الدرس في رمضان فضائل وأحكام، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينبغي للمسلم استقبال رمضان بالنية الصادقة والعزيمة على الصيام وتجنب المفطرات. كما يجب عليه الإقبال على العلم بأحكام الصيام.
يجب على المسلم استغلال رمضان في تحسين أخلاقه والعفو عن الناس والإحسان إليهم. كما ينبغي له التوبة والمسارعة إلى طاعة الله.
يشترط لصحة الصيام أن يكون الصائم مسلمًا عاقلًا بالغًا وخاليًا من الموانع. كما يحذر من الكفر والشرك والنفاق في الصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، قد أظلنا شهر عظيم مبارك، شهر لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والعابدين. شهر تُضاعف فيه الأجور وتزداد فيه الحسنات، شهر تتنزل فيه الرحمات وتقسم فيه الخيرات والبركات. شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران. شهر ميده الله جل وعلا عن باقي الشهور بالفضائل والمناقب والكرامات. وكيف لا، وربك يخلق ما يشاء ويختار؟ عباد الله، قد حضر هذا الشهر، شهر رمضان قد حضر هذا الشهر بما فيه من كرامات ومناقب. فكيف الاستعداد لهذا الشهر؟ كيف ينبغي للمسلم أن يستعد وأن يعد العدة لهذا الشهر؟ إن من الملاحظ أن الكثير من المسلمين إنما يكون استقبالهم لهذا الشهر بالاستعداد بالطعام والشراب والانكباب على الأسواق بشراء ما نز وطاب من المطعومات والمشروبات. أهكذا يكون استقبالنا لهذا الشهر العظيم؟ عباد الله، إن استقبال رمضان أعظم وأجل عند الله من هذا الاستقبال. فمن استقبال رمضان أن يجعل الواحد منا في قلبه وفي نيته النية الصادقة والعزيمة الأكيدة على أنه يصوم هذا الشهر من أوله إلى آخره. فما يدريك يا عبد الله، لعل المنية تأتيك في هذه اللحظات وفي هذه الساعات؟ كم من أناس كانوا أشد منا حرصًا وحبًا لحضور هذا الشهر، لكن سبقتهم الآجال ووفتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون. فأصبحوا في أهل القبور، لكنك يا عبد الله بالنية وبالقصد وبالعمل تستطيع أن تنل الأجر وإن لم تدرك العمل. فقد جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وقد قال علماء رحمهم الله تعالى: «النية أبلغ من العمل». فليتق الله أناس هم في قرارة أنفسهم في هذه الساعات وفي هذه الأيام أنهم لن يصوموا رمضان. عباد الله، إن الفطر في رمضان ومن عزم على الفطر في رمضان فإن ذلك من أشد الأمور بل من أشد المنكرات التي يفعلها العبد في هذه الدنيا. قال إمام الزهري رحمه الله تعالى: «من ترك صوم رمضان بلا مرض فإنه شر من الزاني ومن مدمن الخمر». هذا وصفه وهذا حكمه. ولهذا فإن الشرع الحكيم قد توعد بأشد العقوبة في حق من أفطر في هذه الأيام المباركة. فقد جاء عند ابن خزيمة من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: «بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي وقال لي انطلق. قال: فانطلقت فأتيا بي جبلًا وعرًا فقال لي اصعد. فقلت لهما إني لا أطيقه. فقال لي لا عليك إنا سنسهله لك. قال عليه الصلاة والسلام: فارتقيه. فإذا أنا في وسط الجبل أو في سواء الجبل، إذ أنا بأصوات. فقلت لهما ما هذه الأصوات؟ فقال لي هذا بكاء أو عواء أهل النار. قال: فانطلقت فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا. فقلت لهما من هؤلاء؟ فقال لي هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». أي أناس صاموا لكن استعجلوا في الفطر وأفطروا قبل وقت الفطر، فكان هذا العذاب وكان هذا النكال. فقل لي بربك يا عبد الله، فكيف بالذي لم يصم بالكلية؟ فإن عذابه أشد وأنكاله أشد. إذن ينبغي أن يستقبل هذا الشهر بهذه النية وبهذه العزيمة. وهكذا عباد الله، من الأمور التي ينبغي أن نستقبل بها شهر رمضان هو الإقبال على العلم والإقبال على التفقه في أحكام الصيام. فإن هذا الاستقبال أعظم عند الله من استقبال رمضان بالطعام والشراب. كم من مسلم تتوالى عليه رمضانات وهو جاهل بأحكامه وجاهل بما يضره في صيامه؟ فربما خط خطًا عشواء في صيامه. كم من المفطرات هو يفعلها ولا يدري؟ كم من المباحات جعلها من المفسدات؟ فعلى سبيل المثال هذا الريق الذي نرى العوام قد شنوا عليه حربًا لا هوادة فيها. أي نعم، عباد الله، فإنك ترى أن العوام في رمضان الأمر عندهم كقضية إما أنا وإما الريق. فترى هناك عند النوافذ وعند أبواب المساجد وذاك بخرقة وذاك بعلبة، وكل واحد منهم يحاول أن يخرج أيضًا الريق من جوفه. وما علم هؤلاء أن الريق ليس بمفطر بإجماع العلماء. فلا غضاضة فيه ولا كراهة. وشخص آخر لربما عنده شيخ كبير أو امرأة عجوز فأفطر في رمضان وما يدري ما حكم ذلك؟ هل للمشقة فحكم أو أن حكمه لزوال العقل فحكم آخر. وهذا الرجل لا يدري بالحكم. ورب رجل من أولياء الأمور من آباء وأمهات لربما الأم تظن أن البنت ما يجب عليها الصيام حتى تبلغ الخامسة عشرة. وجهلها أولًا أن البنت لربما تصوم قبل هذا السن وقبل هذا العمر، وذلك متى ما حضرت ولو كان في السن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. وهكذا عباد الله، مسائل كثيرة تقف على كثير من الناس. كان حريًا بهم أن يستقبلوا هذا الشهر بالإقبال على الفتاوى وعلى الكتب التي ألفت في بيان أحكام الصيام. حتى يستطيعوا أن يصوموا هذا الشهر كما يحبه الله ويرضاه. وهكذا عباد الله، من الأمور التي يستقبل بها هذا الشهر العظيم هو أن تعود النفوس على تغيير أخلاقها الزميمة وآدابها المنحرفة وسلوكياتها المعوجة. عباد الله، إن هذا الشهر هو شهر الأخلاق، شهر الآداب. فقد جاء في الصحيح قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم. فليقل إني صائم». فإن الصائم في صيامه يترفع عن سفاهة الأخلاق ويترفع عن رذائل الآداب. عباد الله، فمثلًا رب رجل ابتلي بمرض القطيعة، فهو في هذه الدنيا قد حمل وراية العداوة والبغضاء على قلبه. إما أنه قطع أرحامه أو أنه هجر جيرانه أو أنه أعرض عن إخوانه وأصحابه. أو ذاك لا يتكلم مع أمه ولا مع أبيه، وآخر لا يزور خاله ولا خالته. يا عبد الله، اجعل من هذا الشهر العظيم شهرًا للعفو والصلح والإحسان. أن تعفو عمن ظلمت وأن تتجاوز عمن أتى إليك وأن تحسن إلى الناس جميعًا. فترد السيئة بالحسنة. إذ ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]. وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22]. آيات عظيمة، فأين المتخاصمون من هذه الآيات؟ أليس لها وقع على قلوبهم وعلى نفوسهم؟ عباد الله، فينبغي للعبد متى ما ابتلي بشيء من هذا الخلق الزميم أو من هذا العدد السقيم، ومن غير العادة من العادات الرذيلة من شحناء ومن عداوة وبغضاء أو من بخل وشح. أو من طعن في الأعراض أو من تتبع لأعراض المسلمين أو من بذيء اللسان بسب أو لعن أو طعن. حاول يا عبد الله أن تترفع عن ذلك في هذا الشهر العظيم. في شهر الأخلاق وفي شهر الآداب أن تتحلى بمكارم الأخلاق. حتى يكمل قومك. وهكذا عباد الله، إلى من الاستقبال الذي ينبغي أن يكون من الآن لهذا الشهر العظيم لهذا الشهر المبارك. أن تشحن النفوس وأن تشحن الهمم إلى التقرب إلى الله، إلى خالقك، إلى رازقك. فإن الله جل وعلا قد جعل في هذا الشهر العظيم الكثير والكثير من الفضائل ومن النعم ومن المناقب. ففيه مغفرة الذنوب، وفيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران. وفي هذا الشهر العظيم تباع فيه الحسنات وتتنزل فيه الرحمات والبركات. وفي هذا الشهر فإن الله عز وجل أمضى أمرًا بطرد مرضة الشياطين. وكل ذلك وغيره إنما هو معونة من الله جل وعلا لعباده حتى يعينهم على أن يؤدي حقيقة الصيام. ألا وهو تقوى الله جل وعلا. