الدرس التاسع والستون:من( الحديث الثامن والتسعون:عن عائشة رضي الله عنها ... 7-أن إخبار الوالي الأكبر عن أعمال الأمراء والعمال لقصد الإصلاح لا يعد وشاية ولا نميمة ).
يتناول المقطع شرح حديث متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها، ويبين فضل سورة الإخلاص واستحباب قراءتها. يُبرز أهمية قراءة سورة الإخلاص في الصلاة وغيرها من العبادات.
يشرح المقطع أسباب تفضيل سورة الإخلاص وتعديلها ثلث القرآن من حيث الجزاء. يُبرز أهمية النية في الأعمال وفرق بين الإذن الشرعي والاستحباب.
يؤكد المقطع على أهمية الدين في تولي الولايات والمناصب، ويشير إلى أن الكفاءة العلمية أو القوة وحدها لا تكفي. يناقش كيفية التعامل مع الحكام غير الأكفاء دينيا.
يُشرع ارتكاب المفسدة الأقل إذا كان بقاء المنكر يفسد المجتمع بشكل أكبر. يُعد هذا توجيهًا شرعيًا لموازنة المفاسد والمصالح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والتسعون، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقول: ﴿هو الله أحد﴾. فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: «لأنها صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأها». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله، هذا الحديث من أحاديث الأحكام من الصحيحين، وأقرب الألفاظ إليه -أو نقول: لفظه- لفظ الصحيحين، فهو حديث متفق عليه. رواه الإمام البخاري في باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا بن وهب، قال: حدثنا عمر، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدث عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث بلفظه. وهكذا رواه الإمام مسلم فيما بوب له بباب فضل القراءة بقول: ﴿هو الله أحد﴾، بنفس لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فهو مما اتفق عليه الشيخان. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على سرية، والسرية هي الجيش الذي يخرج وليس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم سميت غزوة، سواء وقع القتال أو لم يقع على الصحيح. قال: ومن عادة الأمراء أنهم هم الأئمة في الصلاة؛ لأن الأمراء في ذلك الزمان كانوا علماء، فلا يؤمر أمير إلا وهو أعلم أو من أهل العلم، فيجمع بين الإمامة الدينية والإمامة القتالية -إمامة الجهاد-. قال: والمفتون لفضل علمهم ودينهم -يعني هم كذلك الذين يفتون الناس ويرجعون إليهم- هذا هو الغالب، وقد يكون لمصلحة ما المفضول أمير على الأفضل. قال: فكان يقرأ -كمثل الجيش الذي أمر عليه النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد- كان لمصلحة. قال: فكان يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ في الركعة الثانية من كل صلاة. فلما رجعوا من غزوتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك، وهذا علم من بعض الروايات. قال: فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ أهو لمحض المصادفة لشيء من الدواعي؟» فقال الأمير: «صنعت ذلك لاجتمال على صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب تكريرها لذلك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أنه كما كرر هذه السورة لمحبته لصفة الرحمن، فإن الله يحبه». ويا لها من فضيلة، وفي هذا إشارة إلى هذا الفضل العظيم لهذه السورة كما سيأتي إن شاء الله. فهذا هو المعنى الإجمالي. قال: ما يأخذ من الحديث: جواز قراءة قصار المفصل حتى في غير صلاة المغرب من الفرائض. ومعنى أنه كان يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ في سائر صلواته -فصوصا الجهرية-. وهل كان يفردها في ركعة أو كان يخدم بها الركعة قولان لأهل