المحاضرة بعنوان واجبنا لإصلاح الأمة والمجتمع، وكانت بمسجد ذهبان بغيل باوزير الجمعة 23 ربيع الآخر 1433هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية التمسك بالدين لتحقيق العزة والتمكين، ويحذر من الابتعاد عن الدين. العزة الحقيقية تأتي من تمسك المسلمين بدينهم كما في تاريخهم.
الإيمان بالله وتوحيده هو السبب الأعظم للسعادة والصلاح، ويظهر أثره في سلوك الأفراد ومجتمعاتهم. الآيات القرآنية مثل "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" تدعم هذا المعنى.
الإيمان بالله يمنح المؤمنين الثبات والقوة، كما يتضح من ثبات الأنبياء مثل إبراهيم وموسى. التوكل على الله والدعاء يلعبان دوراً مهماً في جلب الخير ودفع البلاء.
الدعاء والاستغفار، وترك الظلم، وتحقيق العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أسباب لإصلاح المجتمع وتحقيق خير الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما نحمده جل وعلا الذي وفقنا لزيارة آبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه البلدة الطيبة، وهذا المسجد الطيب المبارك. ونحمده الذي وفقنا لمثل هذا المجلس الطيب في بيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا بإذن الله تعالى على ما نحتاجه في ديننا ودنيانا من العمل الصالح. ولا ننسى في أول هذه الكلمة أن نشكر القائمين على هذا المسجد الطيب المبارك لتهيئة مثل هذه الفرصة الطيبة المباركة التي أسأل الله عز وجل أن يجعلها في ميزان حسناتهم وحسنات الجميع. فإن التعاون على إقامة مثل هذه المجالس العلمية من أعظم أبواب الخير والبر التي يحبها الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. الطريق العلم والتعليم طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. فإن الله عز وجل أرسل رسوله عليهم الصلاة والسلام وختم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس إلى ما فيه صلاحهم ونفعهم في الدنيا وفي الآخرة، كما قال جل وعلا: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. فالتعاون في إحياء مثل هذه المجالس الطيبة المباركة هو من أعظم أبواب الخير والبر. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾. وهذا باب عظيم من أبواب المعروف. أيها الأحبة، إنا معاشر المسلمين علمنا من ديننا بفضل الله عز وجل ورحمته أنه السبب الأعظم الذي به تكون سعادة هذا الإنسان في الدنيا وكذلك في الآخرة. فإن نعمة هذا الدين نعمة عظيمة من الله عز وجل بها على أهلها، ليس ليتنعموا بعظيم ثوابه في الآخرة، بل كذلك ليسعدوا بجميل آثاره في الدنيا. وقد وعد ربنا جل وعلا ووعده الحق أهل الإيمان إنهم عملوا بما أنزل الله عز وجل عليهم من دينه وشرعه أن يحييهم الحياة الطيبة في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. وغيرها من الآيات الكثيرة التي تجلي لأهل هذا الدين عظيم نعمة دين الله عز وجل. إنهم استمسكوا به وصدقوا في متابعته والسير على شرع الله جل وعلا ودينه. وإنما يمر بالناس من محن وشدة لا تزيد المؤمن إلا ثقة بربه جل وعلا، لعلمه سبحانه أن الله سبحانه وتعالى يختار له ما فيه الخير له. ولنعلم عباد الله أن الواجب والحال هذه أن يتعاون أهل هذا الدين بكل ما علموا من دين الله عز وجل فيما يدفع به البلاء وترد به المحن وتتعدى هذه الشدائد. ولله الحكمة البالغة فيما يقضي لخلقه جل وعلا. وإذا علمنا أن الله جل وعلا الذي خلقنا سبحانه وتعالى هو أعلم بما يصلح أحوالنا به، علمنا أنه لا منجى ولا مخرج إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بالرجوع إلى شرعه ودينه. فإننا نجد في ذلك الحلول الصحيحة التي تعين المسلمين على إصلاح أحوالهم، التي تعين على إصلاح المجتمع وإصلاح الأمة، بما يكون به عزها في الدنيا وفوزها في الآخرة. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فقد أتم الله عز وجل علينا النعمة بهذا الدين. فإذا ابتغينا العز في غيره أذلنا الله. وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله صلى الله عليكم الذل حتى تراجعوا دينكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمره». فالحل الذي يعيننا على إصلاح مجتمعنا وأمتنا هو بأن نتفكر ونتأمل في دين الله جل وعلا وشرعه في تلك الثوابت التي دعينا إليها وتكون بها سعادتنا الحقيقية في هذه الدنيا وكذلك في الآخرة. ظن ناس أن عز أهل الإسلام يكون بالوصول والمسابقة في الأمور العصرية. مع أننا نرى أن الكثير من المسلمين قد وصلوا إلى ذلك، ولكنهم لم يحققوا ما يرجونه. وعلى العكس من هذا أعز الله عز وجل المسلمين في أول أمرهم وهم في ضعف وفقر وفاقة، كانوا يرعون الشاء والبعير، كانوا على غاية من الشدة في العيش. مع ما كانوا عليه من الجهل والشر، فلما دخلوا في دين الله عز وجل وصدقوا فيه أعزهم الله ومكنهم، ليس فقط من الملك في أرضهم، بل من ملك أكبر الممالك في زمانهم، ملك فارس والروم. وكانت من أكبر دول الدنيا في ذاك الوقت. فلم يغلبوا أي أهل الإسلام بكثرة عدد ولا عدة ولا كذلك بزيادة تطور أو غير ذلك، ولكن الله عز وجل نصرهم بتمسكهم وصدقهم مع هذا الدين. كما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «إن قوما أعزنا الله بهذا الدين فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله». وكما قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». فالذي أصلح أول هذه الأمة هو الذي سيصلح حال آخر هذه الأمة. مكن الله عز وجل للمسلمين من الأرض ما لا يعرف في تاريخ البشرية له نظير، حتى بلغ ملك المسلمين أقصى المشرق وأقصى المغرب وأقصى الشمال. ولم يعرف في تاريخ البشرية مملكة بلغ ملكها ما بلغ ملك المسلمين في ذلكم الزمان. لنعلم عباد الله أن حقيقة النصر من عند الله، كما أخبرنا سبحانه وتعالى بذلك بقوله: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾. وهذه الحقيقة لا يعني ذلك أننا نفرط فيما نحتاجه من أسباب حسية وأمور عصرية يستعان بها في نصرة هذا الدين وإدخال كذلك معاني الخير على أمة الإسلام والمسلمين. ولكن معناه أن لا نركن إلى هذه الأسباب الحسية ونغفل عما هو أعظم منها وأكثر أهمية وهو ما تقدم. وبتأمل نصوص الكتاب والسنة نجد أن هناك أسبابا دلت عليها أدلة الكتاب والسنة يتحقق بها ذلكم المعنى العام، فيكون به عز أهل الإسلام وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا وكذلك في الآخرة. أول هذه الأسباب وأعظمها الإيمان بالله جل وعلا وتوحيده سبحانه وتعالى. فإنه السبب الأعظم بل هو أكبر الأسباب وأولها في تحقيق السعادة المرجوة والصلاح المنشود للفرد والمجتمع. إذا حققه المسلمون فليبشروا بالوعد الحسن الذي وعد الله عز وجل به عباده. وليعلموا أن ما ناله سلفنا من العز والتمكين ليس ببعيد عنا. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم مبينا هذا المعنى في آيات كثيرة. ومن هذه الآيات: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾. فالله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا، يدافع عنهم إنهم حققوا الإيمان فيحفظهم بحفظه ويكلأهم برعايته ويعينهم بقوته. وعند ذلك يتحقق لهم النصر والعز والتمكين، ويكون لهم صلاح الدنيا والآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾. فالله سبحانه وتعالى الذي نجى الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من أهل الإيمان. ولنا في قصة الرسل عليهم الصلاة والسلام التي أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته كيف نجاهم الله عز وجل من الشدائد التي مروا بها والمحن التي ابتلوا بها حتى أعزهم ومكنهم ونصرهم وأصلح أحوالهم وأصلح بهم. وتأمل قوله بعد ذلك: ﴿وكذلك حقا علينا ننجي المؤمنين﴾. أي كما تحقق هذا للرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من أهل الإيمان الذين اتبعوهم، كذلك حقا على الله أن ينجي المؤمنين من هذه الأمة في أي زمان ومكان، ولكن بشروط. والقيد أن يسيروا بسيرهم ويأخذوا بطريقتهم من الصدق في التمسك بدين الله جل وعلا وشرعه، من تحقيق الإيمان به وتوحيده