فضل العشر من ذي الحجة وأحكام الأضحية

المحاضرة بعنوان فضل العشر من ذي الحجة وأحكام الأضحية، وكانت بمسجد ذهبان بغيل باوزير الجمعة ٢١ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل عشر ذي الحجة والاجتهاد فيها

الخطيب يحث على اغتنام عشر ذي الحجة بالأعمال الصالحة، ويبين فضلها العظيم مقارنة بأيام أخرى مستندًا إلى القرآن والأحاديث النبوية. يُشجع على الاجتهاد في هذه الأيام بالأعمال الصالحة مثل الصيام والصلاة والصدقة والأضحية.

كرم الله على عباده في مواسم الطاعات

يُبين الله تعالى كرمه على عباده بتيسير الطاعات والقربات في مواسم معينة مثل عشر ذي الحجة، ويعوض من لم يتيسر له الحج بأعمال صالحة أخرى. يُشدد على أهمية اغتنام هذه المواسم.

أحكام الأضحية والسنن المتعلقة بها

يتناول أحكام الأضاحي، مثل مواصفات الأضحية الجائزة، وشروطها، وأهم السنن المتعلقة بها مثل الأكل منها وإطعام الأهل والتصدق. يُناقش بعض الممارسات الخاطئة مثل التضحية عن الأموات بأضحية خاصة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إننا نحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا هذه الزيارة لآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه المدينة الطيبة المباركة، وأن نجتمع في هذا المسجد الطيب المبارك في بيتٍ من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا بإذن الله سبحانه وتعالى على العمل الصالح. نجتمع في بيتٍ من بيوت الله نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، خصوصًا في مثل هذا الزمان الذي حث شرعنا على مذاكرة العلم فيه، وعلى الاستعانة بالأعمال الصالحة فيه، فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل». فأرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم بما يُعصم من الفتن في وقت الفتن، ومن العواصم والعواصم كثيرة، أن يعتصم المسلم بالأعمال الصالحة كما جاء في هذا الحديث، حدثه عليه الصلاة والسلام بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة. فبينما يهرج الناس فيما يهرجون وينشغل الناس فيما ينشغلون، فننشغل معاشر المسلمين بالعلم النافع وما يُعين عليه من العمل الصالح، مما يُعصِم الله عز وجل به المسلم ويحفظه ويُثبِّته ويُسدِّده ويهديه إلى ما فيه الخير له في دنياه وفي آخرته. وهذه نعمةٌ عظيمة أن يُوفِّق الله عز وجل أهل هذا الدين، أهل المساجد الذين بُشِّروا بالبشارات العظيمة والكثيرة، وبالصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في السبع الذين يُظِلُّهم الله بظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، ذكر من هؤلاء السبعة رجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجد. فنعمةٌ عظيمة معاشر المسلمين أن نجتمع ببيتٍ من بيوت الله لغير أحسابٍ ولا أنساب ولا أعراضٍ ولا أغراضٍ، لا لشيءٍ من الدنيا قليلٍ ولا كثير، ولكنه لله بإذن الله تعالى وابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى. وبما أمرنا الله تجل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأهل الإيمان هم الذين يغتبطون بمجالس الذكر ويفرحون بها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: «وما رياض الجنة يا رسول الله؟» قال: «حلق الذكر»، قال عليه الصلاة والسلام: «اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويهتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده»، أربع جوائز عظيمة معاشر المسلمين جعلها الله سبحانه وتعالى لمن يوفَّق لمجالس الذكر والعلم. وناسب بهذه الأيام أن نتذاكر شيئًا من العلم مما يُعينُنا على