القول السديد في مقاصد التوحيد  64

القول السديد في مقاصد التوحيد 64

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 64، الدرس الرابع والستون:من( باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء ... أبهذا الحديث أنتم مدهنون*وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الاستسقاء بالأنواء وعلاقته بالتوحيد

يبدأ الشرح ببيان أهمية فهم التوحيد وتدريس العلم بترتيب وتنسيق مناسبين، مع التركيز على باب الاستسقاء بالأنواء من كتاب التوحيد.

تحذير النبي من خصال أهل الجاهلية

يتناول تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من خصال أهل الجاهلية مثل الاستسقاء بالنجوم والتفاخر بالأحساب والطعن بالأنساب والنياحة.

تحليل الأقوال والأفعال عند المصائب وحديث النياحة

يناقش الأقوال والأفعال التي تُعد من النياحة عند المصائب، ويُوضح عقاب النائحة يوم القيامة إذا لم تتب.

حكم نسبة الحوادث إلى النجوم

يُبين أن نسبة الحوادث إلى الأنواء والنجوم غير جائزة شرعاً وقد يُعد كفراً أكبر أو أصغر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب «كتاب التوحيد»، باب ما جاء بالاستسقاء بالأنواء، وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». قال: «وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. ولهما عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني مطر-، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه قال بعضهم: «لقد صدق نوء كذا وكذا»، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية الواقعة، الثانية ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية، الثالثة ذكر الكفر في بعضها، الرابعة أن من الكفر ما لا يخرج من الملة، الخامسة قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة، السادسة التفطن للإيمان في هذا الموضع، السابعة التفطن للكفر في هذا الموضع، الثامنة التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا»، التاسعة إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟»، العاشرة وعيد النائحة. أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في هذا الكتاب العظيم «كتاب التوحيد»، هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي ما يتعلق بالتوحيد. وهذا الباب هو من الأبواب المتعلقة بالأبواب التي قبله مما يتعلق به الكهان ومن كان كذلك يسير بسيرهم من التعلق بغير الله عز وجل، وكله مما ينافي التوحيد. كما أن فيه كذلك تعلق بما سيأتي من أبواب من الأبواب التي تتعلق بالأعمال، فما بعد هذا الباب من الأبواب أبواب تتعلق بالأعمال أعمال تنافي التوحيد. وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليها، وبه تعرف ثقة هذا الإمام رحمه الله وحسن تنسيقه لهذا الكتاب وترتيبه لأبوابه، واعتناء أهل العلم بمثل هذه المعاني التي يكون بها ترتيب مسائل العلم وتدريجها على السامع والقارئ والمتعلم، وما يكون كذلك من حسن وضعها بما يكون فيه فهمها واستيعابها وإدراكها. وقوله: «باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء» أي هذا مدخل، فالباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل في معرفة ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. والاستسقاء هو طلب السقيا، فالألف والسين والتاء تدل على الطلب غالبا. والأنواء هي النجوم ومنازلها. وقد مر معنا في الباب الذي قبله الإشارة إلى شيء من ذلك، فإن للنجوم ثمانية وعشرين منزلة تقارب منازل القمر. وقد تقدم معنى أن للقمر هذه المنازل كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. فيسقط القمر في كل مغرب في كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع منزلة أخرى في مقابلها في ذلك الوقت من جهة المشرق، ينزل في جهة المغرب ويطلع الآخر في جهة المشرق، فهذه