سبحانه وتعالى. ولهذا أخبرنا الله عز وجل بقصصهم لنأخذ منها العبرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وهدى وبشرى لقوم يؤمنون﴾. فقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لنا فيها عبرة وعضة. ومن أعظم العبر والعضات أن نعرف وأن نستفيد منها المخرج الذي به نجاهم الله ومكنهم ونصرهم وأعزهم وأصلح بهم وأصلح أممهم ومجتمعاتهم. ولما ذكر الله عز وجل في سورة الأنعام عددا من رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، قال سبحانه وتعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾. أمر لنبيه عليه الصلاة والسلام ولأمته في هذا الكتاب العظيم أن يأخذوا بطريق هؤلاء، كما هداهم الله. فعلينا أن نأخذ بطريقهم طريق الهداية والاستقامة على دين الله جل وعلا وشرعه، على الإيمان به وتوحيده. فإذا حققنا ذلك فالنبشر بالوعد الحسن منه سبحانه وتعالى. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم في ذكر قصة يونس عليه الصلاة والسلام: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾. نفع الله عز وجل قوم يونس بإيمانهم، وكشف عنهم من خزي الدنيا كانوا به. فلما رجعوا إلى الله وأنابوا إليه وآمنوا به سبحانه وتعالى حق الإيمان، كشف الله عز وجل ما بهم من خزي، فبدل ذلك الخزي بالعز وتلك الشدة بالرخاء. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في عباده. فإذا أردنا عباد الله خير الدنيا والآخرة، فلنحقق معنى الإيمان الذي أراده الله جل وعلا من عباده، لا إيمانا بالألسن تكذبه الجوارح، ولكن إيمان تصدقه الجوارح وتبرهنه. فإن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فكلما ازداد أهل الإيمان طاعة ازداد إيمانا، وإذا ازداد إيمانا ازداد توفيقا وعونا من الله سبحانه وتعالى. وإذا نقص إيمانهم بذنوبهم ومعاصيهم، فإنهم لا يأمنون من مكر الله ومن غضبه وعذابه، إذ قد يبتلى بعض المجتمع ببعض. وأنت ترى من دعائي الصالحين: «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا». فنحن ندعو بهذا الدعاء، هل استحضرناه؟ هل تأملناه؟ فعلمنا أن بعض ما يصيبنا قد يكون بذنوب بعضنا. يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. ويقول سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. والآيات بهذا الباب كثيرة. نعلم بها عباد الله أن تحقيق الإيمان يحتاج إلى استقامة صادقة يظهر أثرها في جوارح الناس وفي مجتمعاتهم. الكثير من المسلمين صار يلتفت إلى الأسباب الحسية ويغفل عن هذه الأسباب الشرعية المعنوية التي هي حقيقة سبب الصلاح والإصلاح. ماذا سينتفع المجتمع إذا كثر فيه أرباب الشهادات، ولكنهم وإن كانوا بمسميات إسلامية، وكما يقال بهوية تنتسب إلى هذا الدين، لكنهم قد تحملوا أفكارا وعقائد ومناهج مشرقة ومغربة. فصاروا شرا على مجتمعاتهم بما يجلبونه على المجتمع من شر، يجلبون على المجتمع تلك الأفكار الشرقية والغربية، بدلا من أن يكونوا عونا للإسلام والمسلمين، يصير حربا على الإسلام والمسلمين من حيث شعروا أو لم يشعروا، بتلك المناهج المنحرفة والعقائد الفاسدة. حتى يتفرق أهل الإيمان والإسلام يتفرقون تفرقا عظيما بسبب بعد أولئك عن دين الله جل وعلا وشرعه. فصار بعضهم يطلب الإصلاح بفكر بفكر اليهود، وآخر بفكر النصارى، وآخر بفكر المشركين، وآخر بفكر الملحدين اللادينيين. ولا يخفى عليكم عباد الله ما ابتليت به مجتمعاتنا من أمثال هؤلاء. لنعلم أن حقيقة الصلاح والإصلاح تكمن بالتمسك بهذا الدين. فإن ازداد معها تلك الأسباب الحسية مع دين الله جل وعلا وشرعه كان نورا على نور، وإلا فرب بعض تلك الأسباب الحسية تنقلب حربا على الإسلام والمسلمين. وإذا حصل التفرق في المجتمع فلا تسأل عن الشر الذي يقع. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. أي قوتكم. ومن أعظم أسباب التنازع والتفرق هو عدم تحقيق الإيمان بالله، عدم تحقيق التوحيد لله رب العالمين، توحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. توحيده بتحقيق شرعه ودينه في عقائدنا وعباداتنا ومعاملاتنا وأخلاقنا وسلوكنا. فإن كان أمة الإسلام جميعا على دين الله عز وجل الحق، فعند ذلك يكون أمرهم جميعا، وعند ذلك تكون قوتهم. وأما إذا تفرقوا واختلفوا، فعند ذلك يكون الشر في المجتمع. ولهذا أمر ربنا جل وعلا أهل هذا الدين بالاعتصام بحبله، وهو شرعه ودينه، وهو كتابه وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في تفسير الآية: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. يذكر ربنا جل وعلا المسلمين بما كان حال المسلمين في أول الأمر من التفرق والتمزق، تفرق في العقائد وفي العبادات وفي المعاملات وفي الأخلاق والسلوك. فما الذي جمعهم؟ الذي جمعهم هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى. لما حققوا الإيمان بالله جل وعلا بحق، حصل لهم ما يرجونه من خير الدنيا وخير الآخرة. عباد الله، إننا إذا حققنا الإيمان بالله جل وعلا، وقام كل مسلم بما يجب عليه في هذا الباب، قويت هذه الأمة وعظم ثقتها بربها وخالقها. فيكون عندها من اليقين والثبات على الحق ما هو أعظم وأقوى من ثبات الجبال الراسيات. والله جل وعلا أخبرنا في كتابه الكريم عن عدد من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام كيف كان ثباتهم، وكيف كان عظيم ثقتهم بخالقهم سبحانه وتعالى. وذلك حين تحقق الإيمان بالله وكمل التوحيد، عظمة الثقة بالله رب العالمين. فكان الثبات الذي يفوق ثبات الجبال الراسيات. حين يتزلزل الناس يكونون مثالا لمعنى الثبات. انظروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اجتمع عليه قومه وكادوا به المكائد حتى رموه في النار، فقال كلمة الواثق بربه جل وعلا الثابت على دينه وشرعه: «حسبي الله ونعم الوكيل». فجعل الله عز وجل النار بردا وسلاما على إبراهيم. وانظروا إلى موسى عليه الصلاة والسلام، وهو يضرب لأمته ولأهل الإسلام من بعده مثلا في تحقيق الإيمان وقوة التوحيد وعظيم الثقة بالله رب العالمين، مع ما جرى بينه وبين فرعون وقومه. فلما أدركه فرعون وقومه من خلفه والماء من أمامه، قال من معه: «إنا لمدركون». فقال قولة الواثق بربه جل وعلا: «كلا إن معي ربي سيهدين». فضرب بعصاه البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». عندما ابتلي المسلمون بما ابتلوا يوم أحد. وكان البلاء بمخالفة بعض من كان في تلك الغزوة وخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم جبل الرماة. فابتلي المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيب في رأسه ووجنتيه وسال الدم على وجهه الشريف عليه الصلاة والسلام، وهم في تلك الجراح وفيهم القتلى. جاء من يقول: «إن الناس قد جمعوا لكم» يعني أرادوا أن يعيدوا الكر عليكم. فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» ثقة بالله سبحانه وتعالى، تحقيقا لمعنى الإيمان والتوحيد. أليس هو الذي قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس المشهور: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». هذا هو حال المؤمن الذي تحقق الإيمان في قلبه ولسانه وجوارحه، لا يبال بإقبال الأسباب وإدبارها، لعظيم إيمانه وقوة توحيده وعال ثقته بربه جل وعلا وخالقه. وفي السنن ومسند الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». انظروا إلى هذه الطير الضعيفة على كثرتها وضعفها، لكنها متوكلة على الله سبحانه وتعالى خالقها، تخرج كل صباح وهي في غاية من الجوع حتى يلتصق جلدها ببطنها، تغدو خماصا أي تخرج أول الصباح على هذا الوصف، وتروح أي ترجع في آخر النهار قبل الغروب بطانا قد أشبعها الله وأغناها. كذلك نحن عباد الله، إن نحن حققنا الإيمان وصححنا التوحيد وعظم التوكل والثقة بالله، عند ذلك سنرى من الآثار الحسنة التي ستكون لأهل هذا الدين، بما يكون به صلاحهم في الدنيا وفي الآخرة. لأن الأمر عباد الله ليس هو بالاعتماد على الأسباب، ولكن بالاعتماد على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى. فعند ذلك إذا أصابت الناس شدة لم يلتفتوا إلى غير الله، بل