استغلال أيامٍ مباركة فاضلة تأتي علينا قريبًا، والله سبحانه وتعالى من عظيم رحمته وواسع كرمه ومنَّته أن جعل لعباده مواسم من مواسم الخيرات وأزمنةً من أزمنة الاجتهاد في الطاعات والقربات. هذا الموسم موسمُ عشر ذي الحجَّة، هذه العشر الذي اختارها الله عز وجل من بين الأشهر الحرم، هذه الأشهر المُعظَّمة المُحرَّمة عند الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، فربُّنا جل وعلا يخلُق ما يشاء ويختار ما يشاء. ومن ذلك أن اختار من أشهر العام أربعة أشهر هي من الأشهر الحرم المُحرَّمة المُعظَّمة عنده سبحانه وتعالى، وخصَّ من هذه الأشهر الحرم عشر أيامٍ هنَّ من أعظم أيام الدنيا شرفًا وفضلًا، ومن عظيم فضلها أن جعل الله عز وجل الأعمال الصالحة فيها مُضاعفةً مُكاثرة. حثَّ العباد على الاجتهاد فيها باستغلالها وإعمارها، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، جاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: «هنَّ عشرُ ذي الحجَّة»، هنَّ عشرُ ذي الحجَّة. فإن العشر المذكورة في هذه السورة جاء تفسيرُها أنها عشر العشر الأخيرة من رمضان عن بعض الصحابة والتابعين، وجاء كذلك أنها عشر ذي الحجَّة، وكلُّه صحيح، قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى: «خيرُ ليالي الدنيا ليالي العشر الأخيرة من رمضان، وخيرُ أيام الدنيا أي في النهار أيامُ عشر ذي الحجَّة». وبهذا يُعلم أن كل من فسَّر هذه العشر بالعشر المذكورات كان تفسيرُه صحيح، إذ أن عشر ذي الحجَّة أفضل أيام الدنيا بنص القرآن والحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي البخاري وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل أو قال الأعمال الصالحة فيهن خيرٌ من هذه العشر»، قالوا: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟» قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». فدلَّ هذا الحديث معاشر المسلمين على عظيم فضل عشر ذي الحجَّة، وما يُضاعِف الله عز وجل فيه الأعمال الصالحة من الحسنات المضاعفات الكثيرة، حتى أن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء. والمراد بالجهاد في سبيل الله أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السُّفلى، فإذا علمنا ذلك علمنا معاشر المسلمين عظيم فضل عشر ذي الحجَّة، وهي العشر التي تكون في أول شهر ذي الحجَّة. وذلك عباد الله لأنها أفضل أيام الأشهر الحرم، ففيها يحج الحجاج إلى بيت الله الحرام، ففيه من الأعمال الصالحة وأنواع القربات وأصناف الطاعات ما جعلها أيامًا معظَّمة عند الله سبحانه وتعالى. ومن عظيم فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه وإخلافه على خلقه أن جعل لعباده سبحانه وتعالى أصنافًا من الطاعات والقربات يجتهدون فيها في مواسم، فتكون مضاعفةً تعوِّض لهم ما فات وما استقبل مما فات أو ما يستقبل من أعمالهم. ومن عظيم كرم الله سبحانه وتعالى وفضله أنه كما يسَّر لحجاج بيت الله الحرام ما يسَّر من الأجر العظيم، حجُّ بيت الله الحرام الذي يكفِّر الله عز وجل فيه جميع الذنوب والخطايا، فيرجع الحاج كيوم ولدت أمه، كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدت أمه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة». فكما جعل الله عز وجل وهو الكريم المنَّان هذا الفضل لحجيج بيت الله الحرام، فكذلك سبحانه وتعالى أخلف من لم يوفِّقه الله لحج بيته الحرام بأعمالٍ صالحة أخرى يستخلفهم عليها، فيجتهدوا مع المجتهد، يجتهد المجتهد فيها مع المجتهدين، ويُنافس في أنواع الطاعات والقربات مع الطائعين. فجعل له عشر ذي الحجَّة يجتهد