الدرس في كيف نعيش رمضان ؟، وكانت بمسجد السنة بالحامي الثلاثاء29 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية استغلال رمضان في الطاعات والعبادات لتحقيق تزكية النفس وإصلاح الجوارح. يشير إلى أن الله شرع الصيام لتزكية أنفس عباده.
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو صيام عن المفطرات المعنوية أيضاً. ينبغي على المسلم أن يستعين بالصيام على الطاعات وتزكية نفسه.
كان السلف يجتهدون في رمضان بتلاوة القرآن وقيام الليل، ويُشدد على أهمية الجود وإطعام الطعام في هذا الشهر. ينبغي للمؤمن أن يحرص على التعلق بكتاب الله وقيام الليل خصوصا في العشر الأواخر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أولا الذي يسر لإخواننا في هذه البلدة الطيبة في هذا المسجد الطيب المبارك، وهذا من عظيم نعم الله عز وجل وفضله. فنسأله سبحانه وتعالى أن يجعله مسجدا مباركا طيبا عامرا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يكون منارة من منارات العلم والدعوة والخير في هذه البلاد وفي غيرها من بلاد المسلمين. ونشكر لإخواننا في هذه البلدة الطيبة والقائمين على الدعوة فيها وفي هذا المسجد على حرصهم لمثل هذه المجالس الطيبة المباركة التي يحصل بها النفع للمجتمع، ويكون به الأخ بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير. فما أحوج المجتمعات إلى مجالس العلم، وإلى كذلك مذاكرة العلم، خصوصا في مثل هذه الأيام ونحن نستقبل موسما عظيما من مواسم الخيرات، وشهرا من أشهر الله عز وجل المباركة. فمن نعمة الله عز وجل أن يسر الله عز وجل معها أو مع هذا إقامة مثل هذه المجالس النافعة التي يكون فيها شحذ الهمم والتذكير بالخير، بما يعين الجميع على التزود والمقاربة. فإنه ينتفع من ذلك المتكلم، وينتفع من ذلك المستمع، وهكذا كل من يبلغه مثل هذا الخير. فمن نعمة الله عز وجل تيسير مثل هذه المجالس، فجزى الله خيرا من كان سببا في ذلك، وجعل الله ذلك في ميزان حسناته وحسنات الجميع. كما نشكر للأخوين الفاضلين في كلمتيهما، وكذلك أخونا أبو سالم على تقديمه، وإن كان في الحقيقة قال ما لا يستحق أن يقال. فمتكلمكم حسبه أن يكون طالب علم، وأرجو أن الله جل وعلا أن يوفقني وإخواني على الاستمرار في طريق طلب العلم، وأن يثبتنا عليه. وما أحسن أن يكون المرء في موضعه الذي قد وضعه الله عز وجل فيه. ورحم الله من عرف قدر نفسه، فالله المستعان. وتنبيه من باب الفائدة العلمية، فإن بعض أهل العلم نبه على كلمة "غني عن التعريف"، وذلك لأن العبادة كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا هو الغني وحده جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. وجزى الله خيرا أخانا الفاضل خالدا على هذه المشاركة الطيبة النافعة، وهذا التذكير والوعظ. فأسأل الله عز وجل يبارك فيه، وأن يأجره، وأن ينفعنا جميعا بما سمعنا. وكما سمعتم، كان اختيار إخواننا في عنوان هذه الكلمة "كيف نعيش في رمضان"، مرادهم حفظهم الله أن نتذاكر ما ينفعنا في هذا المقام مما يعيننا على استغلال هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وهذا الشهر الطيب المبارك المليء بالطاعات، أن نستغله فيما يكون به نفع لنا في الدنيا وفي الآخرة. وقد سمعتم في الكلمتين وفي كلمة أخينا خالد حفظه الله، أننا في مستقبل شهر مبارك جعله الله عز وجل موسما عظيما مليئا بالخيرات والطاعات، تفضل به على عباده سبحانه وتعالى. والعاقل الذي عرف قصر هذه الدنيا، وأنها دار ممر لا دار مستقر، وأنها دار عمل، وأن الجزاء عند الله سبحانه وتعالى في دار هي دار الحيوان، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من نعيم مقيم ورضوان من رب العالمين، أو عذاب وجحيم والعياذ بالله، نعيم بفضله وعذاب بعدله، يجازي الناس سبحانه وتعالى بأعمالهم. فالعاقل الذي قد استقر عنده هذا المعلوم، إذا علم أن الرب العظيم قد تفضل على عباده بهذه المواسم من مواسم الخيرات التي فيها حرث المجتهدين وتجارة المتجرين، العاقل يدفع بنفسه أن يعمر أوقاته في مثل هذه المواسم بما يكون به النفع في الدنيا وفي الآخرة. ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى غني عن طاعة الطائعين، فهو غني عن أن يطيع وفيعه طائع، ولا كما لا يضره معصية عاص، ومن باب أولى أنه غني سبحانه عن تعبنا وعن نصبنا وعن جوعنا وعطشنا. ولكنه العليم الحكيم سبحانه، فرض علينا ما فرض من طاعات وعبادات، وشرع لنا ما شرع من قربات وأنواع أبواب الحسنات، كل ذلك لعلمه بافتقار عبده إلى ذلك بما يصلح به أمره في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. فالعبد فقير إلى ربه سبحانه وتعالى، وهو يحتاج ما يستعين به في الدنيا فضلا عن الآخرة. وخير ما يعين هذا العبد على استقامته في حياته ما شرع الله عز وجل له من أبواب الطاعات والخيرات، فبها يستقيم الإنسان في حياته الاستقامة التي تكون بها سعادته، ويكون بها كذلك رضا ربه عنه. فلذلك شرع ربنا جل وعلا ما شرع من عبادات وطاعات تزكو به نفوسنا وتطهر به قلوبنا وتستقيم جوارحنا وتكون لنا السعادة في هذه الدنيا فضلا عن الدار الآخرة. عباد الله، إن هذا الإنسان إذا لم يعتني بإصلاح نفسه بطاعات متتابعة وعبادات يكون فيها ملازما، أخذته نفسه الأمارة بالسوء وأضاعته في أودية الجهل والظلم، فكان تائها من التائهين ومخبطا من المخبطين. وما أكثر هذا في بني آدم إلا من رحم الله، كم ترون من الناس ممن عبث به جهله وطاش به ظلمه حتى صار محل عبرة وعظة لكل منصف وعاقل، فضلا عن من وفقه الله جل وعلا لهذا الدين العظيم. فكما أنك تحمد الله عز وجل على أصل نعمة الإسلام، وما وفق الله به عباده من خصال الإيمان، وما يتبع ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسن الأقوال والفعال، فإنك كذلك تعرف أن بمثله يحصل لهذا الإنسان من الخير بقدر استمساكه بشريعة الله عز وجل والعمل بها. وهذا من أعظم مقاصد ما شرع الله عز وجل لعباده من طاعات، ومن ذلك هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، شرعه ربنا جل وعلا لعباده ليكون سببا لسعادة هذا الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وسببا لاستقامته واعتداله وربحه في الدنيا وفي الآخرة. فلولا لأن الله من على عباده بمثل هذه المواسم المتتابعة وهذه الطاعات المهذبة المزكية، لكان هذا الإنسان طائشا بسبب جهله وبسبب ظلمه ونفسه الأمارة بالسوء. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فإن من أعظم حكم الصيام حصول التقوى لهذا الإنسان، أن يزكي نفسه ويطهر قلبه ويصلح جوارحه بهذه العبادة، وما معها وما يلحق بها من طاعات وقربات في هذا الشهر المبارك. ولذلك عباد الله، ينبغي أن يعلم أن حقيقة الصيام ليس هو بالوقوف عند الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات الحسية، ولكنه الصيام عن المفطرات الحسية وكذلك المفطرات المعنوية. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». فإذا علمنا ذلك، علمنا أن من حكم الله عز وجل في هذا الصيام أن نستعين به على الطاعات الأخرى التي شرعها الله عز وجل في هذا الشهر الكريم. فأنت تستعين بالصيام على تزكية نفسك وطهرة قلبك وإصلاح جوارحك، وتستعين بالصيام على فعل سائر الطاعات والقربات الأخرى. فالصيام جنة، أي وقاية وحماية لك. ولهذا شرع الله عز وجل في هذا الشهر أنواعا من الطاعات والقربات تستعين بها على هذا المقصود العظيم. فإن من حياة الصائمين التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام أن لا يقف الصائم عند الصيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات الحسية، بل يعلم أن المقصود من الصيام هو الوصول إلى المقاصد السامية العلية، وهي القيام بعبودية الله عز وجل على أكمل الوجوه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والقيام بطاعته. فلذلك عباد الله، كان هذا موجبا لنا أن نجدد توبة في مقدم هذا الشهر المبارك، نجدد توبة تكون سببا لإصلاح ما قد مضى، ما قصرنا فيه نجبره بتوبة، وما فرطنا فيه نجبره بإحسان، فنزيد الطاعة طاعات، ونجبر السيئة بالحسنات، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. فينبغي أن نحرص على إحداث توبة تعيننا على الصدق مع الله عز وجل في هذا الشهر، وعلى إعماره بأصناف الطاعات والأوراد. وأن نستحضر كذلك أن من حكم هذا الموسم ومقدمه أن يعمره المسلم بما ينتفع به في دنياه وفي آخرته. فلذلك ينبغي أن يحرص المسلم في هذه الأيام المعدودات على إعمارها بما ينبغي أن تعمر به من أنواع الطاعات التي شرعت فيه، منها الصيام والإحسان فيه. والناس في الصيام مراتب، فإن من الناس من يصوم في ظاهره ويفطر في باطنه، يفطر بالهموم السيئة والمقاصد المنحرفة بتخلف الصدق والإخلاص. فما أكثر من يصوم رياء وسمعة ومجارات للمجتمع، لو كان الأمر في يده لم يصم، ولكنه يخشى أن يؤثر عنه فطر، وقد صام من صام من الضعفة، فهو يخشى الناس أكثر مما يخشى من الله. فمثل هذا حرم نفسه هذا الفضل مع تعبه ونصبه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». ومثل هذا لم يصم إيمانا واحتسابا، إنما خوفا من المجتمع وحياء منه، ليس إيمانا بفرضية الصيام والاحتسابا لثواب الله ابتغاء وجهه. ومن الناس من يصوم حسا ويفطر معنى، فيصوم عن الطعام والشراب، ولكنه يفطر بأنواع المفطرات الأخرى المعنوية، فلا يبالي بوقوعه في أنواع المحرمات. حتى أن بعضهم ربما في نهار صيامه منهم من يجعل ليله في أصناف المعاصي، ونهاره بالنوم والكسل، فيقتلوا الوقت قتلاً بنومهم. ومعظمهم ربما في الليل والنهار هو في أصناف وأنواع الذنوب والمعاصي. فلما لم يحصل التحقق في حكمة الصيام ومعانيه وفضائله، لم يتحقق ذلك في قلوب أمثال هؤلاء. صاروا على هذا المعنى ربما بعضهم يقلب ليله ونهاره خلف القنوات، من قناة إلى أخرى، ومن منظر إلى آخر. كيف يجتمع من يريد ثواب الصيام وفضله مع تلك الصور الخليعة ومع تلك المناظر المخزية من أفلام ماجنة ومسلسلات ساقطة وأغاني فاحشة وغير ذلك، وهو محسوب أنه من الصائمين؟ فإن لله وإن إليه راجعون، تخلف عند بعض الناس معنى حقيقة الصيام حتى جمعوا فيه أنواعا من التناقضات. وهكذا من ينضي ليله في اللهو والعبث، وربما الغيبة والنميمة وأنواعا من المخالفات الشرعية، إما أذية المسلمين أو المسلمات في الأسواق والطرقات، أو كذلك الجلوس بأطراف المقاهي والشوارع وغير ذلك. غفل الكثير من الناس إلا من رحم الله، أن هذا من المواضع التي ينبغي أن تغتنم. فشهر رمضان شهر الطاعات والقربات. أما من أدرك حقيقة الصيام وفضله وفضل شهره، فهو يجتهد بالليل والنهار بإعماره بأنواع الطاعات، صام ظاهره وصام باطنه، صامت جوارحه وصامت كذلك أعضاؤه صوما حسيا وصوما معنويا. وعرف فضل هذا الشهر وما فيه من مواضع القربات والطاعات، فاجتهد اجتهد في إحسان صيامه، وحرص على أن لا يخدشه شيء. يستحضر وصية النبي عليه الصلاة والسلام للصائمين، إذا أصابه من يؤذيه وابتلاه الله عز وجل في من يتعرض له، فسبه أحد أو شتمه، فيقول: «إني صائم». وفي رواية: «إني مرء صائم»، يكررها مرتين. قال