من أحكام الصيام

الدرس في من أحكام الصيام، وكانت بمسجد النور ببويش السبت 26 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فضل شهر رمضان

يُشير الخطيب إلى أهمية شهر رمضان وفضائله، ويحث على المسارعة إلى الخيرات والأعمال الصالحات فيه. يُقدم أدلة من القرآن والسنة على فضل رمضان وأهمية استغلاله في الطاعات.

أحكام الصيام وفضله

يتناول المقطع أهمية فريضة الصيام وأحكامها، مبينا أن الصيام واجب على كل مسلم بالغ عاقل مقيم، ويُشير إلى أهمية الصيام وفضله لتحقيق التقوى وتزكية النفوس. يُبين أن للصيام منافع كثيرة في صحة الأبدان والأديان.

نية الصيام واتباع التوقيت الشرعي

يجب على المسلم أن يصوم بنية التعبد لله وليس لمجرد العادة أو الرياء، كما يجب اتباع التوقيت الشرعي للصيام. يُحذر من التلاعب بالتوقيت بحجة الاحتياط لأنه يعتبر تبديلا لأحكام الشرع وبدعة منكرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، فكما سمعتم، فهذه كلمة بين يدي محاضرة شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى من بين يديه ومن خلفه. ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعا بما يقول وما يلقيه في محاضرته هذا، وأن يجعل ذلك كله حجة لنا لا حجة علينا. وأول ما نبدأ به إخواني في الله، وهو باذئ كل ذي بذئ، وقبل كل شيء، هو أننا نحمد الله عز وجل على نعمه الكثيرة وألائه العظيمة التي لا تعد ولا تحصى. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، ويقول عز وجل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. ومن هذه النعم التي من الله بها علينا معاشر أهل الإسلام، نعمة تتابع مواسم الخيرات وأوقات وأشحر الخير والفضيلة. فهذه المواسم ينبغي على أهل الإسلام أجمع أن يسارعوا فيها إلى الخيرات، وأن يسابقوا فيها إلى فعل الطاعات والأجور والحسنات، امتثالا لقول الله عز وجل: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ربنا تبارك وتعالى يأمر عباده فيقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام يحث أمته إلى المبادرة والمسارعة والمسابقة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحات، كما جاء ذلك في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بادروا بالأعمال الحديث». ونحن بمشيئة الله عز وجل بعد أيام ليست ببعيدة، سيحل بنا ضيف عظيم وشهر مبارك وموسم من مواسم الخيرات، ألا وهو شهر رمضان المبارك. وهذا الشهر العظيم قد جعل الله فيه من الفضائل والخصائص والمزايا ما لا يوجد في غيره من الأشهر. نبينا عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». وصفدت الشياطين. وفي رواية عند الإمام الترمذي وابن ماجه وصححها العلامة الألباني رحمه الله تعالى قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أو إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين، مرضت الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة. وهكذا جاء عند الإمام النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أتاكم شهر رمضان، أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه. تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين. لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم». وهكذا جاء عند الإمام البزار من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه وصحح العلامة الألباني رحمه الله أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن لله تعالى في كل يوم وليلة يعني من رمضان عتقاء من النار، ولكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة». إذن أيها الإخوة في الله، شهر فيه مثل هذه الفضائل ومثل هذه المزايا، ينبغي على أهل الإسلام أن يفرحوا بقدومه، وأن يجدوا وأن يجتهدوا بالمسارعة إلى الخيرات والأعمال الصالحات. فهذا الفرح بقدوم مثل هذه المواسم العظيمة هو من الفرح المشروع الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وهكذا أيضا إخواني في الله، مما ينبغي علينا أن نعلمه أن من أعظم الأعمال الصالحات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل في هذا الشهر الكريم وفي هذا الموسم العظيم، وهكذا أيضا هو الحال في غيره من الأشهر، لكن في هذا الشهر آكد، هو فعل الواجبات واجتناب المحرمات. ومما يدل على ذلك ما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال أهل العلم: ومعنى هذا أن الله عز وجل يوفقه للخير، فلا يسمع بأذنه إلا خيرا، وهكذا لا يبصر بعينيه إلا خيرا، ولا يبطش بيديه ويخطو برجليه إلا إلى خير. فهذا من توفيق الله عز وجل لهذا العبد إذا أحبه الله عز وجل. قال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعذنه». فهذا إخواني في الله مما يدل على أهمية العمل الصالح، ولا سيما امتثال الواجبات واجتناب المعاصي والمحرمات، ولا سيما أيها الإخوة في الله في مثل هذا الشهر العظيم وفي مثل هذا الموسم الكبير الذي سيحل بأهل الإسلام أجمع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا. وكذلك أيضا إخواني في الله، من أعظم هذه الواجبات التي أوجبها ربنا سبحانه وتعالى علينا في هذا الشهر العظيم، هو ما كتب وفرض علينا من فريضة الصيام. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أياما معدودات. وهكذا يقول ربنا سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيثاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». فصوم هذا الشهر الكريم يعتبر من أعظم الواجبات. كيف لا يا عباد الله، وهو أحد أركان الإسلام والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين العظيم؟ وحقيقة الصيام الذي أمرنا الله عز وجل به، هو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفسدات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. فربنا سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. والليل أول ما يبدأ بمغيب الشمس، لما في الصحيحين من حديث عمر قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إذا أدبر الليل منها هنا وأشار إلى المغرب، أو إذا أدبر النهار منها هنا وأشار إلى المغرب، وأقبل الليل منها هنا وأشار إلى المشرق، قال: وغربت الشمس فقد أفطر الصائم». أي دخل في وقت الإفطار. وهكذا ذكر أهل العلم أن الصيام يجب على كل مسلم بالغ عاقل مقيم مستطيع على الصيام، ليس بحائض ولا نفساء. فقولهم: يجب على كل مسلم، خرج بذلك الكافر، فإن الكافر لا يصح منه الصوم ولو صام، لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فالكافر لا يصح منه الصيام كما لا تصح منه جميع الأعمال الصالحة التي يعملها ويتقرب بها، وسبب عدم قبول ذلك هو كفره بالله عز وجل. مع أن القول الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. وهكذا غير ذلك من الآيات والأحاديث. وأما قولهم: يجب على كل مسلم عاقل، فالعاقل يجب عليه الصيام، وخرج