فيها بأنواع القربات والطاعات، فيحصِّل من الأجر ما يكون فيه أجورًا عظيمًا مضاعفة، حتى إنه يكون أفضل من الجهاد في سبيل الله كما سمعنا في حديث عبد الله بن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما. وقد صحَّ في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حثَّ أمَّته على صيام يوم عرفة، يعني لغير الحاج، وأنه يُكفِّر السنة الماضية والسنة الباقية، يُكفِّر السنة الماضية والسنة الباقية، فصيام يومٍ واحد انظروا معاشر المسلمين، صيام يومٍ واحد من أيام عشر ذي الحجَّة وهو يوم عرفة لغير الحاج. لأنه لا يُستحبُّ للحاج أن يصوم يوم عرفة، إذ أنه ينشغلُ بالحج بأعمالٍ صالحة أخرى، وصيامُه يُضعِفُه عن تلك الأعمال، ولهذا لمَّا حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حجَّة الوداع، شَرِبَ لَبَنًا بمرأة من الناس وهو على ناقته، نادى بلبنٍ فشَرِب، فشَرِبَ حين أوتِي بلبن أمام الناس ليعلم الناس أنه مفطر، فلا يصومُ ذلكم اليوم حتى يستعينُوا بالفطر على أعمالٍ صالحة أخرى كثيرة. الشاهد من هذا معاشر المسلمين، انظروا كيف عوَّض الله عز وجل من لم يتيسر له الحج في هذه العشر بيومٍ واحد يصومُ فيه، فيكونُ فيه أجر سنتين اثنتين، يُكفِّر الله له به عن السنة الماضية والسنة الباقية. فإذا كان هذا في يومٍ واحد، فما بالُكَ بغيره من الأيام مما يُشرعُ ويأذن الشرع بصيام مثله، ويتأكَّد ذلك كيوم الاثنين والخميس إن وافق أحد هذه العشر، بل نصَّ بعض أهل العلم أنه لا مانع من أن يصوم بعض العشر. وأما صيام العشر جميعًا فإنه لم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم، بل فيها ما لا يجوزُ صيامه وهو يوم العاشر، فهو يوم النحر يوم العيد الأضحى الذي لا يجوزُ لأحدٍ أن يصومَه بنصِّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عمر وعائشة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. عباد الله، هذه العشر تضمَّنت أصنافًا من الطاعات والقربات، يجتهد فيها المجتهد بأصناف الطاعات والقربات، فيكون سببًا لمضاعفة حسناته في أيامٍ معدودات كما أخبر الله عز وجل عنها. وأنت يا من لم يتيسَّر لك حجَّ بيت الله الحرام، تأمَّل كيف يجتهد المجتهدون من حجَّاج بيت الله الحرام بأنواع الطاعات والقربات، فأنت كذلك اجتهد في هذه العشر بأنواع الطاعات والقربات، إن تيسَّر لك من نافلة صلاةٍ فنافلة صلاةٍ، أو نافلة صيامٍ فنافلة صيامٍ، أو نافلة صدقةٍ فنافلة صدقةٍ، أو كذلك ما يتيسَّر من الأضحية التي شرعها الله عز وجل كذلك. وهي من الأعمال الصالحة في العشر، فمن الأضاحي التي كان يحُثُّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم ما يجتهد فيه المسلم في هذه العشر أن يحافظ على فرائض الله بأن يؤديها على أكمل وجوهها وأحسن أوصافها، على الوجه الذي يحبُّه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. كما صحَّ في الحديث القدسي فيما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا قال: «من عاد لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحرب، وما تقرَّب إلي عبدي بعملٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه»، فإن من أحب وأفضل الأعمال إلى الله يتقرَّب بها العباد أن يتقرَّبوا إليه بفرائضه وواجباته التي فرضها وأوجبها. فلنكن معاشر المسلمين من أحرص الناس على الواجبات والفرائض، خصوصًا في هذه العشر، وبعد ذلك نستكثر ما يتيسر من أصناف الطاعات والقربات المتنوِّعة المتيسرة، بما يكون فيه كذلك الأجور العظيمة. ومن ذلك معاشر المسلمين إطعام الطعام وإفشاء السلام، فإنه من أبواب الطاعات والقربات التي