التفتوا إلى الله جل وعلا وحده. وعلموا أنه وحده سبحانه وتعالى الذي بيده أن يفرج عنهم ما هم فيه. ولهذا كان من الأسباب كذلك التي يكون بها دفع النقم والعقوبات وجلب الصلاح والخيرات للمجتمع والفرد والأمة الدعاء. فإن الدعاء من أعظم هذه الأسباب كذلك، إذ الدعاء هو العبادة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». فكون العبد يدعو ربه جل وعلا لعظيم إيمانه به وثقته فيه وتوحيده له، فإن الله عز وجل لا يرده. إذا كان ربنا جل وعلا أخبرنا أنه لم يرد دعاء المشركين المضطرين لما أخلصوا له الدين، فكيف بدعاء المؤمنين الموحدين إن صدقوا مع الله رب العالمين؟ قال الله عز وجل: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. فأخبرنا سبحانه وتعالى أنه استجاب دعاء المشركين لما دعوه مخلصين في وقت الشدة والضرورة، أخلصوا دينهم لله. فلما استجاب لهم وأنعم عليهم كفروا نعمة الله حين نجاهم، فرجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك والكفر والالتفات وعبادة غيره سبحانه وتعالى. فكيف بالمؤمن إذا ثبت على إيمانه وتوحيده ودعا ربه سبحانه وتعالى؟ فإنه أحرى أن يجيب الله عز وجل دعاءه، وأن يجلب له ما يرجوه من خير الدنيا وخير الآخرة. فإن الدعاء عباد الله سبب عظيم تتحقق به معاني الصلاح والإصلاح في المجتمعات. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا عن عدد من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام أنهم دعوا ربهم جل وعلا فحقق الله عز وجل بدعوتهم ما فيه الخير لهم ولأتباعهم، فكانت لهم السعادة وكانت لهم كذلك الخيرية بتحقيق هذه العبادة لله رب العالمين. ومن الدعاء الاستغفار، فإن الاستغفار سبب آخر من الأسباب التي تتحقق بها معاني الصلاح والإصلاح للأمة والمجتمع. فإن استغفار الرب جل وعلا باب آخر من أبواب جلب الخيرات. أخبرنا ربنا جل وعلا عن نوح عليه الصلاة والسلام مع ما ابتلي به من صدود قومه، وهو يدعوهم. دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فكان ما كان من كفرهم به إلا القليل. فلما كان ما كان من شدة وما كان بعد ذلك من الطوفان، دعا ربه جل وعلا فاستجاب الله عز وجل دعاءه، وأمدهم بخير الدنيا ووعدهم بخير الآخرة. كما قال سبحانه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. حقق الله عز وجل لهم خير الدنيا باستغفارهم وبدعائهم لربهم وخالقهم سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك نحن عباد الله، إن دعونا الله جل وعلا بصدق واستغفرناه سبحانه وتعالى بإخلاص، رجونا أن يعطينا بعض ما أعطى الصالحين ممن سبق في الأمم السابقة. وأخبرنا ربنا جل وعلا كذلك عن عدد من أنبيائه ورسله بنحو ما أخبرنا عن نوح عليه الصلاة والسلام. فقد أخبرنا جل وعلا في سورة هود عن عدد من أنبيائه ورسله كيف دعوا ربهم واستغفروه، ودعوا أممهم أن يستغفروه، فحقق الله عز وجل لهم بعض ما يرجونه من خير الدنيا مع ما عده الله لهم من خير الآخرة. وهكذا سنة الله جل وعلا في عباده. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾. ومعناه: لو أن الناس حين أصابتهم البأساء والضراء تضرعوا إلى الله بالدعاء وبالاستغفار وبالرجوع إليه جل وعلا، لاستجاب الرب الكريم الرحيم دعاء هؤلاء المستضعفين، ولكان لهم من خير الدنيا من عظيم فضل الله ورحمته ما يتمتعون به في هذه الدنيا وفي الآخرة. لكن كفروا نعمة الله وجحدوا الإيمان بالله، فكان لهم ما كان من عقاب الله سبحانه وتعالى وسخطه. فلا نكن عباد الله كالقوم الكافرين الذين أهملوا هذه العبادة واستكبروا عنها. والله جل وعلا قال في كتابه الكريم بعد أن ذكر الدعاء وبين أنه عبادة: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. هذا لمن استكبر عن دعائه، توعده بهذا الوعيد الشديد في الآخرة، وكذلك في الدنيا بما يكون من شدة العيش. فإذا كان كذلك عباد الله، لندعو بألسنتنا وقلوبنا وجوارشنا ربنا سبحانه وتعالى، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي يكون بها إصلاح الفرد