الدرس في جواهر البلاغة 56، الدرس السادس والخمسون:من( المبحث الخامس:في تعريف المسند إليه بالعلمية ... لأن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم فيصح أن يلاحظ فيه ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل تعريف المسند إليه بالعالمية وأغراض استخدامه مثل التعيين والمدح والذم. يتم ذلك بإيراد المسند إليه على هيئة علم لتعيينه وإحضار معناه في ذهن السامع.
يناقش هذا الفصل أسباب تسمية الأعلام، مثل المدح والذم والتفاؤل والتشاؤم والتبرك. يوضح أن هذه التسميات لا تعني أن الألفاظ تجلب الخير أو تدفع الشر بذاتها.
يعدد هذا الفصل سبعة أغراض لذكر العلم في الكلام، منها التعيين والمدح والذم والتلذذ والتكنية عن معنى. يذكر أمثلة على هذه الأغراض مثل التبرك بأسماء الصالحين.
يشرح هذا الفصل أهمية الدقة في الشهادة وكيف يتم التسجيل على السامع باستخدام الأسماء بدلاً من الضمائر لتأكيد الشهادة وتجنب اللبس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المُحقق -رحمه الله تعالى-: المبحث الخامس في تعريف المسند إليه بالعالمية، يعني من أقسام المسند إليه المعرفة ما يكون علما كما تقدم معنا. قال: يؤتى بالمسند إليه علما لإحضار معناه في ذهن السامع، كما مر معنا لتعيينه وتخصيصه حتى لا يحصل اللبس، وتزداد الفائدة. ومر معنا أنه من أحسن وأوضح أنواع التعيين، فإن تعيينه يكون بنفسه، بخلاف غيره فإنه يعين بقرائن أخرى خارجية، إما لفظية وإما معنوية كما مر معنا. وفيما ذكره المؤلف في التعليق الذي تقدم في أوائل هذا الفصل، قال: يؤتى بالمسند إليه علما -رحمه الله- لإحضار معناه في ذهن السامع ابتداء باسمه الخاص ليمتاز عن غيره. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، فـ«إبراهيم» علم، وإتيان المسند إليه بتعريفه بالعلمية أدعى لحصول التعيين وزيادة إيضاح المعنى، وهكذا «إسماعيل». قال: وقد يقصد به مع هذا أغراض أخرى تناسب المقام، يعني شيء زائد عن معنى التعيين. ومن هذا الشيء الزائد قال أولا: كالمدح في الألقاب التي تشعر بذلك، نحو «جاء نصر» و«حضر صلاح الدين». وهذه تكون في الأعلام التي فيها معنى المدح، ولهذا جاء في الشرع النهي عن مثلها لما فيه من التزكية، قال سبحانه: ﴿وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعلها لا تبر»، يعني: برة. قال الثاني: والذم والإهانة، نحو «جاء صخر» و«ذهب تأبط شرا». وقد يكون ليس من قصود الذم والإهانة، ولكن المقصود المدح من وجه آخر، ووجه المدح في هذه الألفاظ هو إظهار الشجاعة والغلظة والجفاء، وكان بعض العرب يجعل مثل هذا مدحا مع كثرة حروبهم وكذلك نزاعاتهم، فيجعلون المدح من ذلك المعنى الذي ظاهره الذم، فليس دائما يكون مثل هذا فيه ذم وإهانة. قال ثالثا: التفاؤل، نحو «جاء سرور»، يعني أن الاسم فيه ما يتفاءل به. قال رابعا: التشاؤم، نحو «حرب في البلد»، يعني أن اسمه حرب، يدخل الشؤم. وهذا ليس بصحيح، فليس لفظ بذاته يأتي بخير أو يدفع شر، فالخير