الدرس في الإخلاص والمتابعة، محاضرة في مسجد مصعب بن عمير بحساي . يوم الجمعة 6 جمادى الأولى 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العبادة لا تقبل إلا بشروط، وهي الإخلاص لله والمتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. الإخلاص يعني أن تكون العبادة خالصة لوجه الله دون رياء أو طلب دنيا.
يؤكد على أهمية الإخلاص والاتباع في العبادات والمعاملات، ويبين أن العمل مردود إذا فقد أحد هذين الشرطين. كما يصنف الناس بناءً على تحقيقهم لهذين الشرطين.
الإخلاص والمتابعة ضروريان لعمران المساجد ونجاة العبد في الفتن. المساجد التي تقام فيها الصلوات وتحافظ على السنة هي مساجد الحق، والإخلاص والمتابعة ينجيان العبد من الفتن.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني عباد الله، فهذه كلمة يسيرة بين يدي محاضرة شيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى ورعاه، وعلمتم حفظكم الله بأن عنوان المحاضرة الإخلاص والمتابعة. اعلموا عباد الله جميعًا أن من أعظم المقامات التي ينبغي أن يبحث عنها العبد وأن يسعى إلى تحصيلها، وأن ينضم تحت لوائها، ألا وهو مقام العبودية، فإن العبودية لله جل وعلا سبيل لكي تتعرف على خالقك، وبهذا أمرنا ربنا جل وعلا كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فهذه مرتبة العبودية أن الله جل وعلا ما خلق الخليقة إلا من أجلها، أن يكونوا عبادًا لله جل وعلا، فشرف لك يا عبد الله أن تكون عبدًا حقًا وصدقًا لربك جل وعلا. مما زادني شرفًا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثرية دخولي تحت قولك يا عبادي وانصيرت لي أحمد نبيًا فالعبودية يا عبد الله وسام شرف أن تكون عبدًا لله، فلست عبدًا للشهوات ولا للملذات ولا لغير ذلك، لكن اعلموا عباد الله مع أن الشرع الحنيف أمر بالعبادة والتعبد، لكن ينبغي أن تفطنوا كيف تؤدى العبادة. ليس العبادة يا عبد الله أنك تضرب في هذه الدنيا خط عشواء تتعبد الله كيف ما شئت ومتى ما شئت، كان أناس كان هذا حالهم، فإذا بأمرهم كانوا إلى النار، قال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، على تفسير من فسر من العلماء بأنها عاملة أي تعمل الأعمال وتأتي بالطاعات والعبادات، ومع ذلك مع عملها إلا أنها تصلى نارًا حامية لأن العبادات فيها من الموانع وفيها من الصوارف، فلم تقبل عند الله جل وعلا. لذا فعلينا جميعًا عباد الله يا من رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا أن نعلم ما هي الشروط التي بها تصح العبادة وتكون مقبولة عند الله جل وعلا. فقد نبه العلماء رحمهم الله تعالى واستقراء لنصوص الكتاب والسنة على أنها من شروط قبول العبادة الإخلاص والمتابعة. الإخلاص يا عبد الله هو أن تخلص العبادات والطاعات لله جل وعلا، لا تريد بذلك دنيا تتزلف إليها أو ترغب بهذه العبادة مالًا ومنصبًا أو تبحث عن رياء وسمعة، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾. فنحن مأمورون عباد الله أن نؤدي هذه الطاعات، بل أن نقيم شرع الله جل وعلا خالصًا لوجهه الكريم سبحانه وتعالى، لا ننتظر ثناءً ولا شكرًا ولا عطاءً ولا ربحًا، إنما بغيتنا في تأدية العبادات والطاعات أن تكون لله سبحانه وتعالى. فمن صرف الطاعة ومن صرف العبادة فأداها لغير وجه الله جل وعلا فهي مردودة على وجهه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فالشرط الثاني يا عبد الله الاتباع، وذلك بأن تتبع نبيك عليه الصلاة والسلام في أي عبادة تتعبد بها الله سبحانه وتعالى، تنظر في هديه تنظر في سمته تنظر في منهجه عليه الصلاة والسلام، تنظر كيف تعامل نبينا عليه الصلاة والسلام مع ربه فتتخذه أسوة، فتفعل كفعله وتأخذ بهديه وتتمسك بسنته عليه الصلاة والسلام. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فإن من علامة محبة العبد لله جل وعلا أن يتبع هذا النبي الأمي عليه الصلاة والسلام، نتأسى بأقواله ويتأسى بأفعاله. كم من أناس إخواني في الله لربما يأتيهم الطاعة وحب العبادة في أن يتعبدوا الله جل وعلا بعبادات هم أرادوا فيها وجه الله، لكنهم ما تقيدوا بالسنة، ما تقيدوا بفعله عليه الصلاة والسلام، إذ بأفعالهم مردودة على وجوههم. لا تظن يا عبد الله أن الفعل يكون مردودًا على وجهك إذا كان الفعل فيه من الفحشاء أو فيه من المنكرات، لا يا عبد الله لربما عبادة من أولها إلى آخرها فيها خير وطاعة ومع ذلك ترد على وجهك إذا خالفت فيها السنة. ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين سألوا عن طاعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فكأنهم تقالوها، فأرادوا أن يزيدوا في طاعاتهم وأن يزيدوا في عباداتهم، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني: وأما أنا فأقوم ولا أرقد، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء. تأملوا إخواني في الله إلى حق الثلاثة ما فعلوا فحشاء وما أتوا منكرًا، وما أخرجوا وما أرادوا المروق عن الدين، حاشاهم من ذلك، إنما أرادوا الطاعة والقرب إلى الله جل وعلا، لكنهم دخلوا بابًا ليس من بابه، فباب العبادة مفتوح لنبينا عليه الصلاة والسلام منه يدخل الجميع. فلما علم نبينا عليه الصلاة والسلام بخبر الثلاثة وما ألزموا به أنفسهم، عرض نبينا تلكم العبادات ورآها أن على خلاف سنته، فبين ذلك لأمته، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». انظر يا عبد الله إلى هذه البراءة، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فليس العبادة يا عبد الله ترجع إلى عاطفتك أو ترجع إلى عقلك ومزاجك، فتزيد في دين الله ما ليس فيه. ومن تأمل إخواني في الله تأمل في شرط الإخلاص وفي شرط الاتباع لعلم أنها تحقيق واقعي فعلي لشهادة الإسلام، لشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بأن تعتقد يا عبد الله بأنه لا معبود إلا الله جل وعلا، فطاعاتك ودين الله جل وعلا لا يكون فيه معبود إلا الله سبحانه وتعالى، لا تريد بعبادة من العبادات صنمًا ولا وثنًا ولا قبرًا ولا جنيًا ولا وليًا ولا فلانًا ولا علانًا، ولا دنيا ولا منصبًا ولا جاهًا، لا إله إلا الله أن تفرد العبادة لله جل وعلا، لا تجعل مع الله شريكًا في طاعته، وهذا هو الإخلاص. وأما معنى محمد رسول الله، أي لا متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي يتبع عليه الصلاة والسلام، لا أحد يزاحم نبينا عليه الصلاة والسلام في مقام الاتباع، لا نتخذ المشايخ أو نتخذ الأولياء أو نتخذ الآباء أو نتخذ العادات والأسلاف شريعة تشرع مع نبينا عليه الصلاة والسلام، إنما التابع الذي يتبع هو نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الاتباع. فحقيقة الشهادة معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله هو تحقيق الإخلاص والاتباع، ولهذا فالناس في هذا الباب يتفاوتون. ذكر العلماء أن الناس في ركني الإخلاص والاتباع على أربعة أقسام، قوم أدوا العبادة وأفردوها لله واتبعوا فيها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء أفردوا جميع العبادة وجعلوها كلها لله جل وعلا، حبهم لله بغضهم لله، كرههم لله، عطاؤهم لله، منعهم لله، ظاهرهم وباطنهم كله لله سبحانه وتعالى. يعاملون الناس على إخلاص العبادة لله جل وعلا، وهكذا قل في باب الاتباع، فأعمالهم وطاعاتهم وقوالهم وأذكارهم وأورادهم كلها مبنية على اتباع السنة، ما زادوا عن ذلك وما نقصوا، عضوا على السنة بنواجذها، ما فرطوا فيها، ما ضرهم شاماتة الشامتين ولا استهزاء المستهزئين. هؤلاء عباد الله هم من أسعد الناس برحمة الله ومغفرة الله جل وعلا، لأنهم القوم الذين حققوا شهادة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأدوا العبادة على إخلاص ومتابعة. وقسم ثان من الناس لربما أتى بالإخلاص لكنه فقد شرط المتابعة، وهؤلاء من مثل جهلة المسلمين ومن