تُستحبُّ مطلقًا، ويتأكَّد استحبابُها ويتأكَّد العمل بها خصوصًا في هذه العشر، فإنه صحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصوصًا ما يتعلَّق بالأضاحي وما كان بمعناه من إطعام الطعام في أيام الأعياد. الشيء الكثير من قوله وفعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن هذه الأعمال الصالحة التي نتذاكر بأحكامها ويُناسب هذا الزمان مذاكرة العلم فيها أحكام الأضاحي، الأضاحي التي هي نوعٌ من أنواع الذبائح والأنساك التي تعبَّدنا الله عز وجل بها. وهو الغني سبحانه وتعالى عن تعبنا ونصبنا وعن بذلنا ومالنا، ولكنه جل وعلا تعبَّدنا بذلك لما فيه الخير لنا في الدنيا وفي الآخرة، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فمن عظيم فضله وتكرُّمه ومنَّته على خلقه سبحانه وتعالى أن شرع لهم هذه الفريضة، هذه النسيكة، وهذه الذبيحة شُكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمته ومنَّته، شرعها لسائر أهل الأرض من أهل الأديان جميعًا. وكان أصلها كما جاء في نص الكتاب ومعناه بالسنَّة الصحيحة قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إسماعيل، كيف أراه الله عز وجل في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء حق، فأخبر إبراهيم ابنه بما رأى، فقال إسماعيل وهو الصابر المحتسب المُطيع لأمر ربِّه سبحانه وتعالى: «يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين». فكان حين أراد أن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، فلما أسلما وتلَّه للجبين، وناديناه أيَّا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا، ففداه عند ذلك سبحانه وتعالى بذبحٍ عظيم. انظروا، ابتل الله عز وجل إبراهيم بذبح ابنه لينظر هل محبَّة الله في قلبه أعظم ومُقدَّمة أم محبَّته لابنه، وخصوصًا وأنه جاءه على كبر، فإن ذلك كما لا يخفى يكون له محلُّه ومكانُه من القلب. فابتلاه الله عز وجل وامتحنه، فنجح في الامتحان والابتلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله الرحمن الرحيم الكريم سبحانه وتعالى الحكيم، فداه بذبحٍ عظيم جل وعلا حين حقَّق ما حقَّق في هذا الامتحان والابتلاء. وهكذا نحن معاشر المسلمين ابتلينا بهذه الطاعة لينظر ربنا جل وعلا من يشكر لله ومن يكفر، ممن يستطيع، فالأضحية هي الذبيحة التي تُذبح بأوصافها وشروطها في أيام عيد الأضحى، وسيأتي إن شاء الله ذكر أحكامها. وهي على القول الصحيح من أقوال أهل العلم وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة أنها سنةٌ مؤكدة، وذهب بعض أهل العلم فيما يروى عن الحنفية، ووافقه شيخ الإسلام في مواضع من كتبه وألمح إلى رجحانه أنه يجب على المستطيع إن كان ممن في أهله مستقرًا. فسواء كان هذا أو هذا فلا ينبغي للمسلم أن يزهد ولا أن يبخل على نفسه وعلى أهله وفي طاعته لربه وخالقه إن تيسر له بهذه الأضحية شكرًا لله سبحانه وتعالى وطلبًا لمرضاته. وقد جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، جاء عن عبد الله بن عباس أنها الصلاة أنها الصلوات ومنها صلاة العيد، وأنها الأنساك ومنها نسيكة الأضحية، وجاء عن عطاء وجماعة من التابعين أنهم فسَّروا: «فصلِّ لربك صلاة العيد وانحر أضحيتك». وهذا من التفسير ببعض المعنى، فإن الله عز وجل تعبَّدنا بأنواع من العبادات، ومن ذلك ذبائح نذبحها طاعةً لله سبحانه وتعالى وشكرًا، ومن ذلك ذبيحة الأضاحي، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حثَّ أمَّته على هذه الأضاحي بفعله وبقوله. فأما من فعله، فلمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقد ثبت بالصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحين سمينين، ضحَّى بهما صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن أهل بيته. ووجه الحديث دلالته على استحباب الأضحية، وصحَّ من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى ببقرة عن نفسه وعن أهل بيته، فإنه كان عليه الصلاة والسلام يحرص على بذل الأضحية متى ما تيسَّر له ذلك. بل صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه ضحَّى بالبدن عليه الصلاة والسلام، وكل هذا حثٌ منه عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة على أن يؤدُّوا هذه العبادة والنسيكة لله سبحانه وتعالى شكرًا وطاعةً وقربة. ومن أحكام الأضحية معاشر المسلمين، من أحكام الأضحية أن الأضحية تُشرَع لكل مسلم في أهل بيته، لكل مسلم في أهل بيته مستطيع، تُشرَع في حقه هذه الأضحية، وقد ذَكَرَ العلماء استدلالًا بما جاء في حديث أبي أيوب رضي الله عنه أرضاه. أنهم كانوا يذبحون عن أهل البيت، أي بأضحية على أنها تكون في حق أهل البيت الواحد ممن يجتمع طعامهم، ولو كانوا أكثر من أسره، فلو كان هناك مجموعة إخوة في بيت واحد طعامهم واحد ومأكلهم واحد، فتُجزئهم في ذلك أضحية واحدة. وإن ضحّوا بأكثر من ذلك، سواء في نفس اليوم أو في أيام بعده من الأيام المأذون فيها، فإنه يُستحب في حقهم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحَّى بكبشين، وهكذا يُستحبُّ التعدد لمن تيسَّر له ذلك. ومن أحكام الأضاحي معاشر المسلمين أن الأضاحي لها شروط ينبغي للمسلم أن يتعلمها وأن يتفقَّه في أحكامها، فمن أهم شروطها أنها لا تكون إلا من بهيمة الأنعام كما جاء نصُّ الكتاب والسُنَّة في ذلك. وبهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم بفرعيها المعز والضأن، هذه بهيمة الأنعام التي يُشرع فيها الأضاحي وسائر ما تعبَّدنا الله عز وجل من أنساكٍ وذبائح طاعةً وشكرًا وقربةً، ومن ذلك هذه الأضاحي. ومن هذه الشروط معاشر المسلمين أن يُراعي من أراد الأضحية السن المُعتبرة التي جاءت بها السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد صحَّ من حديث جابر بن عبد الله وجاء معناه عن عددٍ من الصحابة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تذبحوا وفي روايةٍ لا تُضحُّوا إلا بمُسِنَّة، إلا أن لا تجدوا فيُجزئ الجذع من الضأن»، ما يُجزئ من المعز، فدل هذا الحديث كما بيَّنه العلماء على أنه لا يُجزئ من بهيمة الأنعام إلا المُسِنَّة. والمُسِنَّة هي ما يُسميه الفقهاء الثني وهو معروف، إلا أن لا تجدوا فيُجزئ الجذع من الضأن، وهو معروفٌ في عُرف الناس، والثني والمُسن من الإبل ما بلغ خمس سنوات ودخل في السادسة، أو كاد يدخل في السادسة. والثني والمُسن من البقر ما بلغ السنتين ودخل في الثالثة، أو كاد يدخل في الثالثة، والثني والمُسن من المعز ما بلغ السنة ودخل في الثانية، أو كاد يدخل في الثانية، وأما الضأن فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يُجزئ فيها الجذع. والجذع كما قال العلماء ما بلغ ستة أشهر ودخل في الشهر السابع، وعلامة الثني ظهور ثني أسنانه ويعرفها أهل الخبرة، وعلامة الجذع من الضأن تغير فروة جلده وصوفه، فإنه كما قال الفقهاء والعلماء ينام بعد أن يكون مُستوفزًا، ودخل في الشهر السابع. وهكذا كذلك من هذه الشروط معاشر المسلمين أن يكون ذبحُها في وقتها الشرعي، ووقتها الشرعي التي تُذبح فيها أن تُذبحَ بعد الصلاة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحيح البخاري ومسلم من حديث البراء وغيره. أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من ذبح قبل الصلاة