والشر لا يأتي بالألفاظ. ولا ينافي هذا كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الحسن ويستبشر باسم «رباح» ونحوه، فإن ذلك استبشار وليس جزم وانقباض أو انبساط يقتضي إقدام أو إحجام، فاقتضاء الإقدام والإحجام بالمسموع أو المرئي أو المعلوم هذا من التطير، لا فرق بين ما يتفاءل به أو يتشاءم به، وهذا هو معنى التطير كما عرفه ابن القيم -رحمه الله-. وعلى هذا رواية الآثار عن بعض الصحابة، فعن ابن عباس وطاووس وجماعة ما معناه: فيمن سمع صوت طائر فقال «خير خير»، فقالوا: «أي خير أو شر عند هذا؟» يعني: لا ينبغي أن يكون إقدام أو إحجام بصوت طيور، ولا برؤية حيوان أو إنسان، ولا كذلك بإدراك معلومات من أيام أو شهور أو أرقام أو غير ذلك. قال خامسا: التبرك، نحو «الله أكرمني» في جواب «هل أكرمك الله؟» يعني التبرك بذكر اسم الرب جل وعلا. وأحسن منه «بسم الله الرحمن الرحيم»، فإننا نتبرك بذكر اسمه في كل ما يبتدأ به من قول أو فعل أو عمل، ونستعين به. وقد يكون على وجه مشروع، وقد يكون على وجه ممنوع، كالتبرك بأسماء الصالحين مثلا كما يفعله بعض عباد القبور ومن فتن بفتنتهم. قال السادس: التلذذ، كقول الشاعر: «بالله يا ضبيات القاع قلنا لنا ليلة، أم ليلة من البشر؟» وهذا البيت لعنترة، يعني يتلذذ بذكر اسم «ليلة» فيكرره، فليس المقصود من ذكر العلم التعيين فقط، ولكن المقصود هو التلذذ بهذا الاسم لأنه معشوق عنده. ومر معنا مثل ذلك في أسماء البقاع ونحوه. قال السابع: الكناية عن معنى يصلح العلم لذلك المعنى بحسب الأصل قبل العالمية، نحو «أبو لهب فعل كذا»، كناية عن كونه جهنميا ونحو ذلك. قد يكون ليس علما وإنما هو وصف، مثل أن تقول لرجل ليس اسمه أبو لهب: «جاء أبو لهب» مثلا، فصار علما على إنسان له وصف آخر صار علما على إنسان له علم آخر. وبه نعرف أن العالمية ليس هو الاسم الخاص، بل قد يكون وصفا صار علما، كرجل عرف بشر أو رجل عرف بخير، فسمي بعلم فيه معنى الخير أو معنى الشر، ولو كان هذا العلم ليس هو علمه الخاص. مثل ما أشار إليه مثلا رجل له أعمال سوء وهو كافر، فيقال: «جاء أبو لهب»، ولا تريد بأبي لهب الذي مضى وذكر في القرآن، ولا تريد بأبي لهب كذلك أنه علمه الخاص، ولكن وصفه الذي صار به علما، مثل أبي جهل، فأبو جهل ليس هو علمه الخاص، ولكنه وصف صار به علما. قال: لأن اللهب الحقيقي ولهب جهنم فيصح أن يلاحظ فيه ذلك. هذه بعض الأغراض وأهمها وأشهرها، وإلا فالأغراض كثيرة بحسب سياق الكلام وإيراده، فإنه قد يكون أكثر من هذا. فمثلا من هذه الأغراض زاد بعضهم التسجيل على السامع، كان يقول مثلا القاضي للشاهد: «أتشهد أن فلانا من الناس» -مثلا اسمه إبراهيم- «أقر بكذا؟» فيقول الشاهد: «أشهد» أو «أقر أن إبراهيم أقر بكذا»، فلم يقول «أنه» بالضمير مع أنه يجوز أن يقول «أنه» بالضمير لأنه ماذا ذكر، فيكون المقام مقام اختصار فيكفي فيه ذكر الضمير، لكن ذكره بالعلم لأجل التسجيل على السامع وتأكيد الشهادة وانطباقها على الموصوف. والله تعالى أعلم.