العلم، والظاهر الثاني: يخدم بها القراءة ولا يفردها -يعني مثلا قرأ في الأولى بالبروج، وفي الثانية بالطارق، يختم بعد الطارق يقول: ﴿هو الله أحد﴾- هكذا قال بعض أهل العلم. وقال بعضهم: بل يفرد ركعة بهذا. وسواء كان هذا وهذا، فكل جائز على هذا الحديث الذي ورد. قال ثانيا: ووجه الاستدلال واضح -يعني لأن ﴿قل هو الله أحد﴾ من قصار المفصل، وقصار المفصل كما تقدم معنا إنما تقرأ في المغرب، هذا هو الغالب الأعم، ويجوز أحيانا في غير المغرب، وهذا من الأحيان. لكن هذا الأحيان قد يكون لمعنى ما، فيكون فيه استدامة حتى ولو كان فيه استدامة، مثل أن يكون مثلا هناك سبب متكرر يقتضي ذلك، مثل إنسان في سفر، الأفضل أن يخفف على المسافرين في الصلاة، ولو طال السفر، ولا بأس أحيانا أن يقرأ بشيء غير قصار المفصل. وقد يكون لمثل هذا السبب، وسيأتي إن شاء الله أن في استحباب مثل هذا خلاف. قال ثانيا: فضل سورة الإخلاص، واستحباب قراءتها. أما استحباب قراءتها فقد وردت فيه أحاديث كثيرة، ومنها ما مر معنا قريبا في الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين، في مسند المبهمات: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ذلكم الرجل الذي رافقه في سفره بأن يقرأ بقول: ﴿قل هو الله أحد﴾، وبقول: ﴿أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. وهكذا كذلك ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بها في ركعتي الفجر، وهكذا كذلك في ركعتي الطواف، وغير ذلك مما ورد. فهذا يدل على استحباب قراءتها. لكن هل يقتضي ذلك استحباب قراءتها على وجه الدوام بهذا الوصف؟ في هذا الخلاف بين أهل العلم. وقد ذكر شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في هذا الموضع، وفي كلامي على هذا الحديث في مواضع من الفتاوى، في تعليقه على هذا الحديث قاعدة تدل على أن ما كان على هذا الوصف لا يوصف بالاستحباب. ففرق بين أن يقرأ العمل لأجل سبب، وبين أن يؤمر الناس بذلك. فلو فعل لقيل: مشروع، يشرع ويجوز. ولو قيل: هل نحف الناس على أن يفعلوا ذلك؟ لقلنا: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحف الناس، ولو كان خيرا لفعله عليه الصلاة والسلام، ولفعله الخلفاء من بعده. لكن من أحب أن يفعله فلا بأس. فإذن هو يدل على المشروعية والإذن، بل العكس، استفاد منه بعض أهل العلم أن الأصل في هذا الباب التوقيف، لا يجوز للإنسان أن يخص شيئا ولو كان من القرآن، فيتعبد الله به على وجه الدوام في زمان ما أو بمكان ما أو بكيفية ما. فتقييد بزمان أو مكان أو كيفية أو كم -يعني عدد- أو وصف بغير دليل شرعي، أعده بعض أهل العلم من أبواب البدع. فلو أن إنسانا قال: يستحب أن يقرأ يوم الجمعة في صلاة المغرب: ﴿يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. نقول له: من أين جئت بهذا الاستحباب؟ لو قال مثلا: عندنا أدل عامة. نقول: أدل العامة تدل على العموم، أما أنك تحف الناس وأن هذا يستحب بهذا التخصيص، هذا يحتاج إلى دليل. أو تأمر الناس أنهم يكرروا ذلك في الركعة الثانية من كل صلاة. لقيل له: ما هو الدليل على ذلك؟ لو قيل مثلا: هذا الرجل أذن له النبي عليه الصلاة والسلام. فيقال: نعم أذن له، ولكنه لم يأمر الناس بذلك. فمن أحب أن يفعل لنفسه فعل بهذا الوصف المذكور لا يزيد، وأما أن تأمر الناس به فلا. ففرق بين الإذن وبين ادعاء الاستحباب وأمر الناس بذلك. قال ثالثا: أن تفضيل بعض القرآن على بعض عائد لما يحتوي عليه المفضل من تمجيد الله والثناء عليه. فهذه السورة الجليلة والكريمة تشتمل توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب من الأحدية المنافية للشريك، والصمدية المثبتة لله تعالى جميع صفات الكمال، ونفي الوالد