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فهذه حقيقة الصيام، وهذا عسى وهذا أساسه. أن العبد يزرع في قلبه تقوى الله. وما في معنى ذلك من المعاني والمقامات من خشية ومن خوف ومن إنابة ومن خشوع ومن خضوع ومن زهد ومن ورع ومن تقوى لله جل وعلا. من تحصل على هذه المقامات في هذا الشهر العظيم فهو الذي عرف حقيقة الصيام. وبعد ذلك تظهر التقوى على لسانك، تظهر التقوى على جوارحك. وذلك بفعل الخير، بفعل الأعمال الصالحة والمسارعة إلى الطاعات. من التصدق على الفقراء والمساكين، من المحافظة على الصلوات، من الحرص على حلقات العلم وعلى حلقات الذكر. ومن الاهتمام بصلة الأرحام، وكذلك بقيام الليل. أن تنتصب يا عبد الله أن تنتصب أمام الله راغبًا راهبًا، تطمع بثوابه وتخشى عقابه. وإياك يا عبد الله أن تخطئ هذه الليالي المباركة بالتسكع في الشوارع أو بالجلوس في الطرقات أو بالذهاب إلى الأسواق. أو بالانكباب أمام الدشوش وأمام التلفاز لرؤية المباريات أو المسرحيات أو التمثليات. فتضيع هذا الوقت العظيم بما يضرك وما لا ينفعك. عباد الله، إن الله جل وعلا قد جعل من بين هذه الليالي ليلة مباركة، ليلة ما أدراك ما هذه الليلة؟ إنها ليلة القدر. هذه الليلة التي حوت على كل خير، حوت على كل بركة. قال ربنا جل وعلا ذاكرًا وحاكيًا عن هذه الليلة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5]. فيا سبحان الله، ويا لها من بشرى يا عبد الله. ليلة واحدة تتعبد الله فيها تعدل بذلك أن تتعبد الله بألف شهر. فإياك يا عبد الله أن تأتي هذه الليلة وأنت في غفلة وأنت في لهو وأنت في لعب أو أنت على معصية. فقد جاء في السنن من حديث أنس قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر. من حرمها فقد حرم الخير كله. وليحرم خيرها إلا كل محروم». فإياك والحرمان، إياك والخذلان. وهكذا يا عبد الله، عليك بالمسارعة والمسابقة إلى الطاعات والعبادات. وعلى رأس هذه الأعمال الإقبال على كتاب الله، الإقبال على القرآن. أن تنظر في كتاب الله جل وعلا، أن تتأمله فيه. وكيف نام؟ فإن رمضان هو شهر القرآن. فربنا جل وعلا يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. وقد كان جبريل عليه السلام يدارس نبينا القرآن في كل ليلة من رمضان. فإن دل ذلك دل على عظمة القرآن في شهر الصيام. ولهذا كان من شأن سلفنا الصالح رحمهم الله الإقبال على كتاب الله جل وعلا. فينقل عن بعضهم أنهم يختمون له في سبع ليال، وعن بعضهم في ثلاث. بل يحكى عن بعضهم أنه في ليلة. بل كان من شأن العلماء رحمهم الله تعالى أنهم إذا جاء رمضان اعتكفوا على القرآن وتركوا الطاعات والعبادات الأخرى. فهذا سهل رحمه الله كان يقول: «إذا جاء رمضان فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». وينقل عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إذا أقبل رمضان ترك العبادات وأقبل على كتاب الله جل وعلا». ثم اعلموا عباد الله أن الإقبال على كتاب الله ليس على ما عليه العوام من الانتهاء من القرآن والمسابقة فيه. لا بد من تأمل، لا بد من تفكر في كتاب الله جل وعلا. أفلا يتدبرون القرآن؟ كم من واحد منا يا عباد الله تمر عليه الآيات وتمر عليه الأجزاء من كتاب الله، ولكن لا يتعظ بها؟ فرب رجل تمر عليه الآيات التي فيها الأمر بالصلاة وهو متهاون بالصلاة. ورب رجل تمر عليه الآيات بتحريم الربا وهو من المتعاملين بالربا. ورب رجل تمر عليه آيات الأمر بغض البصر وقد أطلق بصره على عورات المسلمين. كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؟ عباد الله، علينا أن نقبل عليه بقلب زكي وبنفوس طيبة. وذلك بالمسارعة والاستعداد وبالتخصيص الذي يحبه الله جل وعلا. أن نستعد الآن بالتعلم والتفقه، أن نستعد الآن بالنية الصادقة والصالحة على صيامه. أن نستعد الآن أن نتخلص من الآداب الرذيلة والأخلاق المنحطة. وأن نستبدلها بمكارم الأخلاق. أن نستعد من الآن بالمسارعة إلى طاعة الله جل وعلا بالإقبال على الطاعات والنوافل والقربات. عباد الله، إنه لخسارة أن يأتي هذا الشهر العظيم وبما حوى من خير وبما حوى من فضائل ومناقب وكرامات، ثم يدخل ويخرج ولم يستفد منه شيئًا. خسارة يا عبد الله. فقد جاء عند ابن حبان من حديث الحسن من حديث مالك بن الحويرث عن أبيه مالك بن حويرث قال: «صعد نبينا عليه الصلاة والسلام على منبره. فلما صعد على عتبته قال: آمين. فلما صعد في الثانية قال: آمين. فلما صعد في الثالثة قال: آمين. فلما سئل عليه الصلاة والسلام عن هذا التأمين ما سره؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أتاني جبريل فقال لي: يا محمد، من أدرك رمضان فلم يغفر له أبعده الله. فقلت: آمين. ويا محمد، من أدرك والديه أو أحدهما فلم يغفر له أبعده الله. فقلت: آمين. وقال: يا محمد، من ذكرت عنده فلم يصل عليك أبعده الله. فقلت: آمين». عباد الله، علينا من الآن أن نستعد بالأمور الطيبة والصالحة من الأعمال والأذكار. حتى نلقى الله جل وعلا في هذا الشهر العظيم بما يحبه ويرضاه. ولا أطيل عليكم، فليتقدم شيخنا أبو عبد الرحمن. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعتم في كلمة أخينا أبي هاشم حفظه الله تعالى خيرًا كثيرًا فيما يتعلق بالاستعداد لاستقبال هذا الشهر الكريم، شهر رمضان الذي هو موسم عظيم من مواسم الطاعات. وكذلك موضع من مواضع التنافس في القربات من الله عز وجل على عباده به. وجعله سبحانه وتعالى سببًا لحصول خير الدنيا والآخرة وتدارك ما فات كذلك مما مضى من عمر هذا الإنسان. فله الحمد والمنة على ما أعطى وهدى وأعزى سبحانه وتعالى. عباد الله، نأخذ شيئًا من أحكام الصيام حتى لا يفوت علينا الوقت فيما هو أهم. وقد سمعتم أن مما ينبغي الاستعداد له هو التعلم من أحكام الصيام وأحكام هذا الشهر الكريم. فمن أعظم أحكامه أن نعلم عباد الله أن الله عز وجل فرض هذه الفريضة على عباده رحمة بهم. فهو غني عن جوعهم وعن عطشهم. ولكنه فرضها سبحانه وتعالى لأجل التقوى أن تصل إلى قلوبنا. كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. ففرض الله عز وجل هذه الفريضة لحكم وأسرار كثيرة. ومن أعظم هذه الحكم والأسرار أنها سبب للتقوى. واعلموا أن الله عز وجل فرض هذا الصيام على كل مسلم بالغ عاقل مقيم صحيح خالي من الموانع. وهذا مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. ففرض الله عز وجل هذه الفريضة على المسلمين، فلا تقبل من الكافرين ولا من المشركين ولا ممن وقع منهم شيء من أسباب الردة القولية والفعلية الاعتقادية أو العملية الظاهرة والباطنة. لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 54]. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]. وننبه على هذا لأنه يوجد في أوساط المسلمين من ينتسب إلى الإسلام باسمه وينتسب إلى الإسلام كذلك مواظبة ومسايرة للمجتمع. ولكنه في الحقيقة قد خرج من هذا الإسلام بصنف من أصناف الكفر والشرك والنفاق والعياذ بالله. فمن الناس من يعبد مع الله غير الله من القبور وكذلك من الصالحين أو الأولياء. وهو يظن أنه على دين الإسلام وهو ليس على دين الإسلام بعد قيام الحجة عليه. فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]. وما أكثر الناس الذين يعملون الأعمال الكثيرة الصالحة ويظنونها أنها مقبولة عند الله. والله عز وجل يجعلها هباءً منثورًا. كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. وهذا بصنف آخرين ينتسبون إلى هذا الدين وهم قد خرجوا من هذا الدين بسبب أو بآخر. منهم من يستهزئ بالأحكام الشرعية تارة يستهزئ بالحجاب وتارة يستهزئ ويسخر