العلماء: يذكر بذلك نفسه ويذكر غيره. وقالوا: يقولها ويرددها تأكيدا. فهو كما يقولها بلسانه، هو كذلك يحرص بقلبه وجوارحه على أن يتأدب بأدب الصائمين. فالصيام يهذب صاحبه، يخلقه بالأخلاق العالية. فشهر رمضان وما فيه من الطاعات مدرسة عظيمة من مدارس الأخلاق لهذا الإنسان، لو أنه تعظى واعتبر. يتعلم الصبر، يتعلم الصدق، يتعلم المراقبة، يتعلم الإحسان، يتعلم الحرص على إصلاح الظاهر والباطن، يتعلم الحرص على تزكية النفس وعلى جلب التقوى، وغير ذلك من المعاني والأخلاق العالية التي ينبغي أن يعتني بها المسلم. ومن ذلك إحسانه في صيامه. وهكذا هو شهر القرآن، فيعمر هذا الشهر بتلاوة القرآن وتدبره ومدارسته، كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام إمام المجتهدين في القرآن، فهو الذي كان يقوم من الليل ما يقوم بكتاب الله عز وجل، وهو الذي كان يعلم أصحابه حتى أخذ عنه القرآن. أم من الناس تعلموا من النبي عليه الصلاة والسلام في فترة وجيزة، بعث النبي عليه الصلاة والسلام وهو على سن أربعين سنة، وما مرت بضع وعشرين سنة إلا وقد وصل الإسلام إلى المشرق والمغرب، وصار الكثير من المسلمين حاملا للقرآن. بل في أقل من عشر سنوات أخذ القرآن من أخذه من الرجال والنساء والصغار والكبار. وهكذا اعتناءه به في نفسه عليه الصلاة والسلام في إيراثه وتدبره والتلذذ بتلاوته. صلى مرة صلاة يكرر آية واحدة في ليلة بأكملها، وصل مرة بركعة واحدة فقرأ فيها بالبقرة والنساء وآل عمران عليه الصلاة والسلام. وكان يتدبره في نفسه، ويتدبره كذلك باستماعه من غيره، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال له: «اقرأ علي»، قال: «اقرأ عليك يا رسول الله عليك أنزل»، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأه فقرأ عليه ابن مسعود على النبي عليه الصلاة والسلام، قرأ عليه من أول سورة النساء حتى بلغ قول الله جل وعلا: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء الشهيد﴾. فقال عليه الصلاة والسلام: «حسبك». قال: فالتفت يقول ابن مسعود، فإذا عيناه تدرفان، أي النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك إذا كان رمضان يزداد اجتهاده في كتاب الله عز وجل، حتى إن الله عز وجل يرسل له جبريل فيدارسه القرآن، كما في حديث ابن عباس في البخاري وغيره. ولما كان رمضان الذي توفي فيه، دارسه القرآن مرتين عليه الصلاة والسلام، أي جبريل. وهكذا صحابته من بعده اعتنوا بكتاب الله عز وجل، وحرصوا على تلاوته وتدبره وقراءته والقيام به. حتى كانوا يقومون فيه بالمئين، أي في صلاة الليل، فيتكئ بعضهم على العصي، ويحرصون على تلاوته وختمه. وهكذا من بعدهم من الأمة يجتهدون في هذا الشهر بإعماره بهذا القرآن. فهو شهر القرآن، يجتهدون مع القرآن في سائر وقتهم، وفي رمضان يجتهدون أكثر لأنه شهر القرآن، كما قال سبحانه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾. روي عن النخعي رحمه الله أنه كان يختم القرآن في عشرة أيام، فإذا جاء رمضان ختمه في سبعة أيام، فإذا كان العشر الأواخر ختمه في ثلاثة أيام. وروي عن قتادة رحمه الله أنه كان يقرأ القرآن في سائر أيامه في سبعة أيام، فإذا جاء رمضان ختمه في ثلاثة أيام، وإذا دخلت عليه العشر ختمه في كل ليلتين. وهكذا المروي عن الأمة والسلف الصالح في هذا كثير، يطول حصره وبسطه. ومع ذلك كذلك يتدبرون هذا القرآن. ذكر عن الإمام البخاري رحمه الله أنه كان يقرأ بأصحابه في كل ليلة في كل ركعة بعشرين آية، يقرأها ويتدبرها ويتلذذ ما فيها من حلاوة القرآن. فيجتمع له من أصحابه رحمه الله من يجتمع، فإذا دخلت عليه العشر قرأ في كل ليلة بثلث القرآن، رحمه الله تعالى. وذكر عن الإمام محمد بن جرير رحمه الله الطبري، إمام المفسرين، أنه لم يكن أحد أحسن قراءة منه. وذكر أن بعض أقرانه كان إماما في مسجد، فكان قبل أن يذهب لمسجده فيصلي بالناس، يأتي إلى مسجد محمد بن جرير الطبري رحمه الله فيقف ساعة وينظر إليه وإلى قراءته. فيأتيه غلامه فيقول له: أنت هنا والناس ينتظرونك في مسجدك؟ فيقول: اصبر، اصمت، والله ما ظننت أن أحدا في الدنيا، أو قال: خلق الله أحدا في الدنيا يقرأ القرآن كهذه القراءة، يعني في التدبر والتأثر بكلام الله عز وجل. عرفوا حلاوة الإيمان وحلاوة القرآن، فأخذ قلوبهم وجوارحهم، فصاروا يعمرون أوقاتهم بتلاوته. وهكذا ينبغي للمؤمن أن يحرص على التعلق بكتاب ربه جل وعلا، خصوصا في هذا الشهر، أن يختم منه ما يتيسر، ولو ختمة واحدة في الشهر. فمن سأل منا نفسه يوما: كم ختمة ختمت في رمضان، وهو شهر القرآن؟ فلنشمر ولنجد ونجتهد. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فثمة لما سبق، المسلم ينبغي أن يحرص في هذا الموسم العظيم على الاجتهاد والمجاهدة فيه، والصفق والمنافسة في هذه الخيرات الكثيرة. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وهكذا من أبواب الخير والبر التي يجتهد فيها، أن يجتهد كذلك بدفع أهله، أهل بيته إلى هذا الخير، كما يحرص على الخير لنفسه، يحرص به كذلك على أهل بيته. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يوقظ أهله، خصوصا في العشر الأواخر التي فيها ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر. والمحروم من حرمها وحرم فضلها. فمن فضائل هذا الشهر أن فيه ليلة القدر، وهي ليلة واحدة يضاعف فيها العمل بألف شهر. قدرها بعض أهل العلم فبلغت أكثر من ثلاث وثمانين سنة، نعمة عظيمة يسرها الله عز وجل لعباده، مضاعفة أعمالهم إلى ما هو أكثر من عمر الإنسان. ومع ذلك وللأسف يغفل الكثير إلا من رحم الله. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة أنه إذا دخلت عليه العشر شد مئزره وأحيى ليله وأوقظ أهله. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرضاه أنه كان يقوم من الليل ما شاء، فإذا قارب الثلث الأخير منه أوقظ أهله، وردد عليهم قول الله عز وجل: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾. وهكذا كذلك كان ولده عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه. وهذا حال السلف، الحرص على الخير لأنفسهم ولأهاليهم. فأنت كما تحرص على الصيام وفضله، كذلك تحرص على أن تعيش أهل بيتك، حتى الصبيان، تعلمهم وتحثهم على الصيام. بواب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح، بابا فقال: «باب صوم أو صيام الصبيان»، ثم ذكر حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها، وكيف أنهم كانوا يصومون صبيانهم. حتى أن الصبي ليبكي فيسكتونه باللعبة من العهن، أي من الصوف، حرصا منهم أن يتعود الصغار الصيام فيحبونه وتتعلق قلوبهم به. فلا يأتي عليهم وقت البلوغ إلا وصار من أحب الأعمال إليهم، وصار من خلقهم الذي لا ينفك عنهم. وجاء في صحيح مسلم أنه أتي إلى عمر رضي الله عنه في رمضان برجل نشوان، فقال له عمر رضي الله عنه: «ويحك في رمضان، وصبياننا صيام؟». فصار من سنة الصحابة والسلف الصالح، حرصهم على تصويم الصبيان. فأنت تحرص على أن تدفع بأهل بيتك لفعل الخيرات، وتعينهم على ذلك. ومن ذلك أن تشجعهم على قراءة القرآن وتلاوته، ولو وضعت لهم بعض الجوائز، فتقول: «من يختم أجعل له جائزة وهدية»، وكلما ختم زدت له تشجيعا منك على فعل الطاعات والقربات. ومن أبواب الخير كذلك الاجتهاد في قيام هذا الشهر، أن يجتهد في أنفسنا، وأن نعين أهالينا على ذلك. ولا يخفى علينا قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة في الصحيحين: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». فقيام رمضان كاملا، قال بعض أهل العلم في قوله: «رمضان»، أي كاملا. كما أنه من صام رمضان، أي كاملا، وهو محتسب لفرضه، وهناك محتسب لاستحبابه وشرعيته، أي في القيام. فهو بإذن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه، إيمانا بفرضيته واحتسابا لثوابه، إيمانا لشرعيته واستحبابه واحتسابا لثوابه. يغفر الله عز وجل لصاحبه ما تقدم من ذنبه. ألا تحب أن يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ تحرص على القيام، وادفع أهل بيتك على الحرص على القيام. إن لم يتيسر لهم في المسجد، ففي البيت، إن لم يتيسر لهم إحدى عشرة ركعة، فلا أقل من ثلاث ركعات، يحرصون على القيام والمواظبة عليه، لأن المواظب عليه سببا لهذا الفضل العظيم. يغفل عن هذا الكثير من الناس، ربما بعضهم حريص على الخير، لكنه أحيانا تفوته بعض الليالي، فإذا فاتته بعض الليالي حرم هذا الفضل. وهكذا الحرص على العشر الأواخر على وجه الخصوص، أن يزاد في إعمارها وإحيائها، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحيي ليله في العشر الأواخر، ليس يحييه بالغفلة كحال كثير من الناس إلا من رحم الله، ولكن يحييه بالطاعة، بالقرآن، بالصلاة، يحييه بطاعة ربه سبحانه وتعالى. ولهذا كان يعتكف، ويحرص أصحابه على الاعتكاف، حتى صار النساء يعتكفنا، يحرصن على الاعتكاف. على أن المرأة لا شك بيتها خير لها. وهكذا كذلك من أنواع الطاعات الجود بجميع أنواعه، الجود بالمال، والجود بالطعام، والجود بالشفاعة بالجاه، والجود بالبذل من القوة وغير ذلك من أنواع الجود. وفي حديث ابن عباس المتقدم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، يعني في بذله وعطائه وإحسانه. فهو أجود الناس في كل وقت، لكنه في رمضان يزداد جودا عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يحرص على الجود. فالمرء في ظل صدقته يوم القيامة. وفي رمضان على وجه الخصوص يزداد جوده، يحرص على ذلك خصوصا إطعام الطعام، فإنه من أعظم الجود في هذا الشهر، لكون الناس في حاجة إليه مع صيامهم. وإلا فيطعم الطعام في كل وقت وحين من الأعمال الصالحة، كما قال الله عز وجل: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نظرة وسرورا. هذا الفضل بمثل هذا العمل الصالح، حين يحتسبه المسلم. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أطعم الطعام، وأفش السلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام». وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها»، قالوا: «لمن هي يا رسول الله؟». قال: «هي لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصل بالليل والناس نيام». فإطعام الطعام من أبواب البر. وفي حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما، فله مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره شيء». كان بعض أهل العلم يقول: «من يريد أن يصوم اليوم بيومين، من يريد أن يصوم اليوم بثلاثة، بعشرة»، ثم يذكر هذا الحديث. فأنت بقدر ما تفطر من الصائمين، يكون لك من الأجر بقدره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكتاب «الاختيارات»: «ويكون تفطيره بإشباعه، لا بإعطائه التمر والماء، أو قال: كمرات أو نحو كلامه». رحمه الله تعالى. فإذا أردت الأجر في هذا، فأطعم الطعام، فهو باب آخر من أبواب الخير. وكانوا رضي الله عنهم يحرصون على ذلك مع شدة حالهم وفقرهم وفاقتهم. حسب الواحد أن يفطر على خبز وتمر وماء، أو ربما رغيف وماء. ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه أنه كان لا يفطر في رمضان إلا بين الفقراء والمساكين. فإذا جاءه من يحتاج إلى طعامه، وكان يفطر على خبز وماء، هكذا جاء في بعض الروايات، قال: «آثر بفطره وعشائه لمن يطلبه منه، فطوى يوما آخر صائما» رضي الله عنه أرضاه. وروي عن داود بن أبي هند الطائي رحمه الله تعالى أنه كثيرا ما كان يتصدق بعشائه أو بعض عشائه للفقراء والمساكين. حتى ذكر أنه جاءه رجل، وكان يتسحر برغيف ويفطر برغيف، كما ذكر عنه رحمه الله. فجاءه رجل فأعطاه رغيفه، أي الذي سيفطر به، فبقي معه رغيف فأكله. فجاءه آخر يسأله، يعني يريد شيء يفطر به، فقال: «والله ما عندي ما أعطيك»، يحلف لأنه صادق، ليس عنده ما يتصدق به، وهو متأسف أنه أكل الرغيف يتمنى أنه جاءه قبل أن يأكل الرغيف. سبحان الله. ثم لم يتركه كذلك، قال: «ولكني أعلمك دعاء لعل الله ينفعك به ويأجرني عليه». قال: «فعلم هذا المسكين دعاء أن يدعو به»، يعني لما ما وجد شيء يتصدق به، قال: «ما سأخرجه من عندي بدون صدقة، سأعطيه صدقة دعاء». وعلم من يفكر مثل هذا في هذا الزمان، مع أن حالهم كما قيل: «فقير يتصدق على أفقر منه». اليوم من منا يملك أكل قبضة، رغيفة واحدة؟ أكثر الناس لهم موائد فيها أصناف الطعام. وهكذا أثر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان له في يومه رغيفين فقط. حتى نعرف أن أكثر الناس لذاك الزمان على وجبتين. حتى ذكر ابن الجوزي رحمه الله في مواضع من كتابه «تلبيس إبليس» أن من تلبيس إبليس استكثار الوجبات، حتى صارت ثلاث وجبات. سبحان الله، لو رأى ورأى حال الناس اليوم، الوجبات كثرت والموائد صار فيها من الإسراف والتبذير. فإن لله وإليه راجعون، حتى صار شهر رمضان كأنه شهر الطعام، شهر الموائد وأصناف الطعام. والواجب في هذا الاقتصاد والاعتدال، يجب أن نتق الله عز وجل في النعمة التي أعطانا الله إياها، لا نصل إلى من حذر الله عز وجل من صنيعهم وفعلهم، ومن يتابع فعل الشياطين. قال الله سبحانه: ﴿ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾. وقال سبحانه: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فالشاهد من أبواب الصدقات ومن أبواب الخير، إطعام الطعام في هذا الشهر بما يتيسر لك. أحرص على هذا الخير، ولو أنك تصدق على مسكين في كل يوم، لو تيسر لك، فإنه لو حصل مثل ذلك حصلت من المواساة ومن نفع الآخرين ما يكون فيه الخير للمجتمع. وهكذا أعمال الخير والبر في هذا الشهر كثيرة، والموفق من وفقه الله. فما من طاعة من الطاعات، وما أكثر أبواب الطاعات والقربات، إلا وهي في شهر رمضان، أو كذلك، لأنه شهر تضاعف فيه الحسنات وتكفر فيه السيئات، ما لا يكفر في غيره. ففي السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس عندما دخل عليهم شهر رمضان، فقال: «جاءكم شهر رمضان، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد الشياطين». وفي رواية: «مرضة الشياطين». قال: «وينادي المنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام أنه في كل ليلة لله فيه عتقاء، أن يعتق الله عز وجل من النار في كل ليلة عتقاء. ألا تحب يا عبد الله أن تكون أحد هؤلاء العتقاء؟ يعتقك الله عز وجل من النار. كيف يكون العتق؟ هل يكون بنومك إلى صلاة العصر، تصلي الظهر والعصر وتحسب نفسك أنك من الصائمين؟ وإذا جاء أحد أولادك يوقظك لصلاة الظهر، أعطيته الصوت أعظم من صوت الأسد، تمنع على الله وعلى المسلمين أنك صائم من الصائمين. ما تريد أحد يزعجك، أنت اليوم صائم، خلاص. وتصلي الظهر مع العصر، وربما قبل المغرب بخمس دقائق، صارت جمع ثلاث صلوات، وتريد أن تكون من العتقاء من النار؟ سبحان الله، كيف هذا؟ والصلاة أعظم فرضا من الصيام، إذا كان الصيام