بذلك المجنون، فإن المجنون لا يجب عليه الصيام ولو صام لا يصح صومه، لأنه ليس أهلا للعبادة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون حتى يعقل». وهكذا يجب الصيام على كل بالغ، والبلوغ له علامات وإمارات يعرف بها. فمن ذلك الاحتلام، وهو نزول المني من الذكر والأنثى، فهذه علامة ظاهرة وسمة واضحة للبلوغ. وهكذا أيضا من علامات البلوغ كما ذكر أهل العلم إنبات شعر العانة، وهو ذلك الشعر الخشن الذي ينبت حول الفرج، سواء كان في الذكر أو الأنثى. فهذا كذلك أيضا من العلامات الدالة على البلوغ. ولهذا لما كان الحكم على يهود بني قريظة بأن تقتل مقاتليهم وتسبى ذراريهم، فكان يعرف البالغ من غير البالغ بالإنبات، فمن أنبت قطعت عنقه، ومن لم ينبت بعده فإنه يعتبر غير بالغ فيكون من ضمن السبايا والذراري التي كانت غنيمة للإسلام والمسلمين. وهكذا أيضا من هذه العلامات التي ذكرها أهل العلم هو بلوغ خمسة عشر سنة، فمن بلغ هذا السن فيكون ولم تظهر قبل ذلك من علامات البلوغ الأخرى، فعندها يعتبر قد بلغ سن التكليف. وتزيد النساء على الرجال بعلامة وهي الحيض، فمتى ما حاضت المرأة كان ذلك دليلا على أنها قد بلغت. والصبي المميز ينبغي أن يعود على الصيام، فيحثه والداه على أن يصوم، وكونه يتعود الصيام قبل البلوغ، هذا يعتبر أعون له على أن يألف الطاعة، وهكذا يتعود العبادة فلا تشق عليه بعد ذلك. وهكذا كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يأمرون ويعودون صبيانهم على الصوم، وكانوا يشغلونهم بالدمى وغير ذلك حتى يتناسوا الطعام والشراب. وإذا نشأ الطفل على مثل هذه الأمور العظيمة وعلى محبة الطاعة والعبادة، نشأ على خير. وقد أحسن القائل: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه. وإذا صام الطفل المميز فإن صومه صحيح. وهكذا يجب الصيام على المقيم، وهكذا على الصحيح الذي يستطيع الصوم، وخرج بذلك المسافر والمريض، فإنهما يرخص لهما بالإفطار، لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ومعنى ذلك أنه إذا أفطر المريض أو أفطر المسافر، فإن الواجب عليه قضاء هذه الأيام التي أفطرها من رمضان في أيام أخرى. وهكذا يلحق بذلك المرضع والحامل، فإنهما إذا شق عليهما الصوم جاز لهما الإفطار، وإن أفطرتا فإنهما تقضيان أياما أخر مكان هذه الأيام التي أفطرنها من رمضان. ومما يدل على ذلك حديث أنس بن مالك القشيري الكعبي قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر، والصوم عن الحائض، والصوم عن الحامل والمرضع». وهكذا أيضا المرأة الحائض والنفساء، فإنهما لا يجب عليهما الصيام، بل لا يجوز لهما أن يصوما، وإن صامتا لم يصح صومهما، لما رواه النبي صلى الله عليه وسلم: «أليست إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟». وهكذا لقول عائشة لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». وهنا أمر ينبغي أن يتنبه له أولياء الأمور، وذلك فيما يتعلق ببعض النساء الحديثات عهد ببلوغ، فلربما دفع بعض تلك الفتيات والنساء الصغيرات الحياء فأصبحت وجعلت تصوم مع الناس حتى لا يستنكر أمرها أهل بيتها، وهكذا غيرهم من الناس. فهذا لا يجوز، فينبغي تعليم البنات اللواتي أوشكن على البلوغ، وهكذا النساء الصغيرات أن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، وأن المرأة إذا أصابها ذلك لا يجوز لها أن تصوم، وإنما الواجب عليها أن تفطر. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أولا الذي يسر لنا مثل هذا اللقاء في هذا المسجد الطيب المبارك، نتذاكر ما ينفعنا من العلم، خصوصا في مثل هذه الأيام. فأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير لنا في ديننا ودنيانا. كما نشكر الأخوة القائمين على هذا المسجد على حسن ظنهم بإخوانهم وحرصهم على إقامة مثل هذه المجالس المباركة الطيبة التي ينفع الله عز وجل بها الحاضرين والمستمعين بما يكون به بإذن الله تعالى القيام ببعض الواجب في مثل هذا المقام. وكما تعرفون أن واجب الدعوة إلى الله والتعليم هو من واجبات المسلمين عموما، كل بحسب استطاعته. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». فكل فرد من أفراد أهل هذا الدين يتعلق في عنقه نصيب من هذا الواجب بحسب استطاعته. فإن كان عنده علم فمن علمه، ولو كان آية أو حديثا. وإن لم يكن عنده علم فبما يستطيع في هذا الباب. فهذا بجهده وقوته، وهذا بماله وإنفاقه. وكل بحسب استطاعته. فجزى الله خيرا كل من سعى لإقامة مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، سواء في هذا المسجد أو في غيرها من مساجد المسلمين. وسمعتم في مشاركة أخينا الفاضل الأستاذ أبي عبد الله حفظه الله تعالى هذا الخير الكثير من هذه التنبيهات لفضائل هذا الشهر، فضل الصيام والصوم، وهكذا كذلك هذه الأحكام السديدة التي سمعناها، وهي مهمة يحتاجها المسلم ولا يستغني عنها. وحري بالمسلم وهو يقدم على مثل هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وهذه العبادة الجليلة التي هي من أجل العبادات، فهي فريضة من فرائض الله، وواجب من واجبات هذا الدين، بل أحد مباني هذا الدين العظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». فمن مباني الدين العظام، ومن واجباته الكبار أداء فريضة الصيام. وسمعتم ما تيسر من هذه الأحكام المهمة. فالله عز وجل فرض هذه الفريضة العظيمة على عباده سبحانه وتعالى، وهو غني عن جوعهم وعن عطشهم، ولكنه سبحانه وتعالى وهو الحكيم العليم، فرض على عباده ما فرض من هذه العبادة وغيرها من العبادات والفرائض، لعلمه سبحانه وتعالى بافتقار عباده إلى مثل هذه العبادات والطاعات. فهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى لمثل هذه العبادات التي يكون بها صلاحهم في الدنيا، بما يكون من جلب التقوى إليهم، بتزكية نفوسهم وطهرة قلوبهم واستقامة أقوالهم وأعمالهم، وما يكون عونا لهم في سيرهم إلى ربهم. وهكذا ما فيه من الخير لهم في آخرتهم من استثمار الحسنات واستكثارها، وتكفير الذنوب والسيئات، وما يكون به الوصول إلى جنة الله عز وجل ورضوانه. فكل ذلك وغيره من حكم فرض هذه الفريضة العظيمة. ولهذا فإن الله عز وجل يشير إلى هذا المعنى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإن من أعظم حكم فرض هذه الفريضة العظيمة حصول التقوى لهذا الإنسان، مع حكم أخرى كثيرة ذكرها العلماء. فمن هذه الحكم أن الله عز وجل شرع هذا الصيام لما فيه من تزكية نفوس بني آدم، فإن نفوسهم تزكى بالطاعات كما أنها كذلك تدنس بالذنوب والسيئات. وهكذا كذلك من حكمه أن الله عز وجل فرض عليهم هذه الفريضة لعلمه أنها سبب لتربية هذا الإنسان على الصبر. وهكذا كذلك تربيته على قوة العزيمة، وهكذا كذلك تربيته على معنى الأمانة والصدق والمراقبة. ومن حكم ذلك كذلك أنه سبب لكسر الشهوة التي قد تكون سببا في انحراف وزيغ هذا الإنسان. ففي هذا الشهر الكريم يتعود المسلم ويتربى على التقوى