الدرس في الأخوة الإيمانية، محاضرة في منطقة تحت الطريق . يوم الجمعة 29 ربيع ثاني 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية الأخوة في الله كأصل عظيم من أصول الدين، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُظهر كيف أن رابطة الإيمان والإسلام تجمع المؤمنين وتجعلهم كالجسد الواحد.
يُشدد على أهمية الأخوة في الله وحقوق المسلم على المسلم كما ورد في الأحاديث النبوية، ويُبين أن تحقيق هذه الأخوة يقتضي تقديم ما لله ورسوله على ما سواهما. يُوضح أن الأخوة الإيمانية الحقيقية تتجاوز الانتماءات القبلية والدنيا وتقوم على حب الله ورسوله والإخلاص في العمل.
يجب على المسلمين الحفاظ على أخوتهم في الله وعدم التفرق بسبب المعاني القبلية أو الحزبية أو الدنيوية، كما أن سوء الظن والتجسس والغيبة من الأسباب التي تؤدي إلى التفرقة بينهم. يجب على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه وأن يجتنب الظن السيء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، ونحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام وذلك من عظيم فضل الله عز وجل وإنعامه علينا ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمده جل وعلا الذي وفقنا لزيارة إخواننا في هذه البلدة الطيبة المباركة وأن نجتمع في بيت من بيوت الله نتذاكر قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كذلك من عظيم إنعام الله عز وجل وفضله ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، لقد سمعتم موضوع هذه الكلمة وما اختاره إخواننا خصوصا وقد دعت الحاجة إلى ذلك، إن الخوة في الله عباد الله هي من أعظم عرى هذا الدين العظيم وهو أصل عظيم من أصول ديننا حتى أن الله جل وعلا امتنى على عباده به امتنانا خاصا يذكرهم بعظيم فضل الله عز وجل به لأنه من عظيم ما ينعم الله عز وجل به على عباده. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. تأمل يا عبد الله، يا أيها المسلم، إلى هذه الكلمات العظيمة في هاتين الآيتين العظيمتين من كتاب الله عز وجل، إذ أن الله عز وجل يذكر عباده بعظيم نعمته سبحانه وتعالى عليهم بما أنعم عليهم من نعمة هذا الدين العظيم وما تبع ذلك من أخوة هذا الدين العظيم. فإن الله عز وجل امتن على الناس بدين الإسلام الذي أخرجهم به من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى ومن طرق الإعوجاج والانحراف إلى طرق الاستقامة وطرق الحق. وكان مع هذا ما كان من عظيم نعمة الله عز وجل إذ جمع الله عز وجل أهل هذا الدين بهذه الرابطة العظيمة رابطة الإيمان والإسلام، فإن الله جل وعلا بين لأهل هذا الدين العظيم أن رابطة هذا الدين أعظم من جميع الروابط ولو كانت تلك رابطة نسب. بل لو كان هذا النسب من أقرب الناس إليك وأحبهم لك، كما أخبر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم أنه خلق الناس شعوبا وقبائل شتى ليتعارف الناس ولكن الكرامة هي لمن إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود كلكم من آدم وآدم من تراب»، الله عز وجل وضع عنا عبية الجاهلية فخرها وتعاليها وغير ذلك وأبدلنا عن ذلك برابطة الإيمان والإسلام. رابطة الإيمان والإسلام التي متى ما وجدت أحب المؤمن أخاه والمسلم أخاه أعظم من حبه لأعظم قرابة له، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾. لماذا يا عبد الله؟ لأن رابطة هذا الدين أعظم من رابطة النسب، فلو كان أبوك أو ولدك أو أخوك كافرا من الله عز وجل ما كان لك أن تقدمه على المؤمن، بل تعطيه حقه من حق الأبوة وأما المحبة الدينية فهي مقدمة لأخيك في ذات الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾. وهكذا كذلك يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، نهانا أن نتخذ أعداء هذا الدين أولياء، وفي المقابل أمر أهل الإيمان أن يتولى بعضهم بعضا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فولاية الإيمان أعظم من كل ولاية وأخوة الإسلام أعظم من كل أخوة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل أهل هذا الدين الواحد كمثل الجسد الواحد، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». مثل النبي صلى الله عليه وسلم أهل هذا الدين العظيم بمثل الجسد الواحد، فإذا اشتكى منه عضو أي فرد من أفراده تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وهكذا كذلك أهل هذا الدين أخوتهم كالجسد الواحد فإذا أصاب واحدا منهم شيئا فالكل يقف معه والكل يقوم له. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فلا يتم إيمانك يا عبد الله لا يتم إيمانك حتى تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، فأنت تجعله مثل نفسك هذه أخوة الإيمان. وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام بين المهاجرين والأنصار مؤاخاة ضرب في التاريخ أعظم وأروع الأمثلة لم يوجد ولن يوجد في تاريخ البشرية مثل تلك الأخوة التي كانت في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين. وذلك لما كان من صدقهم وفضلهم وعظيم استجابتهم وبذلهم لله سبحانه وتعالى وفي ذات الله، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار حتى كان الأنصار يبذل كل ما معه في أخوته مع هذا المهاجري طاعة لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم وحبا لله وفي ذات الله سبحانه وتعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من أسباب وجود وطعم حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرأة لا يحبها إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». انظر إلى هذه الثلاث يتبين لك عظم منزلة الأخوة في ذات الله عز وجل في هذا الدين العظيم، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام ذكر في هذا الحديث العظيم ثلاثة أصول يقوم بها إيمان المرء. أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإذا كان الله ورسوله أحب إليك مما سواهما فعند ذلك تقدم طاعتهما على طاعة غيرهما، فعند ذلك تكون استقامتك تابع لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبهذا تكون مؤمنا حقا تكون مؤمنا صادقا. فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فإنك إذا قدمت ما لله وما لرسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك يكمل إيمانك ويصدق ويتم إسلامك ويصح، وإلا فكم من الناس من يدعي الإيمان والإسلام ولكنه كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. هذا النوع من الناس إلهه الحقيقي هو هواه وليس الله جل وعلا لأن ما يهواه يفعله وما لا يهواه يتركه، فصارت طاعة لله عز وجل تابعة للهوى لأن المحك والامتحان في المواضع التي يتبين بها صدقه من كذبه لا يثبت على الوجه الذي يريده الله عز وجل له. وإذا علمت أن الأخوة في الله وفي ذات الله من أعظم ما أمرك الله عز وجل به ومن أعظم ما يجب أن تحافظ عليه فعند ذلك تؤثر ذلك على ما سوى ذلك من العلاقات والقرابات والصلات. إذا كان الله عز وجل نهاك أن تتولى قرابتك ولو كان أقرب قريب على حساب ما لله جل وعلا وما في ذات الله سبحانه وتعالى، فكيف بمن يفعل ما يضاد ذلك تمام المضادة؟ إنه منافي للإيمان الذي أمر الله عز وجل به وأمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إنك يا عبد الله لا تجد حلاوة الإيمان حتى تحب المرء لا تحبه إلا لله سبحانه وتعالى، وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه بين في سنته عليه الصلاة والسلام أهمية الأخوة في ذات الله ولله سبحانه وتعالى بعدد من الصفات التي متى ما وجدت وجد بها معنى الإيمان. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجافي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «حق المسلم على المسلم ست»، وفي رواية «خمس»، فذكر منها إذا لقيته أن تسلم عليه، وذكر منها أنك كذلك إذا مرض عدته، وذكر منها كذلك إذا دعاك أن تجيبه، وذكر منها كذلك إذا مات اتبعت جنازته. وهذه الحقوق في قول عامة أهل العلم هي إشارة إلى غيرها من الحقوق، ولهذا جاء في بعض الأحاديث أنها خمس وفي بعضها أنها ست وفي بعضها ذكر ما هو الزائد عن هذه الخمس والست. وكل هذا يدلك أن واجب أهل الإيمان والإسلام نصرة بعضهم لبعض وقيام بعضهم بحقوق بعض وحصول التعاون على ما يقوم به الدين والدنيا، فإن ذلك من مقتضى الإيمان والإسلام الذي أمر الله عز وجل به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يقتضي القيام بكل معاني الولاية، فإنه يجب عليك أن تقوم بما يجب عليك أن تقوم به لأخيك من النسب. حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر لأصحابه مرة كما في صحيح مسلم الحديث بسعيد حين أمرهم أن يعين بعضهم بعضا بما معه من مال وما معه من طعام حتى قال أبو سعيد: «ظننا أنه لا فضل لأحدنا على أحد»، أي فيما معه من مال إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن من معه فضل مال فليعطه على من لا مال له. ومن كان معه فضل طعام فليعطه على من لا طعام له، ومن كان معه فضل مركوب فليعره من ليس عنده ذلك، حتى قال الراوي: «ظننا أنه لا فضل لأحدنا يعني فيما يملك فيما يجب أن يكون لإخوانه». انظر إلى هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وغيره كثير، وانظر إلى ما يصنعه بعض الناس اليوم تجاه إخوانهم في هذا الدين العظيم، أنت أمرت يا عبد الله أن تحقق معنى الأخوة الإيمانية ليس فقط بحب القلب. فإن أكثر الناس يجهل حقيقة أخوة أهل الإيمان وأخوة أهل الإسلام فيظن أنها منحصرة بأخوة تكون كامنة في القلب وربما يوجد آثارها ببعض الكلمات باللسان وليس الأمر كذلك يا عبد الله. بل إن أخوة الإيمان تقتضي ألا يتم إيمانك ألا يتم إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، تأمل هذه الكلمة العظيمة لا يتم لك إيمان حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، ليس فقط ما يجب أن تجعله بنفسك بل ما تحب لنفسك. فربما تحب لنفسك ما هو من كمال الأمور ومع ذلك من كمال إيمانك وتمامه أن تحب لأخيك مثل هذا الكمال الذي هو لك، تمام الإيمان وكماله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فكيف بما يجب لنفسك؟ فإنه يجب أن يكون لأخيك أن تسعى به لأخيك في الله وفي ذات الله. فإذا حقق أهل الإيمان والإسلام معاني هذه الأخوة سقطت عند ذلك كل المعاني الجاهلية التي كانت عثرات تمنع من هذه الأخوة، واعلموا عباد الله أن الله عز وجل قد بين لنا في ديننا هذا الدين العظيم أن أهل الإيمان والإسلام قد عزهم الله عز وجل بهذا الدين مما هو أعز عليهم مما سواه من سائر الروابط والأواصر فيما بينهم. فالله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فأنت يا من رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ونبيا اعلم أن من تحقيق هذا الرضا وهذا الاستسلام أنك لا تقدم عليه معنى من المعاني التي تنافيه. فلا تقدم عليه غرض من الأغراض الدنيوية لأجل شيء من الدنيا الفانية، إما بهذه السياسات التي يسعى بها أعداء هذا الدين لتفريق أهل الإيمان والإسلام، وليس كذلك زرع الشحناء والبغضاء وما يكون به ضعف أهل الإيمان والإسلام وتفرقهم على تلك القواعد الكفرية التي يضعونها في المجتمعات. فالرق تسد وإنهم سعوا بتفريق أهل الإسلام بطرق شتى، ومن هذه الطرق هذه النعرات الجاهلية الجديدة التي أوجدوها في المجتمعات بهذه الدعوات الحزبية التي فرقت أهل الإسلام وضيعت الأخوة الإيمانية. كان الرجل يرى أخاه فيحبه لله في ذات الله ليس بينه وبينه شيء يستدعي هذه العداوة والبغضاء، بل هو يعلم أنه في هذه الدنيا في أيام معدودات يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى بما يسر الله له من علم نافع وأعمال صالحة. ويرى أخاه في الله وفي ذات الله عونا له على ذلك ليس بينه وبينه بغضاء، وإن كان هناك شيء فإنه يزول لله سبحانه وتعالى وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى. وأما إذا كان المرء في غفلة وفي بعد عن دين الله عز وجل أو في رغبة في شيء من الدنيا فعند