تحمل لأجل هذا الإصلاح حمالة -يعني أعباء هذا الإصلاح من أموال أو نحو ذلك- قال: «فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك -يعني حتى يصيب ما يسدد به هذه الحمالة التي تحملها- ثم بعد ذلك يمسك». مثلا: حصل قتل بين قبيلتين، فكان الصلح بأن يتحمل أحد الديات، وكلتا القبيلتين أو كلا القبيلتين استعصت؛ هذه ما تريد تدفع الديات وهذه ما تريد. فيقول المصلح: أنا أدفع لكم الديات على أن تصطلحوا، فيوافقون على ذلك، فيدفع الديات ويتحملها بديون نحوها، فيكون له أجر عظيم. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم في هذا المعنى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وقال كذلك عليه الصلاة والسلام: «ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله -يعني مصيبة وكارثة؛ سيل أو كذلك حريق أو غير ذلك اجتاحت ماله- فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش -يعني حتى يسد ما وقع به من ضرر- فيكون قد استعان بذلك، فلا يجوز له بعد ذلك السؤال». قال: «ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجة -يعني من أهل العدالة والخبرة ورجاحة العقل- من يشهد له أنه يستحق أن يُعطى»، قال: «حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجة من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة». فهؤلاء ثلاثة حلت لهم المسألة، ولا تحل لغيرهم، هكذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «أن المسألة كدوح يكدح بها الرجل وجهه؛ فمن شاء أبقى على وجهه -لأنه صح في الحديث الأخرى: أنه يأتي يوم القيامة وليس بوجهه مزعة لحم- ثم قال: ومن شاء ترك؛ إلا أن يسأل ذا سلطان -يعني إذا كان السؤال من السلطان مباشرة، وكان الإنسان مستحقًا فقيرًا أو مسكينًا أو من أرباب الزكاة الذين تحل لهم الزكاة- فيجوز ذلك؛ لماذا؟ لأن السلطان تجتمع عنده الزكاة والصدقة من بيت المال، وهو مأمور أن يؤديها إلى أصنافها. فصاحب الدين إذا ما كان أحد يعرفه فيعرف نفسه، لكن ما يعرف نفسه لأرباب الأموال لا، إنما يذهب للسلطان. أما غير السلطان فلا يفعل ذلك». قال: «إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدًا». والحديث رواه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث السمرة، وصححه شيخنا رحمه الله، وذكره في «الصحيح المسند». وهكذا كذلك في رسالة «ذم المسألة». وآخذ العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها «صحيح الترغيب». والصنف الخامس كذلك ممن يستحق أو ممن يجوز له السؤال: ما ذكره بعض أهل العلم عن طالب العلم. فطالب العلم -كما أشار النووي في «المجموع»-: أنه يجوز له أن يسأل الإعانة في طلب العلم، ولكن يسأل من يسأل السلطان، ومن يقوم مقامه الإعانة في طلب العلم؛ فهو مثل المجاهد في سبيل الله، مثل المجاهد في سبيل الله. فإنه لو لم يعن لكان ذلك سببًا في حصول الهزيمة للمسلمين؛ بحياة المسلمين ببقاء علمائها، ورفعة مجتمعاتها بالعلم. فمثلًا: رجل قائم على مجموعة من طلبة العلم يحفظون ويتعلمون ويدرسون ونحو ذلك، فلا بأس أن يرسل إلى ولي الأمر الذي يعلم أنه يحب الخير؛ بأن يخبره بأن بلاد الإسلام تحتاج إلى هذا الباب أن يعتنى به. وهذا إذا أمنت المفسدة. وأما إذا وجدت المفسدة -كأن تكون هناك منة أو هناك كذلك مدخل للإضرار بالقائمين على هذا العلم نحوه أو غير ذلك من المفاسد الأخرى- فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وإن كان الأصل قد نص العلماء: أن هذا مما ينبغي أن يفعل حفاظًا على الدين. حفاظًا على الدين؛ فيتحفّظ الناس على ذلك حفاظًا على الدين، ليس للاستكثار. فأنت لا تستكثر لنفسك، ولكن ذلك لأجل أن يبقى العلم في الناس ظاهرًا، وببقائه بقاء الإسلام والمسلمين ورفعتهم. ومما ينبه عليه كذلك من المسائل، ويختم به هذا الباب: أنه لا يصح إخراج زكاة الفطر قيمة ونقدًا كما يفعله الكثير من الناس في هذا الزمان، وإن كان قد قال به بعض أهل الرأي، لكنه قول شاذ مخالف للنصوص الشرعية، وهو مع شذوذه كذلك سبب خلل وتحايل في هذه الزكاة، وإضاعة للمعنى والمقصود منها. فلذلك صار بعض الناس الذين يخرجونها -نعم- والكثير منهم لا يخرجونها، وربما حصل التحايل في اتباعها من رواتب المدرسين. وقد سبق الكلام على هذه المسألة. فالشاهد: كادت أن تعطل هذه الصدقة بسبب هذه الفتوى، مع أن الناس يحتاجون إلى إحياء هذه الشعيرة؛ فهي في الحقيقة طهرة للصائم. أما إخراجها مالًا لا يستشعر صاحبها بها هذه الشعيرة. انظر هؤلاء الذين تقطع من رواتبهم مالًا ما يستشعرون هذه الشعيرة. لكن الذي يخرجها طعامًا ويتعنى فيشتريها، وكذلك يبحث عن مستحقها، ويخرجها في صباح يوم العيد؛ هذه الأعمال كلها عبادة يتعبد بها لله سبحانه وتعالى، وهو يستشعر أن هذا العمل والتعب فيه طهرة لما كان في صيامه من لغو ورفث، وهو كذلك طعمة للمساكين. فهو يتعنى في البحث عن المساكين يعطيهم هذا الطعام، ولا يعني ذلك أنه إذا وجدهم يحتاجون ما هو أعظم من الطعام لا يعطيهم؛ لا، بل يعطيهم هذا من عنده. لكن الأصل الذي أمره الله أن يخرج الطعام الذي هو من غالب قوة البلد. وقد سبق معنا أن بعض أهل العلم شدد في هذا الباب ورأى أن يقتصر على الأصناف المذكورة. وهذا إن دل على شيء دل على أن المسلم ينبغي أن يحتاط لدينه. وإن كان القول الراجح يجوز أن يخرج من غالب قوة البلد، لكن لا يعني ذلك التساهل والتوسع وإخراجها قيمة. وما ذكر في هذا الباب لم يذكر من الأدلة شيئًا صحيحًا صريحًا؛ إما أشياء ضعيفة وإما أقيسة بعيدة ونحو ذلك. وبهذا القدر، والله تعالى أعلم.