والولد الذي هو من لوازم غناه، ونفي الكفء المتضمن نفي المشابه والمماثل والنظير. ولذا: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن -يعني لعظم ما فيها من تعظيم الرب سبحانه وتعالى-. ومعنى توحيد الاعتقاد والمعرفة: لأن التوحيد ينقسم باعتبارات إلى أقسام، فهو ينقسم إلى توحيد ربوبية وألوهية وأسماء وصفات باعتبار، وهو ينقسم كذلك إلى توحيد الطلب والقصد والمعرفة والإثبات باعتبار آخر. فالطلب والقصد هو توحيد الألوهية؛ لأنه يطلب منه شيء ويقصد به شيء. والمعرفة والإثبات: الربوبية والأسماء والصفات. وأما كونها تعدل ثلث القرآن: لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. ولكن كما ذكر العلماء: تعدل من حيث الجزاء لا من حيث الإجزاء، وفرق بين المسألتين. تعدل من حيث الجزاء -يعني الأجر والثواب- لا من حيث الإجزاء. فمثلا لو أن إنسانا نذر أن يقرأ ثلث القرآن، فلا يصح أن يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ويقول: الحمد لله وفيت بنذري. يقال: لا، ما وفيت بنذرك؛ لأن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن في الجزاء وليس في الإجزاء. فمن نذر أن يقرأ ثلث القرآن فعليه أن يقرأ ثلث القرآن حقيقة. قال الرابع: أن الأعمال يكتب ثوابها بسبب ما يصاحبها من نية صالحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن القصد من تكريرها. وهذا ظاهر؛ لأنه قال: «سلوه لما يفعل ذلك؟» لما قال: «لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها»، أخبره «أن الله عز وجل يحبه لذلك». فالأعمال بالنيات. ولهذا: فإن العمل الواحد قد يكتنفه من الصدق والإخلاص واليقين ما يجعل صاحبه مرتفعا إلى أعلى الدرجات، وآخر نفس العمل يكون معه من الغفلة والشك والجهل والإعراض ما يجعله في أسفل سافلين. كما قال ابن القيم رحمه الله: «رب رجلين يصليان في صف واحد، كل منهما بجنب الآخر، وأحدهما ترتفع صلاته إلى أعلى الدرجات، وأحدهما ترد صلاته عليه». وكما هذا في الصلاة، فهو كذلك في سائر الأعمال. وبه نعرف أنه ليس كل أحد يقرأ سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ فالله يحبه، ولكن الذي يقرأها وهو على يقين وصدق وإخلاص، أنه يقرأها حبا لما فيها من تعظيم الرحمن، فالله عز وجل يحبه. وإنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بالسرائر. قال خامسا: أنه ينبغي أن يكون أصحاب الولايات والقيادات من أهل العلم والفضل والدين -يعني لما تقدم في المعنى الإجمالي- فكان أمير هذه السرية هو الإمام، وعنده من تعظيم الرب مقتضى أن يخبر بأن الله يحبه. وبه نعرف أن هذه المنازل يعتنى فيها بالدين أعظم من الاعتناء بالكفاءة الحسية. وهذا وللأسف يغفل له الكثير من الناس -يعني مثلا الجهاد في سبيل الله- لا يكفي أن يكون الأمير شجاعا وقويا، وكذلك عنده من الخبرة ما عنده؛ لأن مثل هذا لا يكفي في أن يتولى الإمارة. بل الإمارة تحتاج إلى دين أعظم مما تحتاج إلى خبرة وقوة. فالقوة والخبرة قد يستعين بها الأمير بمن تحته، فيكون له أهل شورى يجمعهم ويستفيد منهم. أما إذا كان الأمير قليل الدين، فإن هذا يقتضي فتنة هذا الجيش وتوجيه لما فيه هلاكه. قد يقول قائل: كيف نفعل وحال أمراء اليوم على خلاف هذا الوصف؟ الجواب: ديننا يفرق بين إنشاء الشيء ابتداء وبين ما إذا وجد تبعا. فيثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. إذا استتبت الإمارة لمن ليسوا أهل كفاءة في الدين، فالإسلام يدعو أن نسمع ونطيع حتى لو كان عندهم فسوق، ولكن يناصحون بأن يستعينوا بأهل العلم، وأن يجلسوا ويقربوا أهل العلم حتى يكون الخير لهم ولمجتمعاتهم ونحو هذا. يقال في سائر الولايات، حتى مدير المدرسة، حتى إمام المسجد. ليس كما يظن بعض الناس: أهم شيء في الإمام أن يكون صاحب صوت طيب. سبحان الله! كيف صاحب صوت طيب وما عنده دين؟ كيف يكون قدوة للناس؟ ربما حصل في بعض المناطق أنهم قدموا نصرانيا -نصراني يصلي بالناس- هذا حصل. فالمسألة مسألة الدين، حتى كذلك الدروس العلمية. ليس كل من عنده قوة علمية يمكن من التدريس؛ لأنه لو كان فارغا في دينه، ربما كان سببا في انحراف الطلاب، أو كان ممن هو مريض في قلبه، كان سببا في انحراف الطلاب. وفي هذا لفتة إلى أنه ينبغي قبل التعجل في تمكين المدرسين والمدرسات وغيرهم، أن ينظر إلى دينهم قبل أن ينظر إلى كفاءتهم العلمية؛ لأن الدين أهم من الكفاءة. الدين أهم من الكفاءة العلمية. لو نقصت الكفاءة العلمية، عسى أن الله وفقه بصدقه وإخلاصه وتدينه إلى إكمال النقص. حتى لو مثلا ما عنده علم؛ لأن عنده دين، ما سيقول الخطأ للطلاب: صح أو لا؟ الذي عنده دين ما سيقول الخطأ للطلاب، سيقول: يا أبنائي ويا طلابي، هذا الذي أعرفه، والله أعلم. ما عنده علم بالباقي. لكن الذي ما عنده: ما يعرف الله أعلم. كل شيء يريد أن يكون هو به عليما، وهذا يضر ولا ينفع. ولهذا: ينبغي أن يعتنى بهذا الباب. ومن هذا الباب كذلك: عدم تمكين من لا يعرف حاله. ربما يقال: جاءكم فلان من الناس، ما شاء الله مشهور في المكان الفلاني أنه قوي في العلم الفلاني. جزاء الله خير. لكن كيف دينه؟ كيف دينه؟ إذن ما نمكنه حتى نعرفه، يخالطنا ويجلس معنا ونعرفه. فإذا عرفنا وعرفنا أنه صاحب دين مكناه -مكناه من التدريس- وإن لم يكن صاحب دين فلا حاجة لأهل الإسلام وأهل السنة به. فهذا الحديث قاعدة -كما أشار الشارح رحمه الله لمعناه- في هذا الباب وغيره. قال سادسا: أنه من أحب صفات الله وتذوق حلاوة مناجاته بها، فالله يحبه؛ لأن الجزاء من جنس العمل. وهذا لما تقدم من أن هذه السورة فيها صفة الرحمن. فمن تأمل وتمعن بهذه المعاني العظيمة، فوجد حلاوتها ومناجاته بها سبحانه، كان له المثل. وقد تقدم معنا أنه ليس كل أحد قرأ بهذه السورة وجد هذا الفضل. وكما تقدم كذلك بكلام شيخ الإسلام: ليست كل بغي تسقي كلبا عطش شربة ماء تدخل الجنة. قال سابعا: أن إخبار الوالي الأكبر عن أعمال الأمراء والعمال لقصد الإصلاح لا يعد وشاية ولا نميمة. وهذا كذلك من فوائد الحديث؛ لأنه أخبر عليه الصلاة والسلام لأجل الفتية ومعرفة الحكم وإصلاح الخلل والخطأ إن كان هذا من الخلل والخطأ. فإن قال قائل: فهل على هذا لا توجد وشاية ما دام الكلام يبلغ الأمير؟ الجواب: لا يوجد وشاية حتى ولو كان للأمير، وإنما الأعمال بالنيات. فرب إنسان يريد بذلك الإضرار أو يريد بذلك الوصول إلى مقصد من مقاصد الدنيوية، كأن يبغض فلانا ويحب هو -وهذا ما يسمى بالتزلف والتملق- وقد يكون دوافعه الحسد وغير ذلك من المعاني، فهو من المعنى المذموم من الوشاية والنميمة. وقد يقول قائل: كيف نعرف الفرق؟ نقول: الفرق في الغالب يعرف بالنية الحسنة. ومن النية الحسنة: أنه لا يبادر بالاستفتاء قبل أن ينصح -إن كان يستطيع النصح- أو لا يبادر بتبليغ هذا الخلل قبل أن يحاول الإصلاح. فإن حاول الإصلاح عن قرب ولم يتيسر، فلا بأس عند ذلك للإصلاح أن يبلغ من له ولاية، ولو حتى حصل الضرر؛ لأن الضرر الذي يحصل أعظم من الضرر لو سكت. ولا شك أن المفسدة الكبرى تدرك أو تدرأ بالمفسدة الصغرى. فمثلا: إنسان يعمل على عمل يحصل من قبل هذا العمل راتب، ينفق على نفسه وأولاده، ولكن يعمل عملا فيه خطأ وخلل يخالف الشرع. نصح فمن لم يستجب، وأنت تعرف أن هذا منكر، فتضطر أن تبلغ عنه. بلغت عنه فطرد من هذا المكان. لا شك فيه مفسدة عليه، لكن ما دامت المفسدة هذه أخف من بقاء المنكر الذي يفسد المجتمع، فهذا مطلوب شرعا. إلى هنا والله تعالى أعلم.