ذلك يتناسى مثل هذه الحقوق ويتناسى مثل هذه الأصول كحال بعض الناس اليوم وللأسف لما صارت الدنيا هي المطلب والمقصد تناسى مثل هذه الحقوق العظيمة. وربما استعان بما معه من الدنيا على تكتيل الناس وتجميعهم وإثارة النعرات الجاهلية، هذا من قبيلة كذا وهذا من قبيلة كذا إذن هؤلاء يوالون ويعادون لأجل هذا الشيخ وهؤلاء يوالون ويعادون من أجل هذا الشيخ. وهذا ليس يرضي الله سبحانه وتعالى وهو من دين الله جل وعلا ولا ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللأسف الكثير منا يعلم معنى ذلك ويعلم أن هذا مما لا تقره الشريعة ومما ينافي تمام ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. إن نبينا عليه الصلاة والسلام ذكر له بعض قرابته وأنهم من أوليائه فقال عليه الصلاة والسلام: «إن آل فلان أو أبي فلان ليس لي بأولياء إنما ولي الله ورسوله وصالح المؤمنين». انظر ذكر له بعض أهل قرابته وأنهم له بأولياء فتبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أشرف قبائل العرب وهكذا أهله وقرابته من أشرف قبائل العرب ومع ذلك تبرأ عليه الصلاة والسلام: «إنما ولي الله ورسوله وصالح المؤمنين». من يعتز بهذا الدين العظيم يصرخ بها وهو في غاية الفخر أنه ولي لله ولرسوله ولصالح المؤمنين، ليست ولايته لحزبية ضيقة ولا كذلك لدعايات موسمية مؤقتة ولا كذلك على حساب حفنة من الدنيا الفانية يكون ولاء وعداء لقبلية جاهلية تكون على حساب هذه الأصول العظيمة التي في ديننا. إن نبينا عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار حتى آخى بين العربي والأعجم ليس فقط بين القبيلة والقبيلة ولا من البلد إلى البلد ولكن آخى حتى بين العرب والعجم، آخى بين سلمان الفارسي رضي الله عنه وبين أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما. آخى بينهما وهذا عربي وهذا أعجمي لكنها أخوة الإيمان والإسلام حتى كان الأخ يحب أخاه أعظم مما يحب نفسه أعظم مما يحب نفسه لله سبحانه وتعالى يريد ما عند الله جل وعلا يريد التواب من الله سبحانه وتعالى عنده صدق عنده إخلاص عنده بذل. صار هذا أثره في أقوالهم وفي أفعالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين لأنهم علموا أن ذلك لله وفي ذات الله سبحانه وتعالى ليس لأجل شيء من الدنيا ولكن شيء يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى شيء يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك حتى لو افترقت أجسادهم فإن تلك الأخوة لها أصل ولها ثقل عظيم في قلوبهم وفي ألسنتهم وفي كذلك ما يكون من أفعالهم، ذكر أن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي رحمهم الله تعالى كانت بينهما أخوة عظيمة ومحبة كثيرة. فأفترقا لطلب العلم هذا في بلد وهذا في بلد حتى أنه لم يزر أحد منهم الآخر فترة من الزمن فظن بعض الطلاب أنه حصل بينهما شيء فذكر ذلك لعبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى فقال رحمه الله تعالى: «إنه إذا وقع الصدق في الأخوة لم يقربها لم تقربها الصلات ولا تقارب الأجساد بل هي ثابتة لا تزيد بصلة كما لا تنقص ببعد». فكيف بك يا عبد الله إذا كنت تريد أن تقطع هذه الأخوة لأجل دنيا ثانية؟ أين تذهب من الله سبحانه وتعالى حين تقف بين يديه وأنت أمرت أن تحب إخوانك لله وفي ذات الله وأن لا يتم إيمانك حتى تحب لهم ما تحب لنفسك. كان بعض السلف رحمهم الله تعالى من شدة حبه لإخوانه إذا افتقد أحد إخوانه كان يحزن له حزنا شديدا حتى قال بعضهم: «لم نعلم أيهم أشد قرابة به أي هذا الأخ الذي آخاه في ذات الله أم قرابته من النسب». وهكذا إذا تمت الأخوة وصدقت فإنه يوجد بها ما لا يوجد بعلاقات أصحاب النسب، إذا مات الميت ربما بعض قرابته يستعجلون تقاسم الإرث وينظرون إلى ما خلف من دنيا، وأما من أحب المرء لا يحبه إلا لله سبحانه وتعالى فإنه أول ما يفعل هو الدعاء الدعاء له بظهر الغيب. لعلمه لهول ما سيقدم عليه هذا الأخ الذي كان أخا من إخوانه، فلذلك هو أصدق الناس له