وهكذا يتنقص بعض أحكام الشرعية كالحدود أو غير ذلك من أحكام الإسلام. ويدعو إلى أشياء تنافي هذا الدين ويظن أن هذا الدين فيه شيء من الظلم أو فيه شيء من الجور أو فيه شيء من الرجعية أو فيه شيء كذلك من معاني النقص. فهو اغتر بالحضارة الشرقية والغربية وظن أن فيها معاني النصر والرفعة للمسلمين. وأنه لا يمكن للمسلمين الرقي والتطور المادي إلا بالانسلاخ من الإسلام. فمثل هذا لا ينفعه صيامه إن صام لأنه في الحقيقة ليس هو المسلم الذي يقبل الله عز وجل منه الصيام. وهكذا آخرون كذلك عندهم من النفاق والعياذ بالله عندهم من النفاق ما يجاملون به المجتمعات المسلمة. وهو إما على مذهب المادي كفري اشتراكي أو غير ذلك من المذاهب الكفرية المعاصرة. ثم بعد ذلك يصوم مع الصائمين ويظن أن الله عز وجل يتقبل منه مثل ذلك. والله عز وجل إنما يتقبل من المحسنين. بل إن بعضهم جمع أصنافًا من الكفر والله عز وجل قد حكم بالكفر على كلمة خفيفة صغيرة قد يظن هؤلاء أنها لا تكون كفرًا. ولكنها عند الله عز وجل كانت كفرًا. في قوم قالوا كلمة برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجماعة من أصحابه قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكبروا بطونا وأجملوا عند اللقاء». فأنزل الله عز وجل فيهم قرآنًا. قل بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم. سمعهم كفارًا بعد إيمان بسبب كلمة حصل فيها الاستهزاء والتنقص لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصحابته الكرام. فليعتبر المسلم بذلك وليعلم أن المسألة خطيرة. فإن هذه العبادات والفرائض والواجبات لا تقبل إلا من المسلمين. ومن أعظم شروطها الإسلام كما سمعنا. وهكذا كذلك من شروط هذه الفريضة أنها تجب على العاقل فلا تجب على المجنون. وتجب على البالغ فلا تجب على الصغير غير المميز ولا على الصغير غير البالغ. إلا أن يعلم ويعود على الصيام. وذلك لما ثبت في السنن من حديث عبد الله بن عباس وجاء كذلك بمعنى عن علي رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». فإن القلم رفع عن هؤلاء الثلاثة لأجل ما عندهم من أسباب عدم التكليف. فإن المجنون حرم العقل الذي به يكون التكليف. والصبي كذلك غير المميز لا يقبل منه ولا يجب عليه. بخلاف المميز فإنه يقبل منه ولا يجب عليه. وهذا كذلك من شروطه أن يكون هذا الذي يصوم صحيحًا. فإن كان مريضًا أو كان كذلك مسافرًا فإنه يرخص له في الفطر. كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. فلا يجب على المريض وكذلك لا يجب على المسافر. وهنا ننبه أن المريض الذي يُعذر بالفطر ويُخص له بالفطر ينقسم مرضه إلى قسمين. قسم منهم أي من أهل المرض من مرضه منزله لا ينفك عنه كصاحب الأمراض المستمرة مثل داء السكر الشديد أو كذلك صاحب بعض الأمراض المزمنة كصاحب الكلى والحصوات الذي لا يستطيع معه الصيام. ويستمر معه ذلك إما لفشل كلوي أو غير ذلك. وهكذا من هؤلاء الشيخ والشيخة اللذان قد بلغا سنًا لا يستطيعان معه الصيام. ففي مثل هؤلاء لا يقال عليهم القضاء ولكن لأنه لا يمكنهم القضاء. ولكن يقال لأمثال هؤلاء أنهم يطعمون عن كل يوم مسكين. لقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. وصنف آخر من المرض مرض يرجى شفاء منه ويغلب الشفاء منه. فإن صاحب هذا المرض عليه الصيام والقضاء من أيام أخر. مثلهم كمن هو مسافر. وهو قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وهكذا كذلك ينبغي أن ننتبه أنه ليس كل مرض يكون به العذر. فإن المشقة جلب التسير مما يحق أن يوصف بأنها مشقة. فرب مرض يسير كألم في إصبع أو وجع خفيف في رأس أو ألم يسير في بطن. ومع ذلك لا يكون ذلك سببًا مرخصًا في الفطر. وإنما السبب المرخص في الفطر ما كان مرضًا تحصل معه المشقة في أداء