مبتدعة أهل الإسلام، أناس لربما إذا أدوا العبادة أو الطاعة جعلوها لله جل وعلا، لكنهم ما بالوا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فتراهم لربما يزيدون في هيئات الصلاة أو لربما يغيرون في كيفية العبادات أو أنهم يستحدثوا أذكارًا وأورادًا ومواسم وطقوسًا من ذوات أنفسهم. فهؤلاء عباد الله هم الضلال، بل هؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. ظن أنفسهم أنهم بالرقص وبضرب الطبول وبتحريك الرؤوس وبضرب الدفوف في المساجد وبهكذا بالأشعار والموالد وغيرها من البدع يظنون أنهم بهذا الفعل يتقربون إلى الله، وما علموا أنهم من الله يزدادون بعدًا. فهؤلاء قوم أدوا الإخلاص لكنهم فقدوا الاتباع، فعملهم مردود على وجوههم. والفئة الثالثة قوم لربما أتوا بالمتابعة إذا صلوا وإذا صاموا وإذا ذكروا الله جل وعلا أتوا بالعبادة على ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، لكنهم ما أخلصوها لله جل وعلا، لو ربما إذا صلى أراد السناء وأراد الرياء، وإن فعل خيرًا من الأعمال، وإذا ذكر الله وبغيره من الأقوال، لو ربما نظر يمينًا ويسارًا هل أحد سيمدحه هل أحد سيسمع عليه، فإن رأى من ذلك الشيء أكثر من العبادة وأكثر من الطاعة، فالعبادة على السنة لكن قلبه ما رزق الإخلاص، فهذا عمله أيضًا مردود على وجهه. وأما القسم الرابع قوم أدوا العبادة لكن من غير إخلاص ولا متابعة، فهؤلاء شرار الخلق عند الله جل وعلا، فهم لم يعظموا الله جل وعلا فلم يفردوه بالعبادة، وهكذا لم يعظموا نبينا عليه الصلاة والسلام فلم يفردوه بالمتابعة. وهؤلاء الناس هم أشقى القوم عباد الله، إن موضوع الإخلاص والمتابعة يعتبر من صميم هذا الدين، بل إن من تأمل في شرعة الله جل وعلا من أولها إلى آخرها لرآها أنها تقوم على الإخلاص والمتابعة. أمر يا عبد الله في المعاملات أو قل أولًا في العبادات، ما من عبادة يا عبد الله تؤديها ففقدت شرطًا من أحد الشروط، فهي مردودة على وجه صاحبها. فمن صلى ومن صام ومن زكى ومن حج ومن ذكر الله جل وعلا، فإن لم يكن مخلصًا لله فعمله مردود، وإن لم يكن متبعًا لنبينا عليه الصلاة والسلام فعمله أيضًا مردود. وهكذا قل في المعاملات يا من تعامل الناس، يا من تعامل الزوجة أو تعامل الأولاد أو تعامل الأقارب أو تعامل الجيران وتعامل جميع الناس، عليك يا عبد الله أن تهتم بشرطي الإخلاص والمتابعة. إذا عاملت الناس فعاملهم بإحسان لأنك تبتغي مرضاة الله جل وعلا، فإياك أنك تعامل الناس تزلفًا لمنصب أو تزلفًا لمال أو حبًا في حطام حطام الدنيا، فمعاملتك مع الناس مردودة على وجهك. وهكذا يا عبد الله إن عاملت الناس فعاملهم كما تعامل نبينا عليه الصلاة والسلام، أذر يا عبد الله إلى هديه عليه الصلاة والسلام مع أهله، وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله»، فنظر إلى هديه كيف كان مع أبنائه كيف كان مع جيرانه كيف كان مع أصحابه عليه الصلاة والسلام، فتأتسي بفعله عليه الصلاة والسلام. فباب المعاملة مبني أيضًا على الإخلاص والمتابعة، وهكذا فعل الخيرات أيضًا مبني على الإخلاص والمتابعة. إن أردت من أداء الزكوات إن أردت من فعل الصدقات إن أردت من بناء الخيرات، كيفية حفر الآبار أو هكذا بناء المساجد، وهذا أيضًا يحتاج منك إلى إخلاص ومتابعة. نعم يا عبد الله، فإن بناء المساجد مثلًا إذا عدم من أحد الشرطين، لو ربما أثر هذا في هذا المسجد أو في بيت من بيوت الله جل وعلا، فمثلًا لو أن رجلًا من الناس بنى بيتًا من بيوت الله جل وعلا، ولم يكن مبتغى مرضاة الله جل وعلا، وإنما همه أن يكون هذا المسجد سمعة يثنى عليه ويذكر بخير ويتفاخر به، فإن هذا الخير يا عبد الله سيهدم، لم يكن لك فيه ذرة حسنة عند الله جل وعلا. ألم يبلغكم يا عباد الله ما فعله أهل النفاق في زمان نبينا عليه الصلاة والسلام عندما بنوا ذلك المسجد وهو مسجد ضرار، أرادوا من نبينا أن يصلي فيه، لكن علم ربنا جل وعلا أن