الدرس في مجالس رمضانية لعام 1429هـ 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع كيفية تمييز سجود التلاوة عن الركوع في الصلاة، وآراء أهل العلم في تكبير سجود التلاوة. كما يتناول مسائل متفرقة في الصلاة مثل قول "سمع الله لمن حمده" و"ربنا ولك الحمد".
يتناول المقطع مسائل فقهية متفرقة تشمل الوضوء في الحمام، وبلع النخامة أثناء الصيام، وشروط الذبح الصحيح، وتخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة. كما يشرح الفرق بين تخصيص ليلة سبع وعشرين بالعبادة قصدًا وتخصيصها لعذر.
يناقش المقطع أهمية التأكد من صحة الفتاوى وضرورة موافقتها للحق. كما يشدد على فهم القياس الشرعي وتطبيقه بشكل صحيح عند التعامل مع مسائل فقهية مختلفة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا سهل يقول: إذا مر الإمام على آية من آيات السجدة -آيات تكتب بتاء مفتوحة وليست بتاء مربوطة- يقول: وخاصة هذه الآية من آخر، وخاصة هذه الآية من آخر سورة، ثم يكبر. كيف تميز النساء بين هذا التكبير لسجود التلاوة وبين ذاك الذي للركوع؟ لم يثبت في شيء صحيح صريح أنه كان يميز بين تكبير سجود التلاوة وبين تكبير الركوع. وبعض أهل العلم رأى أن يمد في تكبير السجود -سجود التلاوة- ويقصر في تكبير الركوع. وكان شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يحصل في مسجده مثل هذا الإشكال، فرفعت إليه مرة ورقة، فقال: إذا رأيتموني مددت في تكبيري، فاعلموا أني سجد، وإذا لم أمد في تكبيري فأنا ركعت مباشرة. وهذا على قول جمهور أهل العلم؛ يعني أن سجود التلاوة يكبر له، ويكبر له في الخفض، ويكبر له في الرفع. وقد اختلف أهل العلم في هذا، فمن أهل العلم من يرى أنه يكبر له في الخفض وفي الرفع، أخذًا بعموم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، في حديث أبي هريرة وغيره. وذهب بعض أهل العلم أن سجود التلاوة ليس فيه تكبير لا في الخفض ولا في الرفع؛ وذلك لأنهم لم يجدوا دليلًا صحيحًا صريحًا في عين المسألة. وذهب آخرون أنه يكبر في الخفض لحاجة المأموم إلى التنبيه، ولا يكبر في الرفع. والصحيح الأول: أنه يكبر في الخفض والرفع؛ أولًا لعموم الأدلة، وثانيًا لما ورد عن الصحابة في ذلك، وفهم السلف مقدم وقاضي على كثير من الخلاف. وثالثًا: لأننا لم نجد في حركات وانتقالات المصلي في الصلاة في جميع الأدلة الشرعية أنها تكون بغير صيغة انتقال لفظية، لا نجد هذا أبدًا. لو تأملت الصلاة بجميع كيفياتها وصورها، ما تجد أن حركة من الحركات يكون فيها انتقال من غير ذكر لفظي أبدًا، ما تجد. وهذا مع ما يفهم من العموم، كذلك يفهم من مقصود الشريعة، والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. ويعلل بتعليل آخر: أن الصلاة جاءت للمبصرين ولغير المبصرين، الأعمى إذا ركع الإمام من دون أن يكبر، كيف يعلم أنه ركع أو سجد؟ من دون أن يسمع تكبير، كيف يعلم أنه سجد؟ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن من حكمة الله عز وجل في شرعه ودينه، جعل في تفاصيل هذا الشرع والدين ما يصلح للناس على جميع أحوالهم وأوضاعهم. الصلاة تجد فيها حركة فعلية وحركة وصوت، فيستفيد المأموم من الصوت إن كان أعمى، ويستفيد من الحركة إن كان ماذا؟ أصم، إن كان أصم فهو أصم لكنه يبصر، فيستفيد من الإبصار. ولهذا يفضل أن يكون بين النساء وبين الرجال حاجز، يرى النساء الرجال ولا يرى الرجال النساء حتى يقتدون بذلك. فالخلاصة: ليس هناك تمييز، لكن ينبغي للنساء أن يميزن بقراءة الإمام وما تعود من قراءته. ويختم هذا بشيء من فعل السلف، فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا ختم بسورة فيها سجدة كان يتبعها بقراءة، خصوصًا سورة النجم، وما كان بمعناها مما آخره سجود. فكان يقرأ، ثبت أنه مرة صلى في صلاة الفجر وختم بسورة النجم، ثم أتبعه بعد القيام من السجود بقراءة سورة الزلزلة. لماذا قرأ سورة الزلزلة؟ هل لا تكفي سورة النجم؟ ما هو التفسير؟ التفسير: حتى يفقه من يصلي خلفه أنه لا يختم بسجود فيشكل على الناس، بل يسجد ثم يقرأ الزلزلة ثم يركع. وهذا الأفضل أن المأموم الإمام يعود من معه أنه لا يسجد -يعني يكون متعود أنه إذا سجد يسجد من دون أن يقرأ قراءة في آخر الصورة- لأنه سيشكل ذلك على المأموم. يقول السائل: ما هو الأفضل للمأموم: من يقول «سمع الله لمن حمده» أو يقول «ربنا ولك الحمد» مباشرة ولا يقول الأول؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا قال -أي الإمام- سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». وهذا نص في محل النزاع، فإذا المأموم ما دام مأمومًا يقول: «ربنا ولك الحمد»، لا يقول: «سمع الله لمن حمده»، هذا نص. أما إذا كان إمامًا أو كان منفردًا فإنه يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». يقول: إذا توضأت في الحمام، هل يجوز أن أقول «بسم الله» سرًا مع تحريك الشفتين أو من دون تحريك الشفتين؟ لا، بس حركت أو لم تحرك. وينبغي أن تفرق إذا كان الحمام واسعًا بين موضع قضاء الحاجة وموضع وضوئك، فتبتعد من موضع قضاء الحاجة. ويستدل بهذا بحديث ميمون في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرب لهما ليغتسل -الغسل الجنابة- فاستنجأ، ثم تنحى من موضع استنجائه، ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم اغتسل. وتنحيه فسره بعض العلماء: لأنه إذا توضأ سيدكر الله ويسميه، فلذلك تنحى من موضع الاستنجاء. وهذا سائل يقول: هل النخامة تفطر الصائم عند بلعها؟ سبق الجواب على هذا والتفصيل فيه. والخلاصة: ينبغي للصائم ألا يتعمد بلع النخامة، فإذا بلعها بغير عمد فليس فيها شيء. يقول: ما هي شروط الذبح؟ وكيف يكون طريقة الذبح عند القطع؟ إن شاء الله ينبه على هذا، وقد نبه في دروس سابقة، لكن الخلاصة: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا. فما أنهر الدم بمعنى: كان فيه الذبح، فخرج الدم من موضع الذبح وهو في العنق، وذكر اسم الله عليه، فيؤكل منه. وذكر الفقهاء أنه يذبح ثلاثة من أربعة، وقيل: اثنين من ثلاثة، وقيل غير ذلك. المهم: تذبح في موضع الذبح في العنق، وهناك مفصل معروف يعرفه من يعرف الذبح، ويتعلمه من لا يعرفه ممن يعرف. ويكمل بذبحه في السكين إلى مؤخرة العنق، فإذا أنهر الدم فهذا الذبح صحيح، وذكر اسم الله عليه. لابد من التسمية، ولا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. وهكذا كذلك يكون ممن هو عنده أهلية الذبح، ويكون الذبح بما يصلح الذبح به. فإذا توفرت هذه الشروط الأربعة فهذا هو الذبح. وهذا سائل يقول: سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن تخصيص ليلة سبع وعشرين للعمرة بحجة أنها ليلة القدر، فقال: «هم مبتدعة». فما بال الاعتكاف في سبع وعشرين؟ أليس الحكم كذلك؟ أولًا: ليس هذا أسلوب شيخنا رحمه الله أن يقول: «هم مبتدعة»، حاشاه أن يقول ذلك. فكثير ممن يفعل هؤلاء ممن عنده جهل، وممن عنده حسن نية، وعنده بعض العلم. وليس من الصواب أن يحكم بالبدعة على كل فاعل بدعة، ولو كانت بدعة، فليس كل من فعل البدعة فهو مبتدع، هذا أولًا. وثانيًا: أن هذا التعميم بأن هذا الفعل بدعة، كذلك ليس من فتوى شيخنا رحمه الله. وإنما فتوى في تخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة، وإلا على ظاهر هذا الكلام معناه: ليلة سبع وعشرين يغلقون الحرم، ما في عمرة. على هذا الكلام معناه: ليلة سبع وعشرين ممنوع العمرة، كل من أتى نقول له: قف، عندنا فتوى للشيخ، ممنوع العمرة في سبع وعشرين، هل هذا صحيح؟ هذا ليس صحيح. لكن الذي حذر منه شيخنا رحمه الله هو تخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة كما يفعله الكثير من العامة والأعاجم، يخصون ليلة سبع وعشرين بالعمرة حتى ولو أتى بعمرة يحرص على أن يأتي بعمرة بليلة سبع وعشرين. وقد نص العلماء أن تخصيص زمان أو مكان بعبادة هذا من البدع، فلا يخص إنسان زمان أو مكان بعبادة. وكيف يعلم هذا التخصيص؟ يعلم هذا التخصيص إما بتكرار هذه العبادة في هذا الزمان أو هذا المكان، أو الحرص عليه موافقة لغيره ممن يحرص عليه ونحوه من القراء. أما إذا وقع على غير تخصيص، رجل وفق له السفر للعمرة في سبع وعشرين، نقول له: لا تعمل العمرة في سبع وعشرين؟ أو رجل آخر لم تسمح له شركته التي يعمل فيها بإجازة للعمرة في شهر رمضان إلا يوم واحد، فكان ذلك يوم سبع وعشرين. بل حتى لو أعطي الخيار له، فقيل له: اختر يومًا واحدًا في الشهر، فنظر في الشهر فلم يجد يومًا أفضل من يوم ماذا؟ يوم سبع وعشرين؛ لكون النبي عليه الصلاة والسلام جعل أرجى أيام الشهر في ليلة القدر هو ليلة كم؟ ليلة سبع وعشرين، بين أنها أرجى ما تكون في العشر، وأنها أرجى ما تكون في الوتر، وأرجى ما تكون من الوتر في ليلة كم؟ ليلة سبع وعشرين. فلو أن إنسان خير، قيل له: ليس لك إجازة إلا يوم واحد اختر ما شئت، فقال: أنا سأذهب ليلة سبع وعشرين، هي أرجى ما تكون في ليلة القدر، أصلي في الحرم وأعمل عمرة، فهل في هذا شيء؟ الجواب: لا، ليس في هذا شيء؛ لأنه لم يقصد التخصيص، ولكن لم يكن له إلا يوم واحد فاختار. ومثله لو أن امرأة قالت لزوجها: أريد أن أعتكف يومًا في المسجد، فقال: لا، اختاري يوم واحد. أو قال: تريد أن أعتكف العشر، قال لها زوجها: لا، ما أستطيع، ما أذن لك بعشرة أيام، لكن اختاري يوم واحد. فنظرت فرأت أن أفضل الأيام وأرجى الأيام لليلة الوتر هي ليلة سبعة وعشرين، فهل بهذا شيء؟ الجواب: لا، ليس بهذا شيء. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين من نهي عنه من التخصيص -تخصيص ليلة سبعة وعشرين؟ الجواب: الفرق أن هذا التخصيص إذا كان مقصودًا بما تدل عليه القرينة، إما بتكرار وإما بتيسر غيره من الأيام، ومع ذلك حرص على هذا اليوم ونحو ذلك، فهذا التخصيص هو المنهي عنه. أما إذا كان هذا لمعنى من المعاني الأخرى، فإن شاء الله ليس فيه شيء. على أن الإنسان يحرص أن لا يكرر مثل هذا العمل؛ يعني يكون دائمًا في ليلة سبعة وعشرين. وهنا أنا أنصح نفسي وإخواني طلبة العلم وطالبات العلم بعدم الاستعجال في الفتاوى، وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام فيما هو ليس صريح من نص كلام العلماء؛ لأن الآن هذا السؤال كما سمعتم قياس فتوى الشيخ بن عثيمين رحمه الله في نهيه عن تخصيص العمرة في سبعة وعشرين على تخصيص ليلة سبعة وعشرين كذلك بالاعتكاف. الجواب: هذا القياس إن كان مطابقًا من جميع الوجوه فهو قياس صحيح، فإن كان أحد يخص ليلة سبعة وعشرين باعتكاف بأي معنى من معاني التخصيص التي تدخل في معنى الفتوى، فهذا كذلك منهي عنه، ويدخل في الابتداع. وفي رسالة شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله «الإبداع في خطر الابتداع» شيء من تفصيل مسألة تخصيص الزمان بشيء من العبادات، فيرجع إليه. أما إذا كان ليس مطابقًا له من جميع الوجوه، فهذا هو من أنواع القياس الضعيفة. والقياس ثلاث أقسام، من يذكر أقسام القياس الثلاثة؟ يا أبا جابر، فضلًا. تذكر الجلي والخفي باعتبار قوته، لكن باعتبار أنواعه، هذا باعتبار كذلك قوته: قياس صحيح، وقياس فاسد. نعم، باعتبار صحة وفساد. لكن أنواع القياس باعتبار تقاسيمه: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. فقياس العلة كثيرًا ما يكون صحيحًا، وليس كله صحيح. وقياس الدلالة منه ما هو صحيح، ومنه ما ليس بصحيح. وقياس الشبه كله فاسد وليس بصحيح. وينبغي أن نعلم أن أكثر الفقهاء وقعوا في خطأ في مسائل فقهية بسبب التوسع في باب القياس. فكذلك ينبغي لطالب العلم وطالبات العلم التأني في باب القياس، لا تقيس ولا تقس فتوى على فتوى وأنت لا تحسن القياس، وأنت لم تتمكن من هذا الباب. عندك فتوى صحيحة صريحة في عين المسألة، أنقلها. ومع ذلك ففتاوى أهل العلم ما وافق الحق فهو صواب، وما خالفه فهو ماذا؟ ليس بصواب. فينبغي أن ننتبه لهذا. نكتب بهذا القدر وإلى هنا، والله تعالى أعلم.