منازل القمر. ويقترن بها منازل للنجوم، فبه نعرف أن منازل النجوم ثمانية وعشرين منزلة، وكل منزلة تبقى ثلاثة عشر يوما إلا منزلة الجبهة، فإنه يأتي في بعض الأحيان أربعة عشر يوما. إذا ضربنا ثمانية وعشرين في ثلاثة عشر سيكون العدد ثلاثمائة وأربعة وستين، وهذه أعداد السنة. وإذا زدنا اليوم الذي يزيد في الجبهة فإنه يكون أحيانا على أربعة عشر يوما سيكون ثلاثمائة وخمسة وستين، وهذا ما يسمى بالسنة البسيطة والسنة الكبيسة. فهذه المنازل جعلها الله عز وجل بحكمته تجري بهذا النظام، يُعلم بها التوقيت والزمان والمكان وغير ذلك من المصالح، كما قال الله عز وجل: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وهذه المنازل التي تنزلها هذه النجوم تدخل في جوامع يسميها أهل الفلك الأبراج، فالأبراج اثنا عشر برجا، وبعض هذه الأبراج يدخل فيها منزلة واحدة، وبعضها تدخل فيها ثلاثة منازل، فتصير بعد ذلك على هذه المنازل التي سمعناها. وسيت إن شاء الله التنبيه على شيء من ذلك في آخر هذا الباب. وقوله رحمه الله: «وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾» الآية، ووجه الشاهد منها أنها ذكرت في حديث ابن عباس كما في صحيح مسلم، سيأتي إن شاء الله عند قول من قال: «لقد صدق نوء كذا وكذا»، فإنه نزل بعدها أو عندها ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ الآيات. كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه، ومعناه أنه لا يجوز اعتقاد علم التأثير بهذه الأنواء والنجوم، فمن اعتقد ذلك فقد كفر بالله عز وجل، والكفر هنا كفر أكبر؛ لأن الذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى وحده، والذي يرزق ويمنع هو الله عز وجل وحده، فنسبة ذلك إلى غير الله من الكفر بالله، فهو المتفرد بصفات ربوبيته سبحانه وتعالى وحده جل وعلا. فمن اعتقد ذلك فقد كفر بالله، كما أنه إذا لم يعتقد التأثير ولكن اعتقد أنه سببا لذلك ولم يجعله الله عز وجل سببا، فلو قال: «أنا أعتقد أن الله وحده هو الذي يرزق، لكن الله جعل هذه أسبابا»، مثل ما يعتقد الكثير من أهل النجوم والفلك، فإنهم يجعلون لهذه النجوم ومنازلها أوصافا، فالنجم الفلاني وقت نزول الأمطار، والنجم الفلاني وقت هبوب الرياح، والنجم الفلاني وقت كذا وكذا، فيجعلون هذه أسبابا. فمن جعلها أسبابا كذلك عصى الله عز وجل ووقع في الكفر، لكنه كفر دون كفر، كفر النعمة، وهو كفر النعمة لأنه كفر بنعمة الله عز وجل إذ نسبها إلى غير من يجب أن تنسب إليه، فالله عز وجل لم يجعل هذه أسبابا حتى تنسب إليها. وقوله: «عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه» الحديث، الشاهد منه قوله: «والاستسقاء بالنجوم»، فإن من خصال أهل الجاهلية الاستسقاء بالنجوم. وهذا الاستسقاء قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول، وقد يكون بالاعتقاد. فبالفعل ما يفعله بعض الوثنيين، فإنهم إذا جاء النجم الفلاني قدموا القرابين رغبة في نزول الأمطار، وهذه القرابين قد تكون دبائح وقد تكون غير ذلك، وهذا من أمر الجاهلية، ولا يزال موجودا في هذه الأمة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، يوجد اليوم بعض المنتسبين إلى الإسلام من المتصوفة والشيعة من يفعل مثل ذلك، خصوصا إذا كانت المجتمعات مليئة بالجهل وبعيدة عن السنة وعظيمة الصلة بالبدعة وأهلها، فإنه يكثر فيهم مثل هذه الوثنيات. وقد أخبرني بعض الإخوان أنه يوجد في بعض البلاد ممن أهلها ينتسبون إلى الإسلام، فضلا عن غيرهم ممن لا ينتسب إلى الإسلام، ربما إذا جاءت بعض النجوم التي اعتقدوا فيها مثل هذه العقائد الفاسدة قربوا القرابين، وربما والعياذ بالله قربوا قرابين حتى ببعض بني آدم ممن يتشاءمون منهم. ربما بعضهم إذا تأخرت الأمطار تشاءموا من بعض الناس، فقالوا وعند ذهاب لبعض السحر والكهنة قربوا وتقربوا بفلان، ربما يكون إنسان أبرص أو إنسان