والمجتمع. ندعوه بألسنتنا دعاء من عرف ربه حق معرفته وعظمه حق تعظيمه، وعرف عظيم فضله وواسع عطائه. فعند ذلك لا ييأس من دعاء، بل يعلم أن الله جل وعلا الرحيم الكريم سيعطيه ولو تأخرت الإجابة. وهكذا كذلك بقلوبنا، بما يكون من حسن ظن بالله جل وعلا وعظيم ثقة. وبكذلك جوارحنا، مما يصدق هذا الدعاء بالألسن والقلوب، استقامة على دينه جل وعلا وشرعه، يكون بها تصديقنا لهذا الدعاء. وكما قال العلماء: الدعاء دعاءان، دعاء مسألة أي باللسان، ودعاء عبادة أي بالجوارح. فنحن ندعوه سبحانه وتعالى بكل الدعائين. فإذا حققنا ذلك أعاننا الله عز وجل بإذنه سبحانه وتعالى وعظيم فضله إلى ما نرجوه من خير الدنيا وخير الآخرة. ومن هذه الأسباب عباد الله ترك الظلم واجتنابه والحذر منه. فإن الظلم من أعظم الأسباب التي تكون به نقمة الله سبحانه وتعالى. ولهذا حذرت أدلة الكتاب والسنة من الظلم كثيرا، وتوعد ربنا جل وعلا الظالمين بما توعد من شؤم ما يصابون به بالدنيا، فضلا عن الآخرة. وكثيرا ما كان يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». ومن شؤم الظلم عباد الله أن الله يولي الظالمين بعضهم بعضا بما كانوا يكسبون، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾. يجعل أهل الظلم يبغي بعضهم على بعض، ويتصلط بعضهم على بعض. فإن الله العظيم سبحانه وتعالى العزيز يمهل ويمهل ويمهل، لكنه لا يهمل سبحانه وتعالى. لا يهمل سبحانه وتعالى. فإذا أخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾. إن أخذه أليم شديد. كم كان في هذه الدنيا من قرى فيها من الظلم، الظلم في دين الله جل وعلا وشرعه، الظلم على عباد الله وخلقه، الظلم والبغي في الأنفس والدماء، الظلم والبغي في الأموال والأعراض، الظلم والبغي فيما يكون من جميع أحوال الناس في المجتمع. أمهلهم الله وأمهلهم وأمهلهم، فلما لم يتوبوا ولم يرجعوا أخذهم أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى. فإذا علمنا ذلك لنعلم عباد الله أن من واجبنا جميعا لإصلاح أمتنا ومجتمعنا أن نتعاون في دفع الظلم جميع أنواعه. وأن نتعاون كذلك في تحقيق العدل بكل معانيه. أعظم العدل العدل بعبادة الرب سبحانه وتعالى والإيمان به وتوحيده. ثم العدل في معاملات الناس وأخلاقهم وسلوكياتهم وسائر الحقوق. لأن هذا الدين دين العدل. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. فالله عز وجل يأمر بالعدل ويحذر من الظلم. فإذا كان كذلك، فعلينا أن نتعاون بتحقيق ذلك، وأن نجتهد بكل ما نستطيع. ومن ذلك السبب الآخر الذي يكون به صلاح الفرد والأمة والمجتمع، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للأمة والمجتمع. فإنه سبب آخر عظيم. هذا سبب والأسباب كثيرة، ولكن نختم به. فإن الله عز وجل ذكره في آيات كثيرة في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. فهو من أعظم صفات أهل الإيمان. قال الله عز وجل: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. قال العلماء: ليتنبه أهل الإيمان أنه من أعظم ما يتحقق به إيمان أهل الإيمان. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم صفات المنافقين. قال الله عز وجل: ﴿والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾. فمن أعظم صفات المنافقين عدم الأمر بالمعروف وعدم النهي عن المنكر، بل النهي عن المعروف وعدم الأمر بالمنكر. فإذا علمنا ذلك لنعلم أن كل من تقاعص عن هذا الواجب فقد شابه المنافقين والعياذ بالله. فعلينا أن نتعاون في إقامة هذا الواجب، فإنه به تكون سلامة هذا المجتمع ونجاته. وفي الصحيحين ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لهذه الأمة بقوم كانوا في سفينة. كان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها، فكان الذين في الأسفل إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: «لو أننا لم نؤذ من فوقنا وخرقنا في نصيبنا خرقا». قال عليه الصلاة والسلام: «فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعا». فنحن في هذه الدنيا عباد