هذه الفريضة. وهكذا كذلك السفر رخصة من رخص السفر. رخص فيه ربنا عز وجل الفطر للمسافر. الفطر في الصيام للمسافر ما دام مسافرًا ولو لم يكن في هذا السفر مشقة. فإن السفر بحد ذاته رخصة في الفطر في نهار رمضان. لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وهذا هو القول الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم. أن العلة في الفطر في السفر هو عين السفر. وعلى هذا فإذا عدمت المشقة لو قدر ذلك وهي في الحقيقة لا تنعدم. لو عدمت المشقة لو قدر ذلك وكان سفرًا كذلك جاز للمسافر أن يفطر فيه لكونه سفرًا. وذلك لنص ما أخبر الله عز وجل به وصح عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل إذا وجدت المشقة فإنه يتأكد الفطر. بل قد يجب الفطر. لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». فإذا كان مع هذا السفر مشقة فإنه يتعين ويتأكد الفطر في السفر. بل قلنا أنه ربما يكون واجبًا كحال ذلك من الرجل الذي ظلل حين أغمي عليه في السفر. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قال وأمره أن يفطر. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر». وهكذا كذلك مما ينبأ عليه لو أن قائلًا قال: إذا أنا سافرت ولم يكن هناك مشقة فأيهما أفضل في حقي؟ أن أصوم أو أن أفطر؟ واختلف أهل العلم في هذه المسألة. وأقرب القولين مما روي في هذا الباب هو أنه يستحب في حقه الصيام إذا لم تكن مشقة أو كانت المشقة خفيفة. لمصحة في صحيح مسلم أنهم سافروا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم حار. قالوا: «وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعبد الله بن رواحة». فدل ذلك على أن الأفضل في حق المسافر إذا لم يكن هناك مشقة عليه الأفضل في حقه أن يصوم. ومع ذلك ليس ذلك بلازم. فكانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيكون منهم الصائم ومنهم المفطر. فما ينكر الصائم على المفطر ولا ينكر المفطر على الصائم. بل ربما أحيانًا يكون أجر المفطر أعظم من أجر الصائم إذا كان المفطر يقوم بخدمة الصائمين ويقوم بحاجات السفر وما يلزم من شؤون رفقة السفر. كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفرة من السفرات في قوم من المفطرين قاموا بأمر الصيام حين تساقط الصوم. فقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وهذا لتذكير يستحب كما قلنا الصيام لأنه كذلك أبرأ للذمة. وكذلك أحوط في التخلص من هذا الواجب وعدم تعلقه كذلك بذمة هذا الصائم أو هذا الذي عليه القضاء. وهكذا كذلك من شروط هذا الصيام أن يكون صاحبه خالي من الموانع. ومعنى خالي من الموانع يعني لا تكون المرأة حائضًا ولا نفساء. وهذه مسألة مهمة كما نبه عليها أخونا أبو هاشم حفظه الله تعالى. فرب امرأة لا تعرف مثل هذا الحكم أو تجهله. فما أكثر دقائق هذه المسائل التي يبتلى بها النساء. فلنعلم أولًا أن من مبطلات الصيام الحيض والنفاس. فمن جاء أدركها الحيض أو النفاس فإنها لا بد عليها أن تفطر. ولا يجزئها صيامها. فلا يصح الصيام من حائض ولا نفساء. كما أن من موجبات الصيام أن تكون المرأة بلغت سن التكليف ولو لم تحض. فإن علامة البلوغ عند الذكر تكون بثلاثة أشياء. أولها الاحتلام وهو نزول الماء. وثانيها بلوغ سن خمسة عشر. وثالثها إنبات شعر العانة. وبكل واحد من هذه الثلاثة جهد صح بذلك الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وتزيد الأنثى بوصف رابع وهو أن ينزل منها دم الحيض. وما أكثر أولياء الأمور الذين يجهلون مثل ذلك. فربما بلغ الصبي ولم يؤمر بالصيام. وربما بلغت الأنثى ولم تؤمر بالصيام. والله عز وجل قد أوجب الصيام على من هذا وصفه. وهذا كذلك من دقائق مسائل الصيام في هذا المقام. أن المرأة إذا علمت أنه لا يصح منها الصيام