فيه عاهة، فيتقربون به يقتلونه يريدون بذلك نزول الأمطار مع قرب ودنو النجم الفلاني، وغير ذلك من عقائد أهل الجاهلية. وهكذا قد يكون بالأقوال، قد يكون بقول يقوله الإنسان، ومنه أن يقول مثلا: «صدق نوء كذا»، هذا من اعتقاد أهل الجاهلية، أو يقول: «جاء نجم كذا فليأتنا خيره أو تأتنا بركته»، والله عز وجل لم يجعل لهذا النجم خير ولا بركة حتى يعتقد أن المطر مثلا مرتبط بهذا النجم أو مرتبط بهذا الموسم ونحو ذلك. وقد يكون كذلك بالاعتقاد، لا يظهر ذلك لا في لسان ولا في فعل، ولكن في قلبه حب للنجم الفلاني يحبه ويرجو قدومه، قلبه ليس متعلقا بالله بمثل تعلقه بهذا النجم، فمثل هذا كذلك قدح وخلل في عقيدة المؤمن. والواجب أن المؤمن يتعلق بالله عز وجل، بل الذي يجب أن المؤمن يتعلق بالله حتى ولو أقبلت الأسباب الحقيقية وأدبرت لا يبالي بإقبالها وإدبارها لعظيم تعلقه وتوكله بربه سبحانه وتعالى، وعظيم ثقته به. فكيف إذا كانت هذه التي يتعلق بها ليست بأسباب لم يجعلها الله أسبابا؟ فهذا أشد، فإن من عظيم مقام التوكل أن المؤمن يتعلق بالله حتى ولو تغيرت الأسباب أدبرت أو أقبلت فهو لا يبالي بذلك لعظيم ثقته بربه سبحانه وتعالى. فإذا لم تكن تلك أسبابا فمن باب أولى أن لا يكون في قلبه التفات إليها، فضلا أن يتعلق بها ويفرح ويكون به كذلك أو عنده شيء من التعظيم والإجلال لها، حتى تجد بعض الناس ربما يضع بعض صور النجوم التي يتفاءل بها يضعونها في بيوتهم وفي مجالسهم ويؤرخون لها، وكل هذا خطأ؛ لأن الابتهاج بهذه النجوم معناه التعلق بها. والواجب أن يتعلق المؤمن بالله وحده سبحانه وتعالى. وفي الحديث كذلك المسائل الأخرى، فإن من خصال الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن بالأنساب، فلا يجوز لمؤمن أن يتفاخر على أخيه بحسبه، لا لكونه من آل فلان ولا لكونه صاحب اللون الفلاني ولا لكونه صاحب البيت الفلاني أو المنصب الفلاني، كل ذلك من خصال أمر الجاهلية. وأعظم منه إذا كان معه الطعن في الآخرين في أنسابهم ومنازلهم وأحسابهم، فهذا أشد. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم من تراب». وكما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّءِ أَتْقَاكُمْ﴾. بل قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾. وهكذا كذلك النياحة، كما سيأتي إن شاء الله، هي كذلك من خصال أهل الجاهلية. وقد تكون النياحة بالقول، وقد تكون بالفعل، فمن الفعل ضرب الخدود وشق الجيوب، وكل فعل معناه التصخيط على قدر الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك القول، كل قول معناه التصخيط على قدر الله سبحانه وتعالى، كرفع الصوت والدعاء على النفس والدعاء على الولد والمال، وسوء الظن بالمستقبل، وغير ذلك من الأقوال أو الأفعال التي تنافر رضا بقضاء الله وقدره. مع هذا البلاء الذي ابتلي به المسلم، فهو من النياحة. وأما دمع العين وحزن القلب، فهذا مما رخص فيه لابن آدم، وهو مما كذلك لا يملك ابن آدم دفعه، بل هو يوافق فطرة الإنسان. ولا يعني ذلك أن يرفع صوته بالبكاء. وأما ما طرى على الإنسان من دمع العين وحزن القلب، أو ربما كذلك كان نحيبا مع البكاء في بداية وشدته مع شدة حرصه على دفع هذا النحيب، فهذا كله معذور فيه، والله عز وجل رحيم رؤوف بعباده. وكذلك قوله: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها السربال من قطران»، ذكر النائحة لأنه هو الغالب، وليس معناه أن النائح لا يصيبه ذلك، بل النائح يصيبه ذلك كما يصيب المرأة، ولكن الغالب أن النياحة تكون في النساء، فالحديث خرج مخرج الغالب. وقوله: «إذا لم تتب» فيه دليل أن هذا الوعيد الشديد هو أعظم من الذنب، فهو عقاب زائد لمن لم يتب، وفيه حكمة الله ورحمته بعباده؛ لأن الإنسان قد يقع في الذنب، ووقوعه فيه قد يستعتب عليه. فإذا استعتب عليه، خصوصا والموقف قد يكون فيه ما يعذر الإنسان من شدة العقاب