فشاتُه شاة لحمٍ، ومن ذبح بعد الصلاة فهي أضحية»، فدلَّ هذا الحديث وبمعنى أحاديثَ كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن وقت ابتداء الذبح للأضاحي يكون من بعد صلاة العيد. وهو مفهومٌ من قول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وهكذا بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، فقد ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان ينزل من صلاته، كان يخطب صلاة العيد يصلي العيد ويخطب. فإذا نزل من صلاته وخرج منها، أول ما يبدأ يبدأ بنسيكته وأضحيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وآخر وقت هذه الأضحية كما جاء في حديث عائشة وغيرها في الصحيح إلى آخر أيام التشريق، فهي أربعة أيام، اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. فهذه أربعة أيام هي أيام الذبح، ومن شروط هذه الأضاحي أن تكون مملوكةً لأصحابها ملكًا شرعيًا صحيحًا يصحُّ بذلك التضحية بها، ومن الشروط أن تُذكَّى التذكية الشرعية كما علَّم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا على ذلك كانت أضحيةً صحيحة متقبَّلة، ومن هذه الشروط أن لا يكون فيها عيبًا من العيوب الأربعة، وما كان بمعناها مما لا يصحُّ معها أن تكون أضحية، فقد جاء في السنن من حديث البراء رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أربعًا من الأضاحي لا تُجزئ ولا تجوز. «العرجاء البين عرَجُها والعوراء البين عورُها والمريضة البين مرضُها والضعيفة التي لا تُمرئ»، أي التي لا مُخَّ لها، قال العلماء: «هذه الأربع وما كان بمعناها أو أولى منها بمعناها أو أولى منها فهي كذلك لا تجوز». فإذا كانت العرجاء لا تجوز فالكسحاء والمشلولة من باب أولى أنها لا تجوز، وإذا كانت العوراء البين عورُها لا تجوز فالعمياء من باب أولى أنها لا تجوز، وإذا كانت المريضة البين مرضُها لا تجوز فالجرباء من باب أولى أنها لا تجوز. وهكذا كذلك في باقي الصفات، فإن الشرع لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع، وهناك شروط أخرى هي شروط كمال، اختلال الأوصاف فيها يعد من المكروه لا من المحرم الذي لا يجزئ، كقطع الأذن أو انكسار القرن أو الظلف أو حتى العور الذي ليس ببين. لقوله: «العوراء البين عورُها»، قال العلماء: «فما كان ليس بينًا من تلك الصفات الأربع وما كان بمعناها فهو لا يضر، وإن مما ينبه عليه أنه لا يجوز أن يبيع من الأضحية شيئًا، ولا أن يعطي الجزارة من لحمها أو جلدها أو غير ذلك أجرة جزارته شيئًا». لما صح من حديث علي رضي الله عنه نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، ولا مانع بعد أن يعطي الجزارة أجرته أن يعطيه من لحمها هدية أو صدقة بغير مشارطة إن رآه مُستحقًا. فكونه جزار وهو مُستحق لا يمنعه ذلك من أن يتصدق عليه أو يهدى له، ولكن الممنوع أن يعطى أجرة من هذا اللحم أو غيره مما هو من هذه الأضحية ولو كان جلدًا على الصحيح، فلا يشارط على ذلك، ولكن يعطى أجرته كاملة. ثم بعد ذلك إن رآه مُستحقًا لا مانع أن يعطيه من ذلك على وجه الهدية أو على وجه الصدقة، ويستحب في الأضاحي أن يأكل منها، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم في ذبيحة النسك أن يأكل من نسكه ولو كان كثيرًا. فقد ثبت في الصحيح من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر يوم النحر يعني يوم العاشر مئة من الإبل عن نفسه وعن أمته، ثم أمر عليًا أن يأخذ من كل ناقة قطعة وأن يطبخها وأن يشرب من مرقها ويأكل من لحمها مع أهل بيته. فانظروا مع أن فيه مشقة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته وأرشدهم إلى سنية