بالدعاء، يذكر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه كان يدعو في السحر لأكثر من سبعين رجلا يعني من إخوانه ممن أحبهم في الله ولله سبحانه وتعالى. وذكر عن بعضهم أنه كانت له أخوة عظيمة مع إخوانه حتى أنه كان يسجل أسماءهم ويعيد استحضارها ليدعو لهم بظهر الغيب حتى لا ينسى من إخوانه، وإن كان يدعو لهم بالعموم لكن يعيد استحضار أشخاصهم باستحضار أسمائهم من شدة صدقه في أخوته لإخوانه. فلنكن مثل هؤلاء عباد الله لنكن أمثال هؤلاء الذين صدقوا في تطبيقهم وعملهم بدين الله عز وجل حتى كانت أخوتهم لإخوانهم ليست باللسان بل كذلك بما كان من أفعالهم وما كان من بذلهم وعطائهم. والنبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار حتى أن بعض الأنصار يقول لأخيه المهاجر: «هذا بيتي أقسمه وهذا مالي أقسمه»، بل ويقول: «إن أحببت طلقت أحد زوجتي وتزوجتها»، وهذا إنما هو صدر من تمام صدق وأخوة في الله وفي ذات الله. وفي المقابل إذا تمت الأخوة في الطرف الآخر لم يرضى بذلك كما وقع لسعد رضي الله عنه أرضاه، فلما قيل له ذلك قال: «بارك الله لك في مالك وأهلك ولكن دلني على السوق»، ولكن دلني على السوق هكذا تكون الأخوة. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هو لم يرضى بهذا لأنه لا يرضى ذلك لنفسه فهو لم يرضاه لأخيه، قال: «ولكن دلني على السوق»، فدله على السوق فاتجر فبارك الله له. فما مر في الأيام القليلة حتى تزوج وأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطخ بصفرة فقال: «مهيم تزوجت؟ قال: نعم»، الحديث، فانظر إلى أخوة أهل الإيمان والإسلام، فينبغي علينا أن نفعل بعض ما أمرنا به في هذا الباب. وهنا نذكر بعض الأمور التي هي من أعظم الأسباب لضياع هذه الأخوة التي أمر الله عز وجل بها في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، من أول هذه الأمور المانعة والعوارض التي تعترض هذه الأخوة التفرق. التفرق بأي معنى من المعاني المنافية لهذه الأخوة سواء كان ذلك لشيء من المعاني القبلية أو كان ذلك كذلك لأغراض حزبية وسياسية أو كان ذلك كذلك لأجل معنى من المعاني الدنيوية. لا يجوز للمسلم أن يتفرق عن إخوانه المسلمين بل ينبغي أن يعلم أن نعمة الإيمان وأخوة الإسلام من أعظم ما يجب أن يحرص عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. ليكن ميزان الاعتصام هو دين الله سبحانه وتعالى، أقربهم من دين الله عز وجل هو أحبهم إليك وهو أقربهم منك، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. يعني لا يجوز للمسلم أن يضيع أخوة الإيمان والإسلام على حساب تلك المعاني الجاهلية وتلك المقاصد الدنيوية التي تنافي من يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من هذه المعاني التي تنافي هذه الأخوة ويجب على أهل الإسلام أن يجتنبوها ويحذروها سوء الظن، أن يحسن الظن المسلم بأخيه المسلم، أترك سوء الظن أترك ما يزرعه شياطين الجن والإنس في قلبك وعلى سمعك مما يريدون به إفساد وتمزيق هذه الأخوة. فالله جل وعلا يأمرنا في كتابه الكريم أن نجتنب كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وهذه أمور متتابعة سلسلة وخطوات يخطو بها شياطين الجن والإنس على هذا الإنسان إذا لم يستجب لأمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سيقع في معاقبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة. إن الظن السيء سبب لحصول الشرور بين أهل الإسلام وحصول التفرقة بين أهل الإيمان، فينبغي للمسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، لا يجوز له أن يفتح أذنه وقلبه لشياطين الجن والإنس لأي غرض من الأغراض يريدون أن يفرقوا بينه وبين إخوانه. فليقل أبدا: «هذا أخي في الله وفي ذات الله نحن أهل إيمان نحن أهل إسلام فضلا أننا أهل بلدة واحدة لا يجوز أن نتفرق لا يجوز لنا أن نسمع لأعداء هذا الدين فيفرق جمعنا ويفرق أخوتنا ويفرق كلمتنا». بل الواجب علينا أننا نبذل ونصل حتى تبقى هذه الأخوة على ما هي عليه، فإذا سعى بعض المغرضين المفسدين إلى إيجاد موانع وأسباب للتفرق كن أنت أول من يسعى في إزالة هذه الحواجز والموانع. ولو جاءك ما جاءك من القيل والقال ومن سوء الظن ما قد يدخل في قلبك الوحشة ويدخل في قلبك الحزن أو يدخل في قلبك الغيض فكل ذلك تدفعه في ذات الله سبحانه وتعالى. لأن الشيطان يطمع أن يفرق بين أهل الإيمان والإسلام، وتعلمون كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن إبليس قد وضع عرشه على الماء فأرسل جنده لإفساد بني آدم فجاءه رجل قال: «ما زلت بفلان حتى فعل كذا»، فقال: «لم تصنع شيئا»، حتى ذكر له أن أحدهم فرق بين رجل وامرأته فقال: «أنت أنت». فكذلك التفريق بين أهل الإيمان والإسلام مما يفرح به شياطين الجن والإنس، ولهذا فأعداء هذا الدين من أعظم ما يفرحون به هو التفريق بين أهل الإيمان والإسلام. فلا ينبغي أن تكون عونا لهم فيما يطمعون ويحبون بل كن على العكس إذا قيل لك شيء أو بلغك شيء فحاول أنك تقطع على شياطين الجن والإنس كل وسائل التفرقة بماذا؟ بأن تسعى إلى إيجاد معاني الأخوة. كن سببا في خير في المجتمع لإعادة الأخوة بين أهل الإيمان والإسلام، إسعى إلى النصح للجميع بأن يتركوا ما يفرق هذا الجمع وما يوجد الشحناء والبغضاء لماذا؟ لأجل شيء من الدنيا. فإن هذا يوجب التفرقة ويوجب الهجر ويوجب مقاطعة يكون أثرها ما يكون في الدنيا فضلا عن الآخرة من عذاب الله جل وعلا وغضبه ونقمته، ربما يمنع الناس القطر من السماء والقحط في الأرض وغير ذلك من عذاب الله وغضبه بسبب عدم استجابتهم لأمره وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم محافظتهم لأخوتهم في ذات الله. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا للعمل بديننا وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعلنا كذلك ممن يأخذ بالعلم النافع والعمل الصالح وأن يحافظ كذلك على أخوته إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الوقت هو للأسئلة، كما نسق ذلك ولأجل منفعة الحاضرين. يقول السائل: هل يجوز بيع الذهب بالدين؟ نرجو التفصيل لعدم معرفة حكم هذا التعامل وانتشاره عندنا. لا يجوز بيع الذهب بالدين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء»، فلا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا هاء وهاء ومثلا بمثل. وقال عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم»، إذا كان يدا بيد، إذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب أو ذهبا بعملة ورقية فإنه يحصل التفاضل لأن ثمانية الذهب ليست كثمانية الفضة وثمانية العملة الورقية ليست كثمانية الذهب فهي تتفاضل لا تتساوى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم»، يعني بحسب قيمتها في السوق ولكن بشرط أن يكون يدا بيد، فالنقدين على وجه الخصوص الذهب والفضة لا يجوز شراؤها بالدين. فإذا اشتريت ذهبا لابد أن تشتريه بكامل قيمته لا يجوز أن تشتريه ولا تدفع قيمته إلا آجلا أو بالتقسيط أو تدفع بعضه وتؤجل البعض الآخر كل هذا لا يجوز. فإن قال قائل: أنا ما أستطيع أن أشتري الذهب ما عندي مال الآن وعندي عرس أحتاج للذهب، فيقال: أنت بين أمرين إما أن تشتري بقدر المال الذي معك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا تكلف على نفسك ولا تضر بدينك وهذا هو الواجب عليك الامتثال لأمر الله ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. وإما أن تستدين مالا من أحد يعرفك ليس في هذا الدين حيلة فتشتري بهذا المال الذهب فتدفع قيمة الذهب كاملا، وأما ما يفعله بعض الناس من أنه يأخذ من صاحب الذهب مالا ثم يشتري به ويبقى دين عنده لصاحب الذهب مال هذا من الحيلة على هذه المعاملة الممنوعة. وكان شيخنا محمد بن صالح تيمين رحمه الله يمنع هذا النوع من البيع مع أن ظاهره ماذا؟ ظاهره أن الرجل دفع قيمة الذهب كاملا وأخذ الذهب وقد دفع قيمته كاملا وحصل التقابض به. لكن لأن المسألة فيها حيلة فهذا الرجل أقرضه مالا لأجل الشراء منه فهذا فيه قرض