الدرس في كتاب الزكاة 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع حكم زكاة الفطر على الفقير، موضحًا أنها لا تجب على من لا يجد قوت يومه، واستنبط حكم الاستحقاق من تحريم المسألة.
ناقش المقطع توقيت إخراج زكاة الفطر، مبينًا جواز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين لمن يعرف المستحقين ويكون أمينا.
تطرق المقطع إلى حكم إخراج زكاة الفطر عن الجنين، مشيرًا إلى عدم وجوبها وجواز إخراجها استحبابًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي أوائل ما ذكر في باب صدقة الفطر، وكان مما أخذناه ما يتعلق بقول المؤلف رحمه الله: أن مقدارها صاع، وأنها من غالب القوت المعتاد، وأنها على كل فرد، وكذلك أنها تجب على من ينفق على نفسه وعلى غيره. ومرت معنا هذه المسائل، وبقيت مسألة أخيرة تتم لها أو لآخر ما ذكر، وهي مسألة الجنين، فهل تخرج هذه الصدقة عن هذا الجنين الذي في بطن أمه أو لا يخرج؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يلزم؛ لعدم ورود الدليل الصحيح الصريح الآمر بذلك. ولم يروَ شيء صحيح صريح يدل على وجوب ذلك؛ أي في الجنين، بل ولم يأتِ شيء مرفوع كذلك صحيح صريح يدل حتى على استحبابه. لكن روي عن عثمان رضي الله عنه الإخراج، وقال به الإمام أحمد رحمه الله، فمن أخرج فلا بأس، وهي صدقة من الصدقات تدخل في عموم الصدقة، ولكن لا يلزم به. والله تعالى أعلم. ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: ويكون إخراجها قبل صلاة العيد. وذليل ذلك ما أشار إليه كذلك بالشرح؛ بحديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. وهذا هو قول إخراجها قبل صلاة العيد. ويكون إخراجها قبل صلاة العيد لهذا الحديث. وكان الإمام مالك رحمه الله يقول: إنه رأى أهل العلم يستحبون أن يخرجوا زكاة الفطر إذا طلع الفجر من يوم العيد، قبل أن يغدوا إلى المصلى؛ يعني قبل أن يغدوا الناس إلى المصلى. فهذا هو الذي أدرك الإمام مالك رحمه الله أهل العلم من التابعين، فمالك أدرك التابعين، والتابعون أخذوا هذه السنة عن الصحابة، والصحابة أخذوها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا يعني ذلك أنه لا يجوز أن تخرج قبل ذلك الوقت، فالصحيح أنه يجوز أن تخرج قبل ذلك الوقت، خصوصا قبل العيد بليلة أو بليلتين؛ لما ثبت بصحيح البخاري عن عبد الله بن عمر: أنه كان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. وأخرج البخاري رحمه الله كذلك بصحيحه عن ابن عمر، وذكر باب صدقة الفطر نحو الذي سبق. وفي موطأ مالك عن ابن عمر كذلك: أنه كان يبعث بها قبل الفطر بيوم أو يومين. ورؤية هذا المعنى: أنه كان يفعل في زمن عمر رضي الله عنه أرباء؛ أنه كان يأمر بجمع صدقة الفطر، فتجمع قبل العيد بيوم أو يومين. والحكمة من ذلك هو تيسير توزيعها على الناس؛ فإنها لو جمعت في نفس اليوم ووزعت في نفس اليوم لكان ذاك شاقا وفيه عسر، خصوصا لمن لا يعرف إلى من يذهب بهذه الصدقة. فإذا كان كذلك، فمن لم يدري من يعطيها؛ فيعطيها الإمام أو من يقوم مقامه ممن عنده معنى هذا الحكم؛ أي يعرف المستحقين وهو أمين أن يوصلها إليهم، فلا بأس أن تعطيه إياه قبل العيد بيوم أو بيومين، فيجتمع الأمر عنده ويدبر توزيعه، ويكون توزيعه في فجري؛ لا تليوم؛ أي يوم العيد. فإن كانت الصدقة كثيرة، فلا يكفي الوقت لتوزيعها قبل صلاة العيد، فهل يجوز أن توزع في ليلته؛ ليلة العيد؟ الصحيح أنه يجوز، والمشقة تجلب التيسير، وهذه قاعدة فقهية دلت عليها دلالة شرعية كثيرة من الكتاب ومن السنة. وهذه الفتوى عمل بها أكثر أهل العلم ممن تقدموا من المعاصرين، وأفتوا بمعناها. وينتبه أنها إذا أُديت قبل هذا الوقت فهي صدقة مقبولة، وإذا لم تؤد قبل هذا الوقت فهي صدقة من الصدقات لم تقبل زكاة فطر. ودليله ما أشار إليه بالشرح؛ في حديث عبد الله بن عباس، ورواه أبو داود بن ماجة بإسناد حسن، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعدها؛ أي بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات». وهل يأثم الجواب؟ إذا كان مفرطا فهو يأثم، وإن كان غير مفرط فلا يأثم؛ خصوصا إذا كان ناسيا أو مخطئا، فإن الله تجاوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». ومفهومه أن الأعمال التي تتدارك تتدارك وذكرانها. فإذا ذكر الإنسان الزكاة أحيانا ينسى الإنسان لضيق الوقت أو لتتابع الأعمال، قد يضعها في السيارة ويريد أن يمر بها على المسكين في طريقه إلى المصلى، فينسى، يمر مباشرة إلى المصلى ويصلي، وبعد الصلاة يتذكر أن الصدقة في السيارة، فماذا نقول؟ خلاص، امشي إلى البيت ولا تخرج الصدقة؟ الجواب: اخرجها؛ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». فالشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق؛ لا يجمع بين متفرق كما لا يفرق بين مجتمع. وهكذا كذلك ننبه أنه جاء عن بعض أهل العلم مستدلين ببعض ما ورد في الحديث؛ في حديث بن عمر في قوله: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان»: أن أول وقت الوجوب هو أول شهر رمضان. ولا يعني ذلك أنها تخرج من أول شهر رمضان، لكن إن صح هذا الاستنباط، فإنما يصح في أول وقت الوجوب. ومعنى «من أدركه رمضان فقد وجب عليه»: وجبت عليه صدقة الفطر. فلو أن إنسانا أدرك أول يوم من رمضان ثم مات، فهل عليه صدقة الفطر أم لا؟ الصواب أن عليه صدقة الفطر. وهذا الأحوض؛ لماذا؟ لهذا الحديث؛ حديث عبد الله بن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر؛ صدقة الفطر أو زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير» إلى آخره. فيكون الاستفادة من هذا اللغب؛ وهذا الحديث هذا المعنى؛ لا معنى أنه يخرج زكاة الفطر في أول يوم من رمضان؛ لا، بل قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». يخشى أن من فعل ذلك أن يكون عمله مردودا؛ لمخالفته لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه. ومعنى كلامه رحمه الله: أن هذه الصدقة تجب على من عنده زيادة على قوت يومه وليلته، وهو من ليس بفقير. ومعنى أن المسكين ومن فوقه من باب أولى تجب عليهم صدقة الفطر. أما الفقير؛ وهو الذي لا يجد قوت يومه، فإنه لا تجب عليه صدقة الفطر؛ لا تجب عليه صدقة الفطر. واستدل المؤلف رحمه الله بالحديث الضعيف الذي روي من حديث عبد الله بن عمر، ورواه البيهقي والدارقطني وغيرهما: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم». وقد أشار المعلق عندكم إلى أن الشيخ العلامة الألباني رحمه الله ضعفه بالإرواء، وهو ضعيف؛ ففي بعض أسانيده أنه روي من طريق أبي معشر عن نافع، فأبو معشر رواه عن نافع عن ابن عمر. وهكذا كذلك في الطريق الأخرى: القاسم بن عبد الله العمري، وهذا متروك. لكن معناه صحيح؛ فإن من حكمة الله جل وعلا في فرض زكاة الفطر: كما أنه طهرة للصائم، فهو كذلك سبب لإغناء الفقراء والمساكين في هذا اليوم. فمر معنا حديث ابن عباس في هذا المعنى: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر؛ طعمة للمساكين». ومعنى طعمة؛ يعني يطعموه ويستغنون به في ذلك اليوم. فهو بمعنى «أغنوهم عن السؤال هذا اليوم» أو «أغنوهم في هذا اليوم» فهو بمعنى. والحديث الذي سبق؛ حديث ابن عباس الذي رواه داود بن ماجة؛ حديث حسن كما مر معنا، فهو يدل على هذا المعنى ويصححه. وفيه إشارة كذلك إلى مسألة سيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله: أن هذه الصدقة تعطى للمساكين ومن دون المسكين وأشد حاجة؛ من باب أولى. واستدل المؤلف رحمه الله كذلك على هذه المسألة بشيء من القياس؛ فقد ذكر رحمه الله في الشرح تعليلا بأنه إذا ملك زيادة على قوت يومه أخرج الفطرة؛ إن بلغ الزائد قَدْر الفطرة، وإن لم يكن فهو في الحقيقة إذا أخرج أضر بنفسه. والمقصود من هذا الإخراج هو النفع، فإذا كان سيضر بنفسه فهو أولى أن ينفع نفسه؛ لأن المطلوب إغناءهم وأن يكون طعمة لمن لا طعمة له. فمن باب أولى أن من ليس له إلا هذه الطعمة أن لا يخرجها؛ كيف يخرجها لمن يطعمها ويبقى هو بغير طعمة؟ واضح القياس والاستنباط. فهذا كذلك وجه آخر استدل به المؤلف رحمه الله تعالى. وأمر ثالث استدل به على صحة هذا المعنى، قال: ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغذي ويعشي؛ يعني تحريم المسألة. والمسألة والكلام عليها سيأتي إن شاء الله؛ الكلام عليه في الدرس اللاحق. لكن المراد وجه الاستنباط في هذا: فهو أراد أن يستنبط رحمه الله تعالى أنه إذا كانت المسألة حرمت للفقير؛ فإذن هذا ممن يستحق أن يعطى؛ لا ممن يجب عليه أن يخرج. هذا وجه ومعنى استدلالي رحمه الله تعالى. طيب، نكتب بهذا الانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق. والله تعالى أعلم.