على شهواته، فيقهر سلطان الشهوة ويكسره بما يكون من طاعته لربه سبحانه وتعالى. وبينما يفتقر الكثير من الكفار والفجار إلى مثل هذا المعنى العظيم، حتى يصير من الأمور الصعبة والصعبة بمكان أن يصبر كافر أو فاجر على شربة ماء بارد في وقت حر شديد. ويرى أن من العجب العجاب أن يصبر إنسان على مثل ذلك. والمسلم بتوفيق الله جل وعلا له وتيسير أمور طاعته، كان في هذا الشهر الكريم تربية له على مثل هذا الصبر وأعظم. فإذا استطاع أن يترك هذه الشهوات من شهوة المأكل والمشرب والمنكح، وهو قريب المنال ومتيسر الوصول، تركه لله سبحانه وتعالى. فمن باب أولى أن يترك المحرمات والسيئات التي قد حذر منها وبين له خطرها وشؤمها في الدنيا والآخرة. ولهذا يكون عند المؤمن من الصبر ومن قوة العزيمة في ترك الذنوب والمعاصي، بما يكون من تربيته على هذه الفريضة، ما لا يكون في غيره. ولهذا تجدون الكثير من الناس في هذا الشهر يتقوون على الكثير من الذنوب والمعاصي التي ابتلي بها الكثير من الناس. فإنهم تقوى عزائمهم فيقهرونها في هذا الشهر، ما لا يقهرونها في غيرها. فترون مثلا هذا الذي ابتلي بتلك الأمور الساقطة، والأخرى الفاحشة، إذا كان من الصادقين في أمر الصيام، استطاع بإذن الله أن يغلب شهوة نفسه ويترك ما كان قد سقط فيه وفحش. وهكذا آخرون ابتلوا بمعض الآفات، ذاك ربما بشرب الدخان، وذاك بتناول القات، وغيرها من المسكرات والمفترات والمخدرات، والأمور المضرات. فإن كان صادقا في صيامه، أعانه الله على ما كان لا يستطيع أن يتركه في وقت فطره. وهذا إن دل على شيء، دل على هذا الفضل العظيم الذي من الله به على عباده بفرض مثل هذه الفريضة، مع ما فيه من حكم أخرى، حكم تتعلق بتكافل هذا المجتمع وترابطه وتعاونه وتآلفه. ففيه درس عظيم لأمر الإحساس لأمور الفقراء والمساكين فيستشعر المسلم معنى الجوع، فيعرف من داق الجوع كيف يكون حاله، فيأتي ويجري فيه أمر الرحمة والرأفة والرقة للمساكين والفقراء وسائر المحتاجين. ومن حكمه كذلك أنه يعين هذا الإنسان بعد إصلاحه لدينه وإصلاحه لقلبه وإصلاحه لعمله، بل وإصلاح آخرته، أن يعان كذلك على إصلاح بدنه. ففي الصيام منافع كثيرة في صحة الأبدان، كما فيه منافع كذلك لصحة الأديان. وهذا من توفيق الله عز وجل لعباده فيما فرض لهم وشرع سبحانه وتعالى. وهذا قليل من كثير مما ذكره العلماء من حكم وفضائل الصيام مما فرضه ربنا جل وعلا على عباده سبحانه وتعالى. وتتمة لما ذكر أخونا الفاضل أبو عبد الله، وهو موضوع محاضرة فيما يتعلق من أحكام الصيام. وهذا الباب تتناوله مباحث كثيرة، وحسبنا في هذا المقام أن يذكر المهم مما يستطاع ذكره، ويظن أن الأولوية في التنبيه عليه والتنويه كذلك به. فمن هذه الأحكام المهمة أننا ينبغي أن نعلم أولا أن الصيام هو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. فالصيام تعبد لله، وبه نعرف أن من لم يتعبد لله بهذا الصيام فليس له حظ ولا نصيب من هذا الصيام. وما أكثر الصائمين الذين يصومون عادة، وما أكثر الصائمين الذين لم يعرفوا أن الصيام عبادة، ولكنهم صاموا رياء وسمعة، ومجارات للمجتمع، وحياء أن يؤثر عليهم نقص في هذا الباب. فقد صام النساء والأطفال والضعفة والكبار، فهو يخشى أن يؤثر عنه مثل هذا الخرم. فهو لذلك يصوم مع الصائمين. فتجد آثار هذا التقصير في نيته، وعدم الصدق لربه وابتغاء وجهه في هذه العبادة والطاعة، يظهر أثر ذلك في أدائه لهذا الصيام. إذ الكثير من هؤلاء يمضي صيامه في نهار رمضان بالنوم، وبإماتة وقت النهار بكل ما يقتل به وقته، حتى ربما بعضهم صار يشغل نهاره بمتابعة الأفلام من سيدي إلى آخر، ومن قناة إلى أخرى، ومن شريط إلى آخر. وهكذا يسأل: كم بلغت الساعة؟ وبعد كم تغرب الشمس؟ ومتى نفطر؟ صار ذلك عليه كالجبل الثقيل، لأنه في الحقيقة ما استشعر بلذة هذه العبادة والطاعة. وهكذا كذلك ترى آثار ذلك في أحوال الكثير من الناس في هذا الشهر، كيف يمضون ذلكم الليل أمام تلك القنوات في الأفلام الماجنة والمسلسلات الساقطة والأغاني واللهو والعبث بين قناة وأخرى، وبين كذلك برنامج وآخر. ما كأنه هذا الذي كان في نهار ذلك اليوم من الصائمين. أخي المسلم، أنت تصوم تريد ما عند الله من الثواب، أتعقل هذا المعنى؟ أيجتمع من يريد ما عند الله جل وعلا من الثواب مع ما تصنعه بنفسك في ليالي هذا الشهر المبارك؟ تأمل هذا وتمعن فيه. وللأسف نجد الكثير من المسلمين قد وقعوا في هذا. فإن لله وإن إليه راجعون. أو أولئك الذين قد ملأوا المقاهي، ملأوا المقاهي، فهم عاكفون على ألعاب الضمنة والورق والكيرم وغير ذلك في غفلة ولغو، وربما وقعوا في أشياء كثيرة مما تنافي أخلاق المسلمين، فضلا عن حال الصائمين. وكذلك مما ينبه عليه في هذا المقام أمر مهم من الأحكام، ألا وهو أن هذا الصيام قد جعل له وقت شرعي، هذا الوقت علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بما علمه الله وبما أوحاه الله عز وجل إليه. فأمر المسلمين أن يأكلوا ويشربوا حتى يظهر الفجر الصادق الذي يؤذن فيه المؤذن بدخول هذا الوقت الذي علمه أهل الإسلام ونبه عليه العلماء. وهكذا كذلك عرفه الكثير من الناس. وللأسف وللأسف نجد أن الكثير من الناس مع غفلته عن هذا المعنى، ربما يجاري بعض الجاهلين، وكذلك المتلاعبين والذين يغيرون يبدلون ما يجب أن يكون في هذا المقام في أمر التوقيت الشرعي لأمر الأذان. فمثلا قبل أيام قليلة كنا نرى أن الكثير من المساجد كانت تؤذن في وقت واحد في أذان الفجر على هذه التقاويم التي بفضل الله بعد جهود كثيرة وبعد أمور عصيبة مر بها أهل هذه البلاد، وصلت هذه التقاويم الذي بفضل الله يوافق الصواب في أكثره إن لم يكن كله إلا أشياء يسيرة. فنسمع في هذه الأيام وفي هذين اليومين على وجه الخصوص بعض المؤذنين بدأ يأخذ شيئا من الوقت، وهو ما يسميه بعض هؤلاء بوقت الاحتياط. فنرى أن بعض المؤذنين صار يؤذن قبل الوقت إما بخمس دقائق، إما بسبع دقائق، وربما بعضهم بأكثر من ذلك، استعدادا لاستقبال رمضان بمثل هذا التصرف الذي هو مع ما فيه من تغيير وتبديل أحكام الشرع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. هؤلاء الذين يفعلون هذا ويزعمون أنهم يحتاطون لأمر الصيام، أهم أعلم أم الله؟ أهم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بيّن العلماء أن هذا خطأ فاحش، وأنه بدعة منكرة في دين الله عز وجل، وفيه مفاسد كثيرة. فمن مفاسده أنهم يحرمون على الصائم شيئا أحله الله له بهذا الاحتياط الفاسد الذي يصدرونه. فكم من صائم لا يصحو إلا في وقت متأخر من الليل، ربما كان له فسحة أن يشرب شربة ماء أو يأكل لقمة يستعين بها على صيامه في النهار. فإذا سمع أذان مثل هؤلاء المؤذنين الذين أذنوا قبل الوقت احتياطا زعموا، حرموا عليه شيئا لم يحرمه الله. وهذا من الظلم لهؤلاء الصائمين والعدوان. كذلك فيه مفسدة أخرى، إذ بأذانهم في هذا الوقت الذي يزعمون أنه وقت قدموه لأجل الاحتياط، أباح للناس أن يصلوا صلاة الف