هذا العمل واستحبابه، فلا تتقاعص أخي المسلم عن هذه السنة، فاحرص على أن تأكل من أضحيتك وعلى أن تطعم أهل بيتك منها وأن تتصدق وأن تهدي كما صح معناه في نصوص الكتاب والسنة. ومن هذه الأحكام التي بيّنها وذكرها ونبّه عليها العلماء أن هذه الأضاحي كما علمنا إنما هي تُضحَّى عن الأحياء، وأما ما اشتهر عند الكثير من الناس من التضحية عن الأموات بأضحية خاصة فلم يكن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا من هدي صحابته رضي الله عنهم. ولا نُقِل ولا عُرِف عن أحدٍ من أئمة الدين وهكذا العلماء المعروفين، وإنما هو شيءٌ أحدثه بعض المتأخرين، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه، وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى يقول: «ما يفعله الناس من التضحية عن الأموات لا أعرف له أصلًا من السنة». ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه مع شدة حرصهم على الخير لأنفسهم ولأهاليهم، وأما أن يدخل في عموم أضحية الأحياء فلا مانع من ذلك، لما صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يضحي عن نفسه وعن أهل بيته، ويدخل في أهل بيته الأحياء والأموات. فإن كان كذلك فنعم، لا مانع أن تُشرك في أضحيتك أهل بيتك، فيدخل فيهم الأحياء والأموات، وأما أن تخص أضحية خاصة لكل ميت فهذا على الصحيح لم يثبت ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة. وهكذا كذلك من المسائل ما نبَّه عليه بعض العلماء مما يفعله بعض الناس من قراءة بعض الأوراد والأذكار أو تخصيص بعض السور قبل ذبح الأضحية، فإن ذلك كذلك لم يُعرف أن له أصل لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من أهل الخير والفضل. ومن ذلك كذلك ما يفعله بعض الناس من تلطيخ البيت أو رؤوس الصبيان من دم هذه الأضاحي أو كذلك عتبة الباب أو بعض الجدر، فهذا ليس من سنة أهل الإسلام بل هو مما عُهِد وعُلِم عن أهل الجاهلية، وقد نهى عن مثله الإسلام. ووجه النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه في أحاديث كثيرة، ومن ذلك كذلك ما يفعله بعض الناس من غسل الأضحية وتطهيرها، فإن ذلك كذلك مما أحدثه بعض المتأخرين ليس له أصل صحيح لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأمة. وأما أن يُحرص على أن تكون كاملة الصفات وأن تكون سمينة وفيرة فهذا أمر حسن، فقد ثبت بالصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يخصون الأضحية ويشترونها قبل وقتها، فيعتنون بها ويُسمنونها. حتى إذا جاء وقتها ضحّوا بأحسن وأكمل ما يجدون، وقد تقدَّم معنى في حديث أنس رضي الله عنه أرضاه أنه ضحَّى بكبشين أملحين سمينين، فكذلك ينبغي أن يحرص المسلم على هذه الوصية. والآن إلى ما يتيسر من هذه الأسئلة، وهذا سائل يسأل يقول: «هل يجزئ الماعز عن أهل بيت فيه أكثر من عائلة وهم يأكلون في صحن واحد؟» تقدم معنا أن العلماء استدلوا بحديث أبي أيوب أن أهل البيت الواحد ولو كانوا أكثر من أسرة ما داموا يجتمعون على طعام واحد تجزئهم أضحية واحدة. وإن حب الزيادة فلهم ذلك، ويستحب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سؤال عن الاستفتاح في كل صلاة حتى النافلة، الصحيح أن دعاء الاستفتاح عام في كل صلاة، في كل صلاة. أقول: أنا وأبي في بيت واحد وأنا القائم على البيت وأردنا أن نضحي فهل يمسك أبي عن شعره وظهره أم أنا فقط؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقد ثبت بصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أراد أن يضحي أن يمسك عن شعره وبشره. وجاء عند الترمذي وغيره أن يمسك عن شعره وأظفاره، وهذا الحديث كما رأينا يحس