فيه، فكان كافيا أن يعذب على النياحة دون هذا العذاب الأشد، وإنما هذا العذاب الأشد لمن لم يستعتب بعد نياحته، يعني صار النائح على قسمين: قسم يقع بالنياحة ثم يندم ويتوب، فهذا تكتب له معصيته، فإن تاب تاب الله عز وجل عليه. وآخر لا يتوب، يبقى على ما هو عليه، ويكرر ذلك في كل وقت وحين يمر به مثل ذلك، فمثل هذا هو الذي يغلب عليه العذاب بأن يلبس سربالا من قطران. والسربال الثوب السابغ الذي يأتي من الأعلى إلى الأسفل، قميصا أو دراعة أو غير ذلك. والقطران هو النحاس المذاب، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وهذا زيادة في التنكيل والتعذيب لمن لم يستجب لأمر الله. ودرع من جرب كذلك، والجرب معروف يصيب الجلد، شدة من باب التعذيب والتأديب لأمثال هؤلاء الذين لا يتوبون ولا يستعتبون، مع بلوغهم العلم في ذلك، فإنهم يعذبون بذلك. وقوله: «ولهما عن زيد بن خالد» أي في الصحيحين. وكما ذكر في الحديث أن ذلك وقع في يوم الحديبية بعد صلاة الصبح. والشاهد منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، يعني بسبب ما وقع من أمري تعلقهم بهذه الأنواء. وقوله: «من عبادي» المراد بالعبودية هنا العبودية العامة التي تشمل جميع البشر، المؤمن والكافر، والبر والفاجر؛ لأن الحديث ليس خاصا بالصحابة، وإنما هو عام لكل أهل الأرض ممن أصابهم ذاك المطر، فيشمل بذلك المشركين الذين كانوا في مكة وما حولها من المشركين ممن أصابهم ذاك المطر. فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُلٌّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي العبودية العامة، فهو يشمل جنس البشر جميعا، يشمل الكافر والفاجر كما يشمل المؤمن تقيا وغير تقي، فهو ليس خاصا بالصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي قوله: «فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب»، وقوله: «كافر بي مؤمن بالكوكب»، الكفر ها هنا على كفرين: إما كفر أكبر على ما تقدم، وإما كفر أصغر، فهو كفر دون كفر من كفر النعمة. فإن اعتقد تأثير الأنواء ونسبتها لغير الله، فهذا من الكفر الأكبر. وإن لم يعتقد تأثير الأنواء، ولكن جعلها أسبابا ولم يجعلها الله عز وجل أسبابا، فنسب النعمة لغير الله، فإنه بهذه النسبة وقع في المحرم والكفر، أي كفر النعمة. وقوله: «ولهما» كما أشار المعلق: إن حديث ابن عباس ليس بالصحيحين، بل هو بصحيح مسلم فقط. فقد ذكره الإمام مسلم رحمه الله في سياق ذكر أحاديث ما بوّب له بباب «كفر من قال: مطرنا بالنوء». والشاهد منه قوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا»، يعني قال بعض الناس ذلك. وفيه أن الذي قال ذلك بعض المسلمين، وهذا من خصال أهل الجاهلية التي تبقى في هذه الأمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، ومنها الاستسقاء بالنجوم. وقد مر معنا أن الاستسقاء بالنجوم قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول، وقد يكون بالاعتقاد. فمن قال بلسانه: «لقد صدق نوء كذا وكذا»، نسب النعمة لغير الله، وهذا من الكفر بالنعمة، وهو من الكفر بالنعمة، وإن لم يكن كفرا أكبر، لكنه كفر أصغر، وكفر دون كفر. وهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب»، «مؤمن بالكوكب». وقوله: «فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ لقوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾» يعني الآيات في سورة الواقعة، فإنه قال: ﴿بَعْدًا وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ هذا هو الشاهد. فجعل الله عز وجل نسبة النعمة لغيره من النجوم والأنواء من تكذيب إفراده سبحانه وتعالى بالرزق: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. فإذا لا يجوز نسبة ذلك إلى الأنواء والنجوم، ومن جعل ذلك فقد وقع بالكفر، إما الأصغر وإما الأكبر. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.