المنافقين ما أرادوا بذلك مرضاة الله جل وعلا، وإنما فقدوا شرط الإخلاص، وإنما أرادوا من هذا المسجد الذي بنوه التفريق بين المسلمين. فحرم ربنا على نبيه أن يصلي فيه، قال سبحانه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، حرمه ربه جل وعلا لأنه لم يبن على إخلاص الأمر لله جل وعلا. وهكذا قل في الاتباع، فالمساجد تكون على وفق السنة وعلى ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى ما أمر به، بأن يكون خاليًا من البدع خاليًا من المحدثات. وكم كان السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله يذممون المساجد يذممونها، بل ربما يتحاشون أن يصلوا فيها، ثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه دخل مسجدًا من المساجد مع صاحب له، فلما دخله فإذا بالمؤذن يثوب في الأذان، ومع التثويب هنا بأن يأتي بألفاظ ليست من ألفاظ الأذان. فلما علم ابن عمر بهذه المحدثة في هذا المسجد، قال لصاحبه: قم بنا من هذا المسجد، فخرج منه ولم يصل. أمر يا عباد الله كيف أن فقد السنة في بيت من بيوت الله يؤثر في عمران هذه المساجد. فأمر يا عباد الله إلى أهمية الإخلاص والمتابعة في بيوت الله جل وعلا. وأما مساجد الحق ومساجد أهل الخير ومساجد أهل السنة، فإن فيها هذين الشرطين، يقوم أصحابها بإذن الله ببناء هذه المساجد عمرانًا لذكر الله جل وعلا، بأن تؤدى فيها الصلوات وتقام فيها الحلقات، أرادوا بذلك أن يجمعوا المسلمين في صلاة الجماعة، وأيضًا اتبعوا فيه السنة، فتحاشوا عن البدع وعن المحدثات، فجعلوها على ما أراد الله وعلى ما شرع نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا يا عبد الله شرط الإخلاص والمتابعة ينفعك كذلك في أيام الفتن، من أراد أن ينجيه الله جل وعلا من الفتن فعليه بالإخلاص وعليه بالمتابعة. أمر يا عبد الله إلى نبي الله يوسف عليه السلام، ابتله الله بما ابتله بتلكم المرأة، بماذا نجاه الله جل وعلا؟ قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ﴾، لما كان من المخلصين لله جل وعلا، أقر الله أعماله لله جل وعلا لإخلاصه، نجاه الله جل وعلا من الفتن. وهكذا أنت يا عبد الله متى ما كنت معلقًا قلبك بالله جل وعلا مخلصًا مبتغي قصدك لله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يجعل لك من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا. وهكذا قل في اتباعك للسنة، فإنك يا عبد الله متى ما ابتليت بالفتن لكنك معصم بالسنة، فإن الله ينجيك باتباعك. ثبت عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قام في الناس يومًا فقال لهم: «إنها ستكون فتن، إنها ستكون فتن»، ففطن معاذ رضي الله تعالى عنه أن الناس لم يبلغهم مقالة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقام من مجلسه وقال: يا أيها الناس يا أيها الناس ألا تسمعون إلى ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الصحابة: وماذا قال؟ قال: إنه يقول إنها ستكون فتن، فقال الصحابة: يا رسول الله فما المخرج منها وما النجاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالأمر الأول، عليكم بالأمر الأول»، الأمر الأول ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الاحتكام بالسنة من غير زيادة من غير تبديل من غير تبديع ومن غير إحداث في دين الله جل وعلا. وهكذا يا عبد الله كم من الفتن التي تعصف في هذه الأمة، إن كنت يا عبد الله مخلصًا لله متبعًا لنبيك عليه الصلاة والسلام، فإن الله ينجيك فيها. انظر مثلًا ما يتعلق بإصلاح الأوضاع، وكم نسمع بين الفينة والأخرى من أوضاع مأساوية تعم في بلاد المسلمين ممن ينادي بإصلاح الأوضاع، مثل من يرى بعض الخلل في دولته أو يرى بعض التقصير في حكومته، فإذا بالناس يخبطون خبط عشواء يريدون المخلص من هذا البلاء. فمن كان مخلصًا من كان متبعًا لنبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الله سيوصله إلى بر الأمان، أما من قصر بالإخلاص ومن قصر بالاتباع في باب إصلاح الأوضاع، فإن الله عز وجل يجعل أمره إلى سوء. الإخلاص يا عبد الله من أراد أن يصلح الأوضاع عليه أولًا أن يتق الله في نيته، عليه أن يتق الله في نيته، إن أراد أن يصلح الأوضاع عليه أن يجعل دين الله جل وعلا أمام عينيه. إياك يا عبد الله أن تخرج في مظاهرات أو في انتفاضات أو تقوم في مقامات وتنادي بالتغيير وتنادي بالتبديل، ومهمك سوى حطام من حطام الدنيا، ليس مبتغاك الله أو الدار الآخرة أو الجنة، إن مهمك أنك تزيد من تعداد ذلك الحزم أو أنك تريد يا عبد الله إثارة الفتن والضغائن أو تريد يا عبد الله أن تستبد بنعمة الدنيا دون غيرك من المسلمين. قال نبينا عليه الصلاة والسلام وقد سئل كما في الصحيحين: «يا رسول الله الرجل منا يقاتل حمية ويقاتل عصبية أي ذلك في سبيل الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، هذا الذي له الشهادة، أما ما نراه من حال الناس يسومون في الأسواق كحال السوام ينادون ويهتفون، فوالله والله إن شققت على قلوبهم ما أرادوا الله، ليس في قلوبهم طاعة لله جل وعلا، وإنما أرادوا حطام الدنيا. وأيضًا يا عبد الله عليك بالاتباع يا من تريد أن تصلح الأوضاع، عليك بأن تنظر إلى هديه تنظر إلى سمته عليه الصلاة والسلام، ماذا أمر وبماذا أرشد نبينا عليه الصلاة والسلام؟ أوحى إليه ربنا جل وعلا بما سيقع في آخر الأزمان ما يقع بحال كحال هذه الأوضاع. نرى من اختصاص بعض الولاة بنعم دون الناس أو نرى بعض الحكومات لربما تتركز على السادة دون غيرها من الشعوب، هذا الداء قد أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ستكون بعد أثرة وأمور تنكرونها»، أثرة أي أنك ترى بعض الناس يختص بالشراك دون غيره، كحال ما يقع من بعض ولاة الأمور أن يأتي إلى ثروة من الثروات الناس فيها سواسية، لكنه يقوم بجعل هذه الثروة لنفسه، فهذه الأثرة وهي الأنانية، أخبر نبينا بهذه المعضلة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنا ستكون أثرة وأمور تنكرونها»، فقال الصحابة: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدو الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم»، هذا العلاج وصف نبينا الداء والدواء، الداء موجود والعلاج يا عبد الله أنك تفوض أمرك لله جل وعلا. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أدو الذي عليكم الذي علينا نؤديه لحكامنا لولاتنا بالسمع والطاعة وعدم الخروج عليهم»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وسلوا الله لكم»، وثبت أيضًا في الصحيحين من حديث أسيد بن حبير رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ستكون بعد أثر فاصبروا فاصبروا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، هذا نبينا عليه الصلاة والسلام ليس يخاطب ذلك أصحابه فقط، بل يخاطب الأمة جميعًا. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الأثر وعن التخصيص وعن أكل السادة وعن تنتهى حقوق الآخرين، ومع ذلك أمر نبينا بالصبر، قال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض». فيا عبد الله من تمسك بالإخلاص والمتابعة في جميع أمور دينه في عباداته وفي معاملاته وفي أقواله وفي أذكاره وفي أيام الفتن وإيام السلم وإيام الحرب، من كان مخلصًا لله متبعًا لنبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الله جل وعلا ينجيه من كل المآذق ومن كل الهموم والغموم. فيا عباد الله فإن أمر الإخلاص من أعظم أمور الدين، وللأسف كم نرى من الناس لربما ما اطلع لهما، فإن عباد الله أن نتق الله جل وعلا وأن نعيد النظر في أقوالنا وفي عباداتنا وفي طاعاتنا وفي سلوكنا، وهكذا في تعاملنا مع الله ومع رسوله، وهكذا مع جميع المسلمين. فإن كنا نرى تعاملنا على إخلاص ومتابعة، فعلينا أن نحمد الله جل وعلا حمدًا من بعد حمد على هذا التوفيق والسداد، وإن رأينا أن في تعاملنا من التقصير والخلل، إن كان في باب الإخلاص وإن كان في باب الاتباع، فعلينا أن نستعين بالله جل وعلا وأن نعيد أنفسنا وأن نتق الله جل وعلا بما يكون فيه سعادتنا في ديننا ودنيانا. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. والآن الكلمة لشيخنا أبي عبد الرحمن حفظ الله تعالى، فليتقدم مشكورًا مأجورًا، وإجزاكم الله خيرًا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي وفقنا للاجتماع في هذا المسجد المبارك، نتذاكر قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك من فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وهكذا بيوت الله جل وعلا عباد الله شرعها ربنا جل وعلا بحكم عظيمة كثيرة، ومن عظيم حكمه سبحانه وتعالى أن شرعها ليرفع فيها اسمه ويذكر جل وعلا ويعظم، ويقام لله جل وعلا بشريعته، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. فإن الله جل وعلا شرع هذه البيوت التي هي بيوت الله سبحانه وتعالى لأجل أن يذكر الله سبحانه وتعالى فيها، فإذا كان كذلك فإن من عظيم توفيق الله عز وجل لعبده أن يوفقه أن يكون من عمار هذه المساجد، ممن يعمرها بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله جل وعلا والدعاء له سبحانه وتعالى. ومن السبعة الذين يظلهم الله جل وعلا في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل قلبه معلق بالمساجد، قلبه معلق ببيوت الله سبحانه وتعالى. فإننا في نعمة عظيمة ما يعرف قدرها إلا من شرمها، وإن العبد إذا كان يوم القيامة يأسف الأسف الشديد على ما فرط في جنب الله جل وعلا، ولكنه يندم حيث لا ينفع الندم. وسمعتم في هذه الكلمة وكذلك المشاركة النافعة المفيدة من أخينا بهاشم حفظه الله تعالى عن هذا الموضوع الهام موضوع الإخلاص والمتابعة، الشيء الكثير النافع المفيد. فإن هذا الموضوع كما سمعتم هو معنى هذا الدين وخلاصة دعوة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فإن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تقوم على هذين الأصلين، تقوم على توحيد الله جل وعلا وإخلاص الدين له، بأن يعبد ولا يعبد معه غيره سبحانه وتعالى، بل يعبد جل وعلا وحده عبادة خالصة له سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، إن إخلاص الدين لله جل وعلا مطلب عظيم يستقيم به حال العبد في الدنيا والآخرة، وتقوم له عبوديته لربه جل وعلا. فإنك يا عبد الله إذا علمت أن الله جل وعلا خلقك لعبادته سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فينبغي أن تعلم أن من أعظم ركني هذه العبادة وشرطيها أن تؤديها على وجه خالص لله سبحانه وتعالى، تعبده جل وعلا وحده لا شريك له. وهذا يقتضي أن لا يكون صرف لهذه العبادة لغير الله جل وعلا، لا بما ينافيها فيكون شركًا أكبر، بأن تجعل مع الله جل وعلا شريكًا بربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، أو كذلك ما ينافي ذلك من الشرك الأصغر، بأن تجعل ما يزاحم هذه العبادة من امتغاء غير وجه الله مع الله، كالرياء والعجب وغير ذلك من المعاني التي تنافي الإخلاص. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وبهذا تعرف يا عبد الله أهمية اعتناء المسلم بأعماله أن يفتش عن أعماله أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى، فليس الشأن كل الشأن أن تكون عاملًا، بقدر ما أن يكون عملك خالصًا لله سبحانه وتعالى وموافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كم من إنسان يتصدق بصدقات كثيرة وعظيمة وكبيرة، ولكنها تكون هباءً منثورًا، بما كان من عدم إخلاصه وصدقه لله جل وعلا. هذا ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، أذب لهم الصدقات، ومع ذلك أذب أن هذه الصدقات تبطل إذا حصل فيها المن والأذى، فالمن والأذى مما